تجاوز إلى المحتوى

من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)

باب: التهذيب والترتيب

اعلم أن التهذيب والترتيب هو أن يحصل المعنى قبل اللفظ، والقوافي قبل الأبيات.

ويقصد الكلام الجزل دون الرذل، والعذب دون الجهم. ولا يعمل نظم ولا نثر عند الملل، فإن الكثير معه قليل، والنفيس خسيس، والخواطر ينابيع، فإذا رفق بها جمت، وإذا عنف عليها نزحت.

وليكتب كل معنى يسنح، وكل لفظ يعرض، وليترنم بالشعر وهو يصنعه؛ فإنه يعين عليه، فقد يجيد الشاعر ويمكنه مرة، ولا يمكنه أخرى.

وإياك وتعقيد المعاني، وتقعير اللفظ، وليجعل المعنى الشريف في اللفظ الظريف، لئلا يتلف أحدهما الآخر، ومتى عصي الشعر فاتركه، ومتى طاوعك عاوده، وروح الخاطر إذا كل، واعمل في أحب المعاني إليك، وكل ما يوافقه طبعك فالنفوس تعطي على الرغبة ما لا تعطي على الرهبة.

واعمل الأبيات متفرقة على ما يجود به الخاطر، ثم انظمه في الآخر، وحصل المبدأ والمقطع والخروج، فهو أصعب ما في القصيدة، وميز في فكرك محط الرسالة، ومصب القصيدة؛ فإنه أسهل عليك: وأشعرها أولا وهذبها أولا وهذبها آخراً فقد قيل عن الحطيئة: إنه كان يعمل القصيدة في شهرين، ويهذبها في حول. وقيل عن زهير: إنه كان يعمل القصيدة في شهرين ويهذبها في حول، ولذلك سمي شعره: المنقح الحولي.

ولا يسرف الكاتب في الشكر لأنه إبرام وتثقيل، ولا في الدعاء فإنه تكسب من السلاطين وكان المتقدمون يتركون السجع، لكن تكون كلماتهم متوازنة، وفصولهم

متقابلة، وهي طريقة أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه، وطريقة ابن المقفع، وسهل بن هرون وغيره.

ولا يجعل كل الكلام فناً واحداً شريفاً قبل أن يفصله فإن الكلام كالقعد إن كان كله ثميناً لم يكمل حسنه. أرصف كلامك لتكون كل كلمة مكانها وإلا كان كالجسد المنكوء من الأعضاء.

واعلم أن الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، فإذا قويت الألفاظ، فلتقوا المعاني؛ ليحمل بعضها بعضاً.

واقصد القوافي الحسنة، ولا تقصد المستهجنة، فإنها حوافر الشعر.

واقصد الأوزان الحلوة دون المهجورة؛ فإنها أحلى في القلوب، واجعل كلامك في التوقيعات وعليك بالمقطعات فإنها في القلوب أجود وفي المجالس أجول وبالأسماع أعلق وبالأفواه أعبق. وإذا نثرت منظوماً فغير قوافي شعره عن قوافي سجعه؛ وإذا سرقت معنى فغير الوزن والقافية ليخفى ولا يظهر.

وإذا أخذت شعراً فزد على معناه، وانقص من لفظه، كما يطعن به عليه، فحينئذ تكون أحق به.

وإذا تقاربت الديار تقاربت الأفكار، ولهذا قالوا: الشعر محجة يقع فيها الحافر على الحافر.

واعلم أن من الناس من شعره في البديهة أحسن منه بالروية وبالعكس. وفي الناس من إذا خاطب أبدع، وإذا كاتب قصر، وبضد ذلك؛ ومن إذا قوي نظمه ضعف نثره وبالضد، وقلما يتساويان؛ وقد يبرز الشاعر في معنى دون غيره، وكما قالوا: أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب.

وامدح بأخلاق النفس دون أخلاق الجسم؛ وامدح كل واحد بما يليق به.

وإياك والمصادر والمباني التي هي غير مقصودة ولا معهودة، كما قال بعضهم للرشيد: أحسن الله إنابتك؛ فقال: وعجل الله إماتتك.

وارتك التعقيد والتقعير، وهو التكلف بالوحشي، مثل قول زهير: وليس بحقلد. وقول أبي تمام: يجهضمه.

ولا تعقد المعاني فتحوج إلى كشف، فإن أحسن الشعر ما سبق معناه إلى القلب مع لفظه إلى السمع.

وليكن كلامك سليماً من التكلف، بريئاً من التعسف، وليحط لفظك بمعناك، وليشتمل على مغزاك؛ فإن البلاغة سرعة جواب في صواب، وأن تقول فلا تبطئ، وتصيب فلا تخطئ. والعي إكثار في إعذار، وإبطاء في أخطاء، كما جاء في المثل: سكت ألفإن ونطق خلفاً.

وقدر اللفظ على قدر المعنى، لا زائداً عنه ولا ناقص كما قيل في مدح بعض الكتاب: كأن ألفاظه قوالب معانيه، وقيل في آخر: كان إذا أخذ شبراً كفاه، وإن، أخذ طوماراً ملاه.

واستعمل التطويل في مكانه، والتقصير في مكانه، فقد قيل: إن الإيجاز إذا كان كافياً كان التطويل غثاً وإن كان التطويل واجباً كان التقصير عجزاً فإنك تصل إلى ما وصلوا إليه، وتقدر على ما قدروا عليه. وإياك أن تفرط أو تفرط؛ فإن فرطت قصرت، وإن أفرطت كثرت. وخير الأمور أوسطها.

وادخر الألفاظ التي جاءت في الأشعار للمكاتبات والمخاطبات ابتداء وجواباً لمن كاتبت أو كاتبك، أو خاطبت أو خاطبك.

واعلم أن محاسن الشعر ثلاثة: التطبيق والتجنيس والمقابلة. ومحاسن المعاني ثلاثة: الاستعارة والتشبيه والمثل، فاقصد إليها واعتمد عليها.

وينبغي أن يكون ابتداء القصيدة أو الرسالة ما يدل على المعنى المقصود، مثل قولهم في أول كتب الفتوح " الحمد لله الغالب. وفي أول كتب العهود: الحمد لله الواهب.

واعلم أن خير الكلام المطمع الممنع، وأحسنه ما قل ودل، وجل ولم يمل، وألا يكون قروياً ولا بدوياً وأن يكون الكاتب حلو الكلام قريب المعاني، لا نكاتب العامة بكلام الخاصة، ولا الخاصة بكلام العامة، ولا يداخل ألفاظ العلماء في ألفاظ العرب ولا يركب الضرورة وإن كانت من ضرورات العرب لأنها تحسن منهم ولا تحسن منا.

واعلم أن من الكلام ما يستعمل بعض أبنيته دون بعض، مثل التعاطي، واستعمل الألفاظ العربية دون الحضرية، فإن الشيح والثمام في الشعر أحسن من الخوخ والرمان.

والخطباء ثلاثة: جاهلي، وإسلامي، ومخضرم.

والشعراء ثلاثة: حضري، وبدوي، ومفلق.

واكثر من حفظ النظم والنثر، فعلى قدر ما تحفظ منه تقوى فيه.

واعلم أن الشعر يسخي البخيل، ويشجع الجبان، ويفرج الهموم، ويرضي

الغضبان، ولذلك قالوا: الشعر أنفذ من السحر، وربما كانت الإطالة اتهاماً والإجازة إفهاماً.

واستفتح بذكر الله، فقد كانت العرب تسمي الخطبة التي لا يستفتح فيها بذكر الله تعالى: البتراء والتي لا توشح بالقرآن: الشوهاء.

قال ناسخه: تم الكتاب ووقع الفراغ منه نهار الأربعاء رابع شهر شعبان المبارك لسنة أربع وثمانية هجرية رحمة الله من نظر فيه والدعاء لمؤلفة ولكاتبه بالمغفرة ولجميع المسلمين.

النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.