تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل البلغاء» لمحمد كرد علي (ت ١٣٧٢هـ)

باب الصديق

ابذل لصديقك دَمَكَ ومالك، ولمعرفتك رفدك ومحضرك، وللعَامَّةِ بشْرَكَ وتحننك، ولعدوك عدلك، واضنن بدينك وعرضك عن كل أحد.

إنْ سَمِعْتَ من صاحبك كلامًا أو رأيًا يعجبك، فلا تنتحله تزينا به عند الناس واكتفِ من التزيُّن بأن تجتني الصواب إذا سمعته وتنسبه إلى صاحبه.

واعلمْ أن انْتِحَالك ذاكَ سَخْطة لصاحبك، وأن فيه مع ذلك عارًا؛ فإنْ بلغ ذلك بك أن تُشير برأي الرجل وتتكلم بكلامه وهو يسمع، جمعْت مع الظُّلم قلة الحياء، وهذا من سُوء الأدب الفاشي في الناس، ومن تمام حُسْن الخلق والأدب أن تسخو نفسك لأخيك، بما انتحل من كلامك ورأيك، وتنسب إليه رأيه وكلامه وتُزينه مع ذلك ما استطعت.

لا يكوننَّ من خلقك أن تبتدئ حديثًا ثم تقطعه، وتقول: سوف، كأنك روأت فيه بعد ابتدائه، وليكن ترويك فيه قبل التفوه؛ فإن احتجان الحديث بعد افتتاحه سخف.

اخزن عقلك وكلامك إلا عندَ إصابة الموضع؛ فإنَّه ليس في كل حين يحسن كل الصواب، وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع؛ فإن أخطأك ذلك أدخلتَ المحنة على علمك، حتى تأتي به إنْ أتيت به في غير موضعه، وهو لا بهاء ولا طلاوة له.

لتَعْرِفِ العُلماء حين تجالسهم أنك على أن تَسْمَع أحرصُ منك على أن تقول.

إن آثرت أن تُفاخر أحدًا ممن تستأنس إليه في لهو الحديث، فاجعل غاية ذلك الجد ولا تعدونَّ أن تتكلم فيه بما كان هزلًا، فإذا بلغ الجد أو قاربه فدعه ولا تخلطن بالجد هزلًا، ولا بالهزل جدًّا؛ فإنك إن خلطت بالجد هزلًا هجنته، وإن خلطت بالهزل جدًّا كدرته، غير أني قد عَلِمْتُ مَوْطنًا واحدًا إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي، وظَهَرْت على الأقران، وذلك أن يتَوَرَّدَك متورد بالسفه والغضب، فتجيبه إجابة الهازل المداعب، برُحب من الذَّرْع، وطلاقة من الوجه، وثبات من المنطق.

إن رأيت صَاحبَكَ مع عدوك فلا يغضبنك ذلك؛ فإنما هو أحد رجلين إن كان رجلًا من إخوان الثقة فأنفع مواطنه لك أقربها من عدوك؛ لشر يكفه عنك، وعورة يسترها منك، وغائبة يطلع عليها لك، فأمَّا صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك، وإن كان رجُلًا من غير خاصة إخوانك، فبأي حق تقطعه عن الناس وتكلفه ألَّا يُصاحب ولا يجالس إلا من تهوى؟!

تحفَّظْ في مجلسك وكلامك من التَّطاوُل على الأصحاب، وطِبْ نفسًا عن كثيرٍ مما يعرض لك فيه صوابُ القول والرأي مدارةً؛ لئلا يظن أصحابُك أن ما بك التطاول عليهم.

إذا أقبل إليك مُقبل بوده فسَرَّك ألا يُدْبِرَ عنك، فلا تنعم الإقبال عليه والتفتُّح له؛ فإن الإنسان طبع على ضرائب لؤم، فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به، ويلصق بمن رحل عنه.

إما أن يُنازعوك فيما ادعيت فيُهْجَم منك على الجهالة والضلف.

وإمَّا ألا ينازعوك، ويخلُّوا الأمور في يديك فينكشف منك التصنُّع والمعجزة.

استحيِ الحياءَ كله من أن تخبر صاحبَك أنك عالم، وأنه جاهل مصرحًا أو معرضًا، وإن استطلت على الأكفاء، فلا تثقنَّ منهم بالصفاء.

إن آنست من نفسك فضلًا فتحرَّجْ أن تذْكره أو تُبْدِيَه، فاعلم أن ظُهُوره منك بذلك الوجه يُقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل، واعلم أنك إن صبرت ولم تعجل، ظهر ذلك منك بالوجهِ الجميل المعروف، ولا يخفين عليك أن حرص الرَّجل على إظهار ما عنده وقلة وقاره في ذلك بابٌ من البخل واللؤم، وأن من خير الأعوان على ذلك السخاء والتكرم.

إنْ أحببت أن تَلْبَس ثَوْبَ الوَقارِ والجمال، وتَتَحَلَّى بحلية المودَّة عند العامَّة وتسلُك الجدد الذي لا خبار فيه ولا عثار، فكن عالمًا كجاهل وناطقًا كعيي، فأمَّا العلم فيرشدك، وأمَّا قلة ادعائه فينفي عنك الحسد، وأمَّا المنطق إذا احتجت إليه فسيبلغ حاجتك، وأمَّا الصمتُ فيكسبك المحبة والوقار.

وإذا رأيتَ رَجُلًا يحدثُ حديثًا قد علمته، أو يخبر خبرًا قد سمعته، فلا تُشاركْه فيه ولا تتعقبْه عليه، حرصًا على أن يعلَمَ النَّاسُ أنك قد علمته؛ فإنَّ في ذلك خفة وشحًّا، وسوء أدب وسخفًا.

ليعرف إخوانُك والعامَّةُ: أنكَ إن استطعت أن تكُونَ إلى أن تفعل ما لا تقول أقربَ منك إلى أن تقول ما لا تفعل فعلت؛ فإنَّ فضل القول على الفعل عار وهجنة، وفضل الفعل على القول زينة، وأنت حقيقٌ فيما وعدت من نفسك، أو أخبرت صاحبك عنه أن تحتجن بعض ما في نفسك إعدادًا لفضل الفعل على القول، وتحرُّزًا بذلك عن تقصير فعل إن قصَّرَ، وقلَّما يكون إلا مقصرًا.

احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكُن غايَتُك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضا؛ وذلك أن العَدو خصمٌ تَضْرِبُه بالحجة وتغلبه بالحكام، وأن الصديق ليس بينك وبينه قاضٍ؛ فإنما حكمه رضاه.

اجعل عامَّة تشبُّثك في مؤاخاة مَن تُؤاخي ومُواصَلَة من تُواصِل، ووَطِّنْ نَفْسَك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإن ظهر لك منه ما تكره؛ فإنه ليس كالمرأة التي تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك؛ فإنما مروءة الرجل إخوانُهُ وأخدانه؛ فإن عثر الناس على أنك قطعت رجلًا من إخوانك، وإن كُنتَ مُعْذِرًا نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال، وإن أنتَ صَبَرْت مع ذلك على مُقَارَّته على غير الرضا، عاد ذَلكَ إلى العَيْبِ والنَّقيصَةِ، فالاتئادَ الاتئادَ والتثبتَ التثبتَ.

إذا نظرت في حال من ترتئيه لإخائك؛ فإن كان من إخوان الدِّين، فليكنْ فقيهًا ليس بمراء ولا حريص، وإن كان من إخوان الدُّنيا، فليكن حُرًّا ليس بجاهل ولا كذاب ولا شرير ولا مشنوع؛ فإن الجاهل أهلٌ لأن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخًا صادقًا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانه إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سُمي الصديق من الصدق، وقد يتهم صدق القلب وإن صَدَق اللسان، فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان؟! وإن الشرير يكسبك العدو، ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة، وإن المشنوع شانع صاحبه.

تحرزْ من سُكر السلطة، وسكر العلم، وسكر المنزلة، وسكر الشباب؛ فإنه ليس من هذا شيءٌ إلا وهو ريح جنة، تسلبُ العقل وتُذهب الوقار وتصرف القلب والسمع والبصر واللسان عن المنافع.

اعلم أن انقِبَاضَك عَنِ النَّاس يُكسبك العَدَاوة، وأن تَفَرُّشك لهم يُكْسبك صديق السوء، وفسولة الأصدقاء أضر من بغض الأعداء؛ فإنك إن واصلت صديق السوء أعيتك جرائرُه، وإن قطعته شانك اسم القطيعة، وألزمك ذلك من يرفع عيبك، ولا ينشر عُذْرَك، فإنَّ المعايب تنمي، والمعاذير لا تنمي.

البس للناس لباسين ليس للعاقل بُدٌّ منهما، ولا عيشَ ولا مروءة إلا بهما: لباس انقباض واحتجاز تلبسه للعامَّة، فلا تُلْفَيَنَّ إلا مُتحفظًا متشددًا مُتحرزًا مستعدًّا، ولباس انبساط واستئناس تلبسه للخاصة من الثقات، فتتلقاهم ببنات صدرك، وتُفضي إليهم بموضوع حديثك، وتضع عنك مؤنة الحذر والتحفظ فيما بينك وبينهم، وأهل هذه الطبقة الذين هم أهلها قليلٌ؛ لأن ذا الرَّأي لا يدخل أحدًا من نفسه هذا المدخل، إلا بعد الاختبار والسَّبْر والثِّقة بصِدْقِ النصيحة ووفاء العقل.

اعلم أن لسانك أداة مُغَلَّبة، يتغالب عليه عقلك وغضبك وهواك وجهلك، فكلٌّ غالب عليه مُستمتعٌ به وصارفه في محبته، فإذا غلب عليه عقلك فهو لك، وإذا غلب عليه شيءٌ من أشباه ما سميت لك فهو لعدوك؛ فإن استطعت أن تحتفظ به، فلا يكون إلا لك ولا يستولي عليه أو يُشاركك عدوك فيه، فافعل.

إذا نابت أَخَاكَ إحْدَى النَّوائب من زوال نعمة أو نُزُول بَلِيَّة، فاعلَم أنك قد ابتليت معه، إمَّا بالمؤاساة فتشاركه في البلية، وإما بالخذلان فتحتمل العار، فالتمس المخرج عند اشتباه ذلك وآثِرْ مروتك على ما سواها؛ فإنْ نزلت الجائحة التي تأبى نفسك مشاركة أخيك فيها فأجمل، فلَعَلَّ الإجمال يسعك لقلته في الناس.

إذا أصاب أخاك فضلٌ؛ فإنَّه ليس في دُنُوِّك منه، وابتغائِك مودَّته وتواضُعِكَ له مذلةٌ، فاغتنمْ ذلك واعمل فيه.

إذا كانت لك عند أحد صنيعةٌ، أو كان لك عليه طولٌ، فالتمس إحياء ذلك بإماتته وتعظيمه بالتصغير له، ولا تقتصرن في قلة المن على أنْ تقول لا أذكرُهُ، ولا أصغي بسمعي إلى مَن يذكره؛ فإن هذا قد يستحيي منه بعض من لا يوصف بعقل ولا كرم، ولكن احذر أن يكون في مجالستك إياه وما تُكلمه به، أو تستعينه عليه أو تجاريه فيه شيءٌ من الاستطالة؛ فإن الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف.

احترسْ من سورة الغضب وسورة الحمية، وسورة الحقد وسورة الجهل، وأعدد لكل شيء من ذلك عدةً تجاهده بها من الحلم والتفكُّر والروية، وذكر العاقبة وطلب الفضيلة.

واعلم أنك لا تصيب الغلبة، إلا بالجِهادِ، وأن قلة الإعداد لموافقة الطبائع المتطلعة هو الاستسلام، وأنه ليس أحدٌ إلَّا فيه من كل طبيعة سوءُ غريزة، وإنما التفاضلُ بين الناس في مغالَبَةِ طبائعِ السوء.

فأمَّا أن يَسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائزُ، فليس في ذلك مطمعٌ إلا أن الرَّجل القوي إذا كابرها بالقمع لها كلها كلما تطلعت؛ لم يلبث أن يميتها حتى كأنها ليستْ فيه، وهي في ذلك كامنةٌ كمون النار في العود، فإذا وجدت قادحًا من غير علة أو غفلة استورت، كما تستوري عند القدح، ثم لا يبدأ ضرها إلا بصاحبها، كما لا تبدأ النار إلا بعودها التي كانت فيه.

ذلل نفسك بالصَّبر على جار السُّوء، وعَشِير السُّوء، وجليس السوء؛ فإنَّ ذلك ما لا يكاد يخطئك؛ فإن الصبر صبران: صبر الرجل على ما يكره، وصبره عما يحب، فالصبرُ على المكروه أكثرهما، وأشبههما أن يكون صاحبه مضطرًّا.

واعلم أن اللئام أصبرُ أجسادًا، والكِرَام أصبر نفُوسًا. وليس الصبر الممدوح بأن يكُون جِلْدُ الرَّجُل وَقَاحًا، أو رجله قوية على المشي، أو يده قوية على العمل؛ فإنما هذا من صفات الحمير، ولكن أن يكُون للنَّفس غَلُوبًا، وللأمور محتملًا، وفي الضر متجملًا، ولنفسه عند الرأي والحفاظ مرتبطًا، وللحزم مؤْثرًا، وللهوى تاركًا، وللمشقة التي يرجو عاقبتها مستخفًّا، وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظبًا، ولبصره بعزمه منفذًا.

حَبِّبْ إلى نفسك العلم حتى تألفه وتلزمه، ويكُون هو لهوَكَ ولذَّتَك وسَلْوتَكَ وبُلغتك، واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع، وعلم لتزكية العقل، وأفشى العلمين وأجداهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحرض عليه علم المنافع، وللعلم الذي هو ذكاء العُقُول وصِقالُها وجلاؤها فضيلة منزلة عند أهل الفضل في الألباب.

عَوِّدْ نفسك السَّخاء، واعلم أنهما سخاءان؛ سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عمَّا في أيدي الناس، وسخاوة نفس الرجل بما في يديه أكثرُهما وأقربهما من أن تدخل فيه المفاخرة، وتركه ما في أيدي الناس أمحضُ في التكرُّم وأنزه من الدنس، فإن هو جمعهما فبذل وعف، فقد استكمل الجود والكرم.

ليكن مما تَصْرفُ به الأذى والعذاب عن نفسك ألا تكون حسودًا؛ فإنَّ الحسد خُلُق لئيم، ومن لؤمه أنه يوكَّل بالأدنى فالأدنى من الأقارب والأكفاء والخلطاء، فليكن ما تقابلُ به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون، حين تكون مع من هو خير منك، وأن غُنمًا لك أن يكون عَشيرُكَ وخليطك أفضل منك في العلم، فتقتبس من علمه وأفضل منك في القوة، فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال، فتُفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه فتصيب حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين، فتَزْدَاد صلاحًا بصلاحه.

ليكن مما تنظر فيه من أمر عدوك وحاسدك: أن تَعْلَمَ أنه لا يَنفَعُكَ أن تُخبر عَدُوَّك أنك له عدو، فتنذره نفسَكَ وتؤذنه بحربك قبل الإعداد والفرصة، فتَحْمِلَهُ على التسلح لك، وتُوقد ناره عليك.

اعلم أن أعظم خَطَرِك أن تُري عَدُوَّك أنك لا تتخذه عدوًّا؛ فإنَّ ذلك غِرَّةٌ له وسبيلٌ لك إلى القدرة عليه؛ فإنْ أنت قدرت فاستطعت اغتفارًا لعداوته عن أن تكافئ بها، فهُنالك استكملتَ عظيمَ الخطر، وإن كنت مكافئًا بالعداوة والضرر، فإياك أنْ تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصَّة بعداوة العامة؛ فإن ذلك هو الظلمُ والعارُ.

واعلم، مع ذَلك، أنه ليس كلُّ العَدَاوةِ والضَّرَرِ يُكافَأُ بمثله، كالخيانة لا تكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة، ومن الحيلة في أمرك مع عدوك أن تصادق أصدقاءه وتؤاخي إخوانه فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق والتجافي؛ فإنه ليس رجُلٌ ذو طَرْقٍ يمتنع من مُؤَاخَاتِكَ إذَا التَمَسْتَ ذلك منه، وإن كان إخوان عدوك غير ذوي طرق، فلا عدو لك.

لا تدع مَعَ السُّكوت عن شتم عدوك إحصاء معايبه ومثالبه واتباع عوراته، حتى لا يشذ عنك من ذلك صغيرٌ ولا كبيرٌ من غير أن تشيع عليه فيتقيك به، ويستعِدَّ له أو تذكره في غير موضعه، فتكون كمستعرض الهواء بِنَبْلِهِ قبل إمكان الرمي.

لا تتخذ اللعنَ والشتم على عدوك سلاحًا؛ فإنه لا يجرحُ في نفس ولا في مال، ولا دين ولا منزلة.

إن أردتَ أن تَكُون داهيًا، فلا تُحِبَّنَّ أن تُسَمَّى داهيًا؛ فإنه من عرف بالدهاء خاتل علانية، وحذره الناس حتى يمتنع منه الضعيف، وإن من إرب الأريب دفن إربه ما استطاع، حتى يُعرف بالمسامحة في الخليقة، والاستقامة في الطريقة ومن إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم الطريقة الذي يطلع على غامض إربه، فيمقته عليه.

إن أردت السلامة فأشْعِرْ قلبك الهيبة للأمور من غير أن تَظْهَرَ منك الهيبة، فيفطن الناس لهيبتك ويجرئهم عليك، ويدعو ذلك إليك منهم، كُلَّما تهاب فَاشْعَبْ لمداراة ذلك، من كتمان المهابة وإظهار الجراءة والتهاوُن، طائفة من رأيك، وإن ابتليت بمجازاة عدُوٍّ محالف، فالزم هذه الطريقة التي وصفتُ لك؛ من استشعار الهيبة وإظهار الجراءة والتهاون، وعليك بالحذر في أمرك، والجراءة في قلبك حتى تملأ قلبك جراءة، ويستفرغ عملك الحذر.

إنَّ من عدُوك من تعمل في هلاكه، ومنهم من تعمل في البُعد عنه، فاعرفهم على منازلهم، ومن أقوى القُوَّة لك على عدوك، وأعز أنصارك في الغلبة، أن تُحصي على نفسك العيوب والعورات، كُلَّما أحصيتها على عدوك، وتنظُر عند كل عيب تراه، أو تسمعه لأحدٍ من الناس، هل قارفت مثله أو مشاكله؟ فإنْ كُنت قارفت منه شيئًا، فأحصه فيما تُحصي على نفسك، حتى إذا أحصيت ذلك كله، فكابر عدوك بإصلاح عيوبك، وتحصين عوراتك وإحراز مقاتلك، وخُذْ نفسك بذلك ممسيًا مُصبحًا، فإذا آنست منها دفعًا لذلك، أو تهاونًا به، فاعْدُدْ نَفْسَك عاجزًا ضائعًا جانيًا معورًا لعدوك ممكنًا له من رميك، وإن حصَلَ من عيوبك بعضُ ما لا تقدر على إصلاحه من أمر قد مضى يعيبك عند الناس، ولا تراه أنت عيبًا فاحفظ ذلك، وما عسى أن يقُول فيه قائل من حسبك أو مثالب آبائك أو عيب إخوانك، ثم اجعل ذلك كله نصب عينيك، واعلم أن عدوك مريدك بذلك، فلا تغفل عن التهيؤ له، والإعداد لقُوَّتك وحجتك وحيلتك فيه سرًّا وعلانية، فأما الباطل فلا تروعن به قلبك، ولا تستعدن له ولا تشتغلن به؛ فإنَّه لا يهُولُكَ ما لم يقع، وإذا وقع اضمحل.

اعلم أنه قلَّما بُدِهَ أحد بشيء يَعْرفُه من نفسه، وقد كان يطمع في إخفائه عن الناس فيعيره به مُعيرٌ عند السلطان أو غيره، إلا كاد يشهد به عليه وجهه وعيناه ولسانه، للذي يبدو منه عند ذلك، والذي يكون من انكساره وفتوره عند تلك البداهة، فاحذر هذه وتصنع لها وخد أهبتك لبغتاتها.

اعلم أن من أوقع الأمور في الدين وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال وأضرها بالعقل وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار؛ الغَرَام بالنساء، ومن البلاء على المغرم بهن أنه لا ينفك يأجم ما عنده وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن.

وإنما النِّساء أشباهٌ وما يُرَى في العيون والقلُوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخُدْعَةٌ، بل كثير مما يَرْغَبُ عنه الرَّاغِبُ مما عنده، أفضلُ مما تتوق إليه نفسُهُ، وإنما المترغبُ عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس، كالمترغب عن طعام بيته إلى ما في بُيُوت الناس، بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة أشدُّ تفاضلًا وتفاوتًا، مما في رحالهم من النساء.

ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس في لبه، يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصور لها في قلبه الحسن والجمال، حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح وأَدَمِّ الدمامة، فلا يعظه ذلك عن أمثالها، ولا يزال مشغوفًا بما لم يَذُق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظنَّ أن لها شأنًا غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق والشَّقَاءُ.

ومن لم يَحْمِ نفسه ويظلفها ويجلها عن الطَّعام والشراب والنساء في بعض ساعات شهوته وقدرته؛ كان أيسَرَ ما يصيبه من وبال أمره انقطاعُ تلك اللذات عنه، بخمود نار شهوته، وضعف عوامل جسده، وقلَّ من تجدُ إلا مخادعًا لنفسه في أمر جسده عند الطعام والشراب والحمية والدواء، وفي أمر مروءته عند الأهواء والشهوات، وفي أمر دينه عند الريبة، والشبهة والطمع.

إن استطعت أن تُنْزِل نفسك دون غايتك في كل مَجلس ومقَامٍ ومَقالٍ ورأي وفعل فافعل؛ فإن رفع الناس إياك فوق المنزلة التي تحط إليها نفسك، وتقريبَهم إياك في المجلس الذي تباعدت عنه، وتعظيمهم من أمرك ما لم تعظم وتزيينهم من كلامك ورأيك ما لم تزين، هو الجمال.

لا يُعجبنك العالم ما لم يكُن عالمًا بمواضِعِ مَا يَعْلَمُ، إن غُلِبْتَ على الكلام وقتًا، فلا تغلبن على السكوت؛ فإنَّه لعله يكون المراءَ، واعرفْهُ، ولا يمنعنك حذر المراء من حُسْن المناظرة والمجادلة، واعلم أن المماري هو الذي لا يحب أن يتعلم ولا يتعلم منه؛ فإن زَعَمَ زَاعِمٌ أنه إنما يجادل في الباطل عن الحق؛ فإن المجادل — وإن كان ثابتَ الحجة ظاهر البينة — فإنه يخاصم إلى غير قاض وإنما قاضيه الذي لا يعدو بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله؛ فإن آنس أو رجَا من صاحبه عدلًا يقضي به على نفسه فقد أصاب وجه أمره، وإن تكلم على غير ذلك كان مماريًا.

إن استطعتَ ألَّا تُخبر أخَاكَ عن ذات نفَسِك بشيء إلا وأنت محتجن عنه بعض ذلك التماسًا لفضل الفعل على القول، واستعدادًا لتقصير فعل إن قصر فافعلْ، واعلم أن فضل الفعل على القول زينةٌ، وفضل القول على الفعل هجنة، وأن إحكام هذه الخلة من غرائب الخلال.

إذا تراكمت الأعمال عليك، فلا تلتمس الرَّوْحَ في مدافعتها بالروغان منها؛ فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها، وإنَّ الصبر عليها هو يُخففها، وإنَّ الضجر منها هو يُرَاكِمُها عليك، فتَعَهَّدْ من ذلك في نفسك خَصْلَةً قد رأيتها تعتري بعض أصحاب الأعمال: أن الرَّجُل يكون في أمرٍ من أمره فيرد عليه شغل آخر، ويأتيه شاغلٌ من النَّاس بكره تأخيره، فيكدر ذلك بنفسه تكديرًا يفسد ما كان فيه، وما ورد عليه حتى لا يحكم واحدًا منهما؛ فإن وَرَدَ عليك مثلُ ذلك، فليكن معك رأيك الذي تختار به الأمور، ثم اختر أَوْلَى الأمرين بشغلك فاشتغل به حتى تفرغ منه، ولا يعظمن عليك فوت ما فات، وتأخير ما تأخر، إذا أعملت الرأي معمله، وجعلت شغلك في حقه.

اجعل لنَفْسِك في كلِّ شيء غايةً ترجو القُوَّة والتمام عليها، واعلم أنك إن جاوزت الغاية في العبادة صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في حَمل العلم صرت من الجهال، وإن جاوزتها في تكلُّف رضا الناس والخِفَّة معهم في حاجاتهم كنت المصنع المحشود.

اعلم أن بعض العطية لؤم، وبعض البيان عِيٌّ، وبعض العلم جهل؛ فإنِ استطعت ألَّا يكون عطاؤك خَوَرًا، ولا بَيَانُك هذرًا، ولا علمك جهلًا، فافعل.

اعلم أنه ستمر عَليْكَ أحاديثُ تعجِبُك، إما مليحة وإما رائعةٌ، فإذا أعجبتك كنت خليقًا بأن تحفظها؛ فإنَّ الحفظ موكل بما راع، وستحرص على أن تُعجب منها الأقوام، فإنَّ الحرص على ذلك التعجب من شأن الناس. وليس كلُّ معجب لك معجبًا لغيرك، وإذا نَشَرْت ذلك مرة أو مرتين، فلم تره وقع من السامعين موقعه منك فازدجر عن العود، فإنَّ العَجَبَ من غير عجيب سخف شديدٌ، وقد رأينا من الناس من يَعْلَق الشيء، ولا يقلع عن الحديث به، ولا يمنعه قلة قبول أصحابه له من أن يعود، ثم يعود.

إياك والأخبار الرَّائعة وتحفَّظْ منها؛ فإنَّ الإنسانَ من شأنه الحرصُ على الأخبار لا سيما ما راع منها، فأكثرُ الناس من يحدث بما سمع، ولا يبالي ممن سمع، وذلك مفسدةٌ للصدق ومزراةٌ بالرَّأي؛ فإن استطعت ألا تخبر بشيء، إلا وأنتَ به مصدق وألا يكون تصديقك إلا ببرهان، فافعلْ.

ولا تَقُلْ كما يقول السفهاء أخبر بما سمعت؛ فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإن السفهاء أكثر مَن هو قائلٌ، وإنك إنْ صِرْتَ للأحاديث واعيًا وحاملًا كان ما تعي وتحمل عن العامة أكثر مما يَخترع المخترع بأضعاف.

انظر مَنْ صَاحبْتَ من النَّاس من ذي فضل عليك بسُلطان ومنزلة، ومن دون ذلك من الخلصاء، والأكفاء والإخوان فوَطِّنْ نفسك في صُحبته على أن تقبل منه العفو، وتسخو نفسُك عما اعتاص، مما قبله غير معاتب ولا مستبطئ ولا مستزيد؛ فإن المعاتبة مقطعةٌ للود وإن الاستزادة من الجشع، وإن الرضا بالعفو والمسامحة في الخلق، مُقَرِّبٌ لكَ كلَّ ما تتُوق إليه نفْسُك، مع بقاء العِرْضِ والمودة والمروءة.

اعلم أنك ستُبْتَلى من أقوام بسفه، وأن سفه السفيه سيطلع لك منه؛ فإن عارضته أو كافأته بالسفه، فكأنك قد رضيت ما أتى به فاجتنبْ أن تحتذي مثاله؛ فإن كان ذلك عندك مذمومًا، فحقق ذمَّك إياه بترك معارضته، فأمَّا أن تذمه وتمتثله، فليس ذلك لك.

لا تُصَاحبَنَّ أحدًا وإن استأنست به أخًا قرابة أو أخًا مودة ولا والدًا ولا ولدًا إلا بِمُرُوَّة؛ فإنَّ كثيرًا من أهل المروة قد يحملهم الاسترسال، أو التبذُّل على أن يصحبوا كثيرًا من الخلصاء بالإدلال والتهاوُن، ومن فَقَدَ من صاحبه صخبة المروَّة ووقارها أحدث له في قلبه رقة شأن وخفة منزلة.

لا تلتمسْ غلبة صاحبك والظَّفَرَ عليه بكُلِّ كلمة ورأي، ولا تجترئن على تقريعه وتبكيته بظفرك إذا استبان، وحجتك إذا وضحت؛ فإنَّ أقوامًا يحملهم حب الغلبة، وسَفَه الرَّأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعد ما تُنْسَى، فيلتمسوا فيها الحجة ثم يستطيلوا بها على الأصحاب، وذلك ضعفٌ في العقل، ولؤمٌ في الأخلاق.

لا يعجبنك إكرامُ من يكرمك لمنزلة أو سُلطان؛ فإنَّ السُّلطة أوشك أمور الدنيا زوالًا، ولا يعجبنك إكرامهم إياك للنسب؛ فإن الأنساب أقل مناقب الخير غناء عن أهلها في الدِّين والدنيا، ولكن إذا أُكرمت على دين أو مروءة فذلك فليعجبك؛ فإنَّ المروءة لا تزايلك في الدنيا، والدِّين لا يزايلك في الآخرة.

اعلم أن الجبن مَقْتلَةٌ، وأن الحرص محرمة، فانظر فيما رأيت أو سمعت أمن قُتل في القتال مقبلًا أكثر أم من قُتل مدبرًا؟

وانظر أَمَنْ يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو إليك نفسك بطلبته، أم من يطلب إليك بالشره؟

اعلم أنه ليس كلُّ من كان لك فيه هوًى، فذكره ذاكر بسوء وذكرته أنت بخير ينفعه ذلك أو يضره، فلا يستخفنك ذكرُ أحَدٍ من صَديقٍ أو عدُوٍّ إلا في موْطِن دَفع أو محاماة؛ فإنَّ صديقك إذا وثق بك في مواطن المحاماة لم يحفل بما تركت مما سوى ذلك، ولم يكن له عليك سبيلٌ لائمة، وإن الأحزم في أمر عدوك ألا تذكره، إلا حيث يضره وألا تعد يسير الضر ضرًّا.

اعلم أن الرجلَ قد يكون حليمًا، فيحملُه الحِرصُ على أن يُقَالَ جليدٌ، والمخافة أن يقال مهين على أن يتكلف الجهل، وقد يكون الرجل زميتًا، فيحمله الحرص على أن يُقال لَسِنٌ، والمخافَةُ من أن يُقال عييٌ، على أن يقول في غير موضعه فيكون هذرًا، فاعرف هذا وأشباهه، واحترسْ منه كله.

إذا بدهك أمرَانِ لا تَدْرِي أيُّهمَا أصْوَبُ، فانظُر أيُّهما أقرَب إلى هواك فخالفه؛ فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى.

ليجتمع في قلبك الافتقارُ إلى الناس والاستغناء عنهم، فيكُون افتقارُك إليهم في لين كلمتك وحُسن بشرك، ويكُون استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك وبقاء عزك.

لا تجالس امرأ بغير طريقته؛ فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه، والعَيِّ بالبيان؛ لم تزد على أن تضيع عقلك، وتُؤْذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا يعرفُ، وغمِّك إيَّاه بمثل ما يغتم به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه، واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عادوه ونصبوا له، ونقضوه عليك، وحَرَصُوا على أن يجعلوه جهلًا، حتى إنَّ كثيرًا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس، ليحضره من لا يعرفه فيثقل عليه ويغتم به.

ليعلم صاحبُكَ أنكَ حَدِب على صاحبه، وإيَّاك إن عاشرك امرؤ ورافقك ألَّا يرى منك بأحد من أصحابه وأخدانه رأفة؛ فإنَّ ذلك يأخُذُ من القلوب مأخذًا.

وإنَّ لُطفك بصاحِبِ صاحِبِك أحسَنُ عندَه موقعًا من لطفك به بنفسه.

اتَّق الفَرَح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق، ويشكر للمكتئب.

اعلم أنك ستَسْمَع من جُلسائك الرَّأيَ والحديث تُنْكره وتستجفيه من محدث عن نفسه أو عن غيره، فلا يكونَنَّ منك التكذيب ولا التسخيف لشيء مما يأتي به جليسك، ولا يجرئنك على ذلك أن تقول إنما حدث عن غيره؛ فإنَّ كل مردود عليه سيمتعض من الرَّد، وإنْ كَان في القَوم مَنْ تكره أن يستقر في قلبه ذلك القول لخطأ تخاف أن يعقد عليه، أو مَضَرَّة تخشاها على أحدٍ؛ فإنَّك قادرٌ على أن تنقض ذلك في سر، فيكون أيسر للنقض وأبعد للبغضة.

واعلم أن البغضة خوفٌ، والموَدَّةَ أمْنٌ، فاستكثرْ من المودَّة صامتًا؛ فإنَّ الصمت يدعوها إليك، وناطقًا بالحسنى؛ فإنَّ المنطق الحسن يزيد في ود الصديق، ويسُل سخيمة الوَغْر.

واعلم أن خفض الصوت، وسكُون الريح، ومشي القصد من دواعي المودة، إذا لم يُخالط ذلك بَأو ولا عجب، أمَّا العُجْبُ فهو من دواعي المقت والشنآن.

تعلمْ حُسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع: إمهال المتكلم حتى يقضي حديثه، وقلة التلفُّت إلى الجواب، والإقبال بالوجه، والنظر إلى المتكلم، والوعي لِما يقول.

واعلم أن المستشارَ ليس بكفيلٍ، والرَّأي ليس بمضمون، بل الرأي كله غَرَر؛ لأن أمور الدنيا ليس شيءٌ منها بثقة؛ ولأنه ليس شيءٌ من أمرها يُدركه الحازم إلا وقد يُدركه العاجز، بل رُبَّما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة، فإذا أشار عليك صاحبُك برأي، فلم تجدْ عاقبته على ما كنت تأمل، فلا تجعل ذلك عليه لومًا وعذلًا تقول: أنتَ فعلت هذا بي، وأنت أمرتني ولولا أنت ولا جَرَم لا أُطيعُك؛ فإنَّ هذا كله ضجر ولؤم وخفة، وإن كُنت أنت المشير، فعَمِلَ برأيك أو تَرَك فبدا صوابُك، فلا تمنن ولا تكثرن ذكره، إنْ كَان في نجاح، ولا تَلُم عليه إن كان استبان في تركه ضررًا تقول: ألم أقُل لك؟ ألم أفعل؟ فإنَّ هذا مجانبٌ لأدب الحكماء.

اعلم فيما تُكلم به صاحبك أن مما يهجن صواب ما تأتي به، ويُذهب بهجته ويُزري بقبوله عجلتك في ذلك أن يفضي إليك بذات نفسه، ومن الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرَّجل على كلامه والاعتراض فيه والقطع فيه، ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها: إذا حَدَّثَ الرَّجُلُ حديثًا تعرفه ألَّا تُسابقه إليه، وتفتحه عليه وتُشاركه فيه، حتى كأنك تُظْهِر للنَّاس بأنك تُريد أن يَعْلَمُوا أنك تعلم من مثل الذي يعلم، وما عليك أن تهنئه بذلك وتفرده به؟! وهذا الباب من أبواب البُخل وأبوابه الغامضة كثيرة.

وإذا كنت في قوم ليسوا بُلغاء ولا فصحاء، فدع التطاوُل عليهم في البلاغة أو الفصاحة.

اعلم أن بعض شدة الحذر عونٌ عَليْكَ فيمَا تَحذَرُ، وأن شدَّة الاتقاء تدعو إليك ما تتقي.

إن رأيتَ نَفْسَك تصاغَرَتْ إليها الدنيا، ودعتك إلى الزهادة فيها على حال تعذر منها عليك، فلا يغرنك ذلك من نفسك على تلك الحال؛ فإنها ليست بزهادة، ولكنها ضجر واستحذاء، وتغير نفس عندما أعجزك من الدنيا، وغضب منك عليها مما التوى عليك منها، ولو تممت على رفضها، وأمسكت عن طلبها أوشكتَ أن ترى من نفسك من الضجر والجزع، أشدَّ من ضجرك الأول بأضعاف، ولكِنْ إذا دعتك نفسك إلى رفض الدُّنيا، وهي مُقبلة عليك فأسرع إجابتها.

اعرف عورتك وإياك أن تُعَرِّض بأحد فيما شاركها، وإذا ذكرتْ من أحد خليقته، فلا تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه فتُتَّهم بمثلها، ولا تلح كل الإلحاح، وليكُن ما كان منك من غير اختلاط؛ فإنَّ الاختلاط من محققات الرَّيب، وإذا كُنت في جماعة قوم أبدًا، فلا تَعُمن جيلًا من النَّاس أو أمَّة بشتم ولا ذم؛ فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك ولا تعلم، ولا تذمن مع ذلك اسمًا من أسماء الرجال أو النِّساء بأنْ تقول: إنَّ هذا لقبيحٌ من الأسماء؛ فإنَّك لا تدري لعل ذلك موافقٌ لبعض جلسائك في بعض أسماء الأهلين والحرم، ولا تستصغرن من هذا شيئًا فكله يجرح في القلب، وجرحُ اللسان أشد من جرح اليد.

اعلم أن النَّاس يخدعون أنفُسَهم بالتَّعْرِيض والتَّوقيع بالرِّجال، في التماس مثالبهم ومساويهم، وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح، فلا تكونن من ذلك في غرور، ولا تجعلن نفسك من أهله.

إني مُخبرك عن صاحِبٍ كان أَعْظَم الناس في عيني. وكان رأسُ ما أعْظَمَهُ عِنْدِي صغَرَ الدُّنيا في عينه، كان خارجًا من سُلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجًا من سُلطان فَرْجِهِ، فلا يدعُو إليه مؤنة، ولا يستخف له رأيًا ولا بدنًا. وكان خارجًا من سلطان الجهالة، فلا يُقْدِمُ إلا على ثقة أو منفعة. وكان أكثرَ دهره صامتًا، فإذا قَالَ بَذَّ القائلين كان يُرى مستضعفًا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديًا. وكان لا يدخل في دعوى ولا يشرك في مراء، ولا يُدْلي بحجة حتى يجد قاضيًا عدلًا وشُهُودًا عدولًا. وكان لا يلوم أحدًا على ما قد يكون العذرُ في مثله، حتى يعلم ما اعتذاره. وكان لا يَشْكُو وجعًا إلا إلى من يرجو عنده البرء ولا يصحب إلا من يرجو عنده النَّصيحة لهما جميعًا. وكان لا يتبرم، ولا يتسخط، ولا يتشهى، ولا يتشكى، ولا ينتقم من الوالي، ولا يغفل عن العَدُوِّ، ولا يخصُّ نفسه دُون إخوانه بشيء من اهتمامه بحيلته وقُوته، فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت ولن تطيق، ولكنَّ أخذ القليل خير من ترك الجميع، وبالله التوفيق.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.