من «وصايا الملوك» لدعبل الخزاعي (ت ٢٤٦هـ)
وصية أدد بن مالك
وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان وهو أبو مذحج أقبل على بنيه عند حضور الوفاة فقال: " من البسيط "
إنَّ الَّذي عرفَ الدُّنيَا وجرَّبَهامن قبلِ أنَ تعرِفُوهَا ويحكُم أُددُ
أفنى لياليهُ الَّلاتي سلفنَ ولمتُسعِفهُ من بعدِها أيَّامُهُ الجُددُ
بنيَّ إنِّي حلبتُ الدَّهرَ أشطُرهُفما عدانِيَ مِنهُ الشَّريُ والشَّهدُ
وقد صحِبتُ رجالاً كُنتُ آملهمْيُخلَّدوا لِيْ فما عاشُوا وما خلُدُوا
بنيَّ إن مِثلَ أمسِ اليوم سالِمَنيفليسَ يُؤمِنني ممَّا أخافُ غدُ
بنيَّ لا تبدؤُوا قوماً بمظلمةٍوفي عداوةِ من عاداكُمُ اجتهدُوا
لا تحسُدُوا النَّاسَ ما أُوتُوا وما رُزِقُوامِنَ الثَّراءِ فحَظُّ الحاسِدِ الحسدُ
صُونُوا العشيرةَ وارعَوا حقَّ جارِكُمُفالجارُ أقربُ من تُسدَى إليه يدُ
شُبُّوا لطارقِكُم ناراً يدومُ لهانُورٌ به يهتدي ذا الطَّارقُ القَصَدُ
فإنَّ أكرَم نار الحَيِّ ما ظهرتْعلى الفجاجِ وباتتْ ليلهَا تقدُ
وصَّيتُكُمْ فاحفظُوا عنِّي الوصاةَ ولاتبغُوا سِوَاها ففِيْ إسماعِهَا الرَّشدُ
قال علي بن محمد: قال الدعبل بن علي: فيقال: إن مذحج بن أدد بن مالك بن زيد بن كهلان حفظ هذه الوصية، وثبت عليها، وعمل بها، وكذلك بنوه من بعده. وإلى اليوم تتبارى مذحج حيث كانت في استعمال ما وصَّاهم به أبوهم أدد بن مالك من الإيجاب للعشيرة، وإسداء الجميل إلى الجار، والحفظ والمراعاة له، وترك البدو بالظلم والعدوان، والاجتهاد في العداوة لمن عاداهم، والصبر على ما يبتلون به من الفتنة، والإكرام للضيف.
تقول العرب إذا رأت ناراً عظيمة: ترى ناراً كأنها لأحد مذحج. وفي ذلك يقول قائلها: " من الرمل "
تعظُمُ النَّارُ إذا النَّارُ التَّيشبَّها عبسُ النَّدى أو صعصعةْ
لِقُدورٍ كالرُّبَى راسيةٍوجِفانٍ كالجوابِي مُترعةْ
تَصدُرُ العالةُ والأضيافُ فيكُلِّ يومٍ وهي عنها مُشبَعَةْ
أيُّها السَّاعِي على آثارِنَانحن من لست بساعيّ معه
نحنُ أودٌ حِينَ تصطكُّ القناوالعوالي لِلعوالي مُشرَعَةْ
ويقال: إن هذا الشعر لصلاءة بن عمرو المذحجي، وهو الذي يعرف بالأفوه الأودي. وتصديق قوله:
تعظُمُ النَّارُ إذ النَّارُ الَّتِيشبَّها عَبسُ النَّدى أو صعصعهْ
وقول القطامي:
ألا إنَّما نيرانُ قيس إذا استوتْلطارقِهِم ليلاً كنارِ الحُباحِبِ
وما زالت العرب تنسب قيساً إلى مثل ما نسبها إليه قائل هذا البيت من خفوض نيرانهم وخبوها عند بدو نيران غيرها. وقد ذكر ذلك حسان بن ثابت الأنصاري حيث يقول:
تراها كأمثالِ العقائقِ بينَنَاتألقنَ أو توقدن نارَ الحُباحِبِ
وفيما شرحناه من أخبار مذحج وأحاديثهم كفاية عما تركناه وملنا عنه إلى الاختصار.
وحدّثني علي بن محمد، عن جده الدعبل بن علي، أن طيء بن الغوث بن مالك بن أدد - ومالك اسم مذحج - عُمِّر عمراً طويلاً، زاد على نيّف وأربعمئة سنة. ويقال: إنه أقبل على بنيه وهو يقول:
عُمراً وجاوزتُ المئينَ الأربعاوسُلبتُ أسبابَ الشَّبيبةِ أجمعا
ولحِقتُ أيَّامَ الجديسِ وحابهاطسماً سنيناً ما حللنا لعلعا
والصَّعبُ ذو القرنينِ كُنتُ لِجَدِّهِجَدَّاً وكانَ أبُوهُ ذِكرى مُرضَعَا
ولقِيتُ لُقمانَ بن عادٍ حاملاًبقوارعِ الأحقافِ نَسراً ميفعاً
ولقد شَهِدّتُ من الزَّمانِ عجائباًما شاءَ بيَّنها لهُ أو يسمعا
فليأتِنِي مُستخبِراً فأنا الَّذيأفنَت لياليهِ القُرُونُ التُّبَّعا
أُمماً متى أحصيتُهَا وعَدَدّتُهَاألفيتُها أُمماً لعَمرُكَ أربعَا
ما إن أُسائِلُ عن صديقٍ مِنهُمُإلا وقبلُ سألتُ عمَّنْ ودَّعا
أبنيَّ هل تجِدُون ليْ من مهيعٍغير الرَّدى فأسيرَ ذاكَ المهيعا
لا، هلْ وماذا يأملُ اليفنُ الَّذييُمسِي ويُصبِحُ كالحنية خروعا
ثغمت نميمته بياضاً بعدماكانت له تحكي الظلام الأفرعا
عُوا ما أقولُ لكُمْ وأُوصِيكُم بهِإنَّ الوصِيَّة يحتويها من وَعَى
كُونُوا لجارِكُمُ وللضَّيفِ الَّذييُمسِي بساحتكُمْ جِنابَاً مُمرِعا
وإذا أتاكُمْ صالحٌ من قومكُمْفاسعَوا إليه من معينْ معامعا
لا تُقبِلُوا هجماً كغِزلان الشَّرىمن ترد المرتعا
عِزُّ العشيرةِ في جماعتِها الَّتِيلمّا تَجِد فيها الأعاديْ مطمعا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع