من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
التعليم والترسيم
اعلم أن التعليم والترسيم هو أن الشعر قول موزون مقفى دال على معنى، وله طرفان: أحدهما غاية الجودة، والآخر غاية الرداءة، وبينهما وسائط. والمعنى للشعر بمنزلة المادة، والشعر فيه بمنزلة الصورة. وهو أربعة أشياء: لفظ، ومعنى، ووزن، وقافية. وتهذيبه أن يكون اللفظ سمحاً سهل المخارج حلواً عذباً. وتهذيب الوزن أن يكون حسناً تقبله النفس والغريزة، غير منكسر ولا مزحف. فإن أمكن فهو التخليع مثل: المرء ما عاش في تكذيب طول الحياة له تعذيب.
وتهذيب القافية أن تكون سلسلة المخرج مألوفة، فإن القوافي حوافر الشعر.
والذي يمدح به الناس الصفات الإنسانية وهي السماحة والشجاعة والعدل والعفة. ومنها تولد ما يتولد منها كما قال زهير:
أخي ثقةٍ لا تهلكُ الخمرُ مآلهولكنه قد يهلكُ المال نائله
فمدحه بالعفة، ثم قال:
تراهُ إذا ما جئته متهللاًكأنك تعطيه الذي أنت سائله
ثم قال:
فمن مثلُ حصنٍ في الحروب ومثلهلإنكار ضيمٍ، أو لأمرٍ نحاوله
ولو لم يكن في كفه غيرُ نفسهِلجاد بها فليتق اللهَ سائله
فمدحه بالشجاعة والمعني التي يقصدها الشعراء هي المدح والهجاء والنسيب والمراثي والأوصاف
والتشبيه. ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁: كان زهير لا يعاظل الكلام ولا يقصد الوحشي منه ولا يمدح الرجل إلا بما يكون للرجال.
وقد يكون الشاعر مقصراً ولا يكون مخطئاً. لأنه لا يمكنه الإحاطة بكل شيء.
ويحب أن يمدح كل واحد بما يصلح له، كما قال زهير:
من يلقَ يوماً على علاته هرماًيلقَ السماحةَ منهُ والندى خلقا
ليثٌ بعثرَ يصطاد الرجالَ، إذاما الليثُ كذبَ عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنواضارب حتى إذا ما ضاربوا عنقا
لو نالَ حيٌّ من الدنيا بمكرمةٍأفقَ السماءِ لنالت كفه الأفقا
ولا يمدح لكثرة الأولاد؛ لأن الحيوان الكريم أعز نتاجا مثل قوله:
بغاثُ الطيرِ أكثرها نتاجاًوأمُ الصقر مقلاةٌ نذورُ
وليمدح بالجود وقلة المال مثل قوله:
وإني لا أخزى إذا قيلَ: مملقٌجوادٌ، وأخشى أن يقال: بخيل
وقوله أيضاً:
فما كان من خير أتوهُ، فإنماتوارثه آباءُ آبائهم قبلُ
وهل ينبتُ الخطيَّ إلاَّ وشيجهوتغرسُ إلاَّ في منابتها النخلُ
ومثل قوله:
إني سترحل بالمطيّ قصائديحتى تحلَّ على بني ورقاء
مدحٌ لهم يتوارثون ثناءهارهناً لآخرهم فطول بقاءِ
حلماءُ في النادي إذا ما جئتهمجهلاءُ يومَ عجاجةٍ ولقاءِ
من سالموا نالَ الكرامةَ كلهاوحاربوا ألوى مع العنقاء
وكما قال الحطيئة:
أقلوا عليهم، لا أبا لأبيكمُمن اللومِ أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنىوإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
فإن كانت النعماءُ فيهم جزوا بهاوإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
وتعذلني أفناءُ سعدٍ عليهمُوما قلتُ إلا بالذي علمت سعد
وقال آخر:
نزورُ امرأً يعطي على الحمد مالهومن يعطي أثمانَ المحامد يحمدِ
يرى البخلَ لا يبقي على المرء مالهويعلم أنَّ المالَ غيرُ مخلدِ
كسوبٌ ومتلافٌ إذا ما سألتهتهلل واهتزَ اهتزازَ المهندِ
من تأته تعشو إلى ضوءِ نارهِتجد خيرَ نار عندها خيرُ موقدِ
وكما قال الشماخ:
فتى يملأ الشيزى ويروي سنانهويضربُ في رأس الكميّ المدجج
فتى ليس بالراضي بأدنى معيشةٍولا في بيوتِ الحيّ بالمتولج
وقوله أيضاً:
رأيتُ عرابةَ الأوسيَ يسموإلى الخيرات منقطعَ القرين
إذا ما رايةٌ رفعت لمجدٍتلقاها عرابةُ باليمينِ
كما قال النابغة:
ألم ترَ أنَّ اللهَ أعطاكَ سورةًترى كلَّ ملكٍ دونها يتذبذبُ
لأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌإذا طلعت لم يبدُ منهنَ كوكبُ
ومنه:
في كفه خيزرانٌ نشرهُ عبقٌمن كفّ أروعَ في عرنينه شممُ
يغضي حياءً ويغضى من مهابتهفما يكلمُ إلا حينَ يبتسمُ
ويمدح الوزير بالحزم والسياسة، كما يمدح الملك بالعزم والرياسة، ويمدح الكاتب بالذكر والفكر والذكاء والذهن. كما قال السلمي:
بديهته مثلُ تفكيرهمتى رمته فهوَ مستجمعُ
يرومُ الملوك ندى جعفرٍوهم يجمعون ولا يجمعُ
ويمدح القائد بالبأس، والشدة، والصرامة، والنجدة، كما قال منصور النمري:
ترى الخيل يومَ الروم تظمأ تحتهُويروى القنا من كفه والمناصلُ
حلالٌ لأطراف الأسنة نحرهُحرامٌ عليها صدرهُ والكواهلُ
وكما قال بشار:
فقل للخليفة إن جئتهنصيحاً لا خير في المتهمْ
إذا ايقظتك حروبُ العدىفنبه لها عمراً ثمَ نمْ
فتى لا يبيتُ على دمنةٍولا يشربُ الماءَ إلا بدمْ
وكقول أبي نواس:
قولا لهرونَ إمامِ الهدىعند اجتماع المجلس الحاشد:
نصيحة الفضل وإشفاقهأخلى له وجهك من حاسد
أنت على ما بك من قدرةٍفلست مثل الفضل بالواجدِ
أوجده اللهُ، فما مثلهلطالبٍ منهُ ولا ناشدِ
وليس على اللهِ بمستنكرٍأن يجمعَ العالمَ في واحدِ
وأصل الهجاء سلب المديح، فكل ما مدح به فسلبه هجاء وضده أيضاً قد يخرجه الحاذق مخرج الحق، كما قال:
يروعكَ من سعدِ بنِ عمرو جسومهاوتزهدُ فيها حينَ تقتلهم خبرا
فسلم له كثرة العدد وعظيم الخلق كأنه مدح وهو يهجو، لأن الكرام قليل، والقحة عما في النفس المميزة. وقول الآخر:
وإذا يسرك من تميمٍ خصلةٌفلما يسوؤك من تميمٍ أكثرُ
ومن ذلك:
قومٌ إذا ما جنى جانيهمُ أمنوامن لؤمِ أحسابهم أن يقتلوا قودا
وأما المراثمي فلا فرق بينهما وبين المدح إلا بذكر الموت والذهاب، يقال: ذهب الجواد والجود. وبكته الخيل رديء؛ لأنها توصف بارتباطها بموته لراحتها.
ولذلك لا يقال في بكاء وما يشبهه إلا لما يعقل، كما قال الخنساء:
فقد فقدتك حرقة فاستراحتفليتَ الخيلَ صاحبها يراها
ومن ذلك التأسف قول الحطيئة:
فما كان بيني لو رأيتك سالماًوبين الغني إلا ليالٍ قلائلُ
فإن عشتُ لم أملك حياتي، وإن أمتفما في حياتي بعد موتكَ طائلُ
وأما الأوصاف والتشبيه فتهذيبه الصحة. كقول امرئ القيس:
له أيطلا ظبيٍ، وساقا نعامةٍوإرخاءُ سرحانٍ وتقريبُ تتفلِ
وقوله يصف درعاً مطوية مبززة:
وممدودة البيت موضونةٍتضاءلُ في الطيّ كالمبردِ
تفيض على المرءِ أردانهاكفيض الأتي على الجدجدِ
ومثل قوله لآخر:
ونحنُ الثرايا وعيوقهاونحنُ السما كان والمرزمُ
وأنتمُ كواكبُ مجهولةٌترى في السماءِ ولا تعلمُ
وكقول عدي:
تزجى أغنَّ كأنَّ إبرةَ روقهقلمٌ أصابَ من الدواةِ مدادها
وقوله أيضاً:
يتعاوران من الغبار ملاءةًغبراءَ محكمةً هما نسجاها
تطوى إذا علوا مكاناً مشرفاًفإذا السنابك أسهلت نشراها
وقول الآخر:
يبدو وتضمره البلادُ كأنهسيفٌ على شرفٍ يسيلُ ويغمدُ
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع