من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
باب: الغلط
اعلم أن الغلط هو أن يغلط في اللفظ ويغلط في المعنى، مثل قول زهير:
فينتجْ لكم غلمان أشأمَ كلهمكأحمر عادٍ ثم ترضعْ فتفطمِ
أراد أحمر ثمود، وهو عاقر الناقة، وقد احتج بعض العلماء. فقال: أراد عاد الأخرى، لأنهما عادان، كما قال الله تعالى: " وأنه أهلك عاد الأولى "، فدل على أن ثمود عاد الأخرى، وكقول بعض العرب في الحماسة:
وبيضاءَ من نسج ابن داودَ نثرةٍتخيرتها يوم اللقاءِ الملابسا
وإنما الدروع من نسج داود بنفسه لا من نسج سليمان.
ومنه قول رؤبة بن العجاج:
سرية لم تأكل المرققاولم تذقْ من البقولِ الفستقا
والفستق ليس من البقول، إنما هوثمر.
ومنه له: مثل النصارى قتلوا المسيحا. والنصارى لم تقتل المسيح، إنما قتلته بزعمهم اليهود. وقد احتج له ابن جني، فقال: إن النصارى لما قالوا: إن المسيح قتل وصلب نسب إليهم قتله، كما قال الله تعالى: " فما لكم في المنافقين فئتين "، أي فئة تقول: إنهم مسلمون، وفئة تقول: إنهم مشركون. وقال تعالى: " أتريدون أن تهدوا من أضل الله "، فنسب إليهم الهداية لأنهم سموهم مهتدين.
ومن ذلك قول الراجز: وأبيض أخلص من ماء اليلب.
والسيوف لاتعمل في ماء اليلب، لأن اليلب جلود يتخذ منها دروع منسوجة، فتوهم الشاعر أنها حديد.
ومن ذلك قول جرير:
لما تنزلتُ بالديرين أرقنيصوتُ الدجاجِ وقرعٌ بالنواقيس
غلط ثلاث مرات لأنه دير واحد، وهو دير عبد الملك، والدجاج لا يصيح وإنما تصيح الديوك، وكذلك الأرق أول الليل والديوك تصيح آخره.
ولامرئ القيس:
فللسوط ألهوبٌ، وللساق درةٌوللسوط منه وقع أهوج ملهب
فهذا غلط في صفته لأنه لو كان حماراً لكان ذلك ردياً في صفته، فكيف يصفه بذلك وهو هجنة فيه؟
باب
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع