تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل البلغاء» لمحمد كرد علي (ت ١٣٧٢هـ)

الدرة اليتيمة لابن المقفع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله رَبِّ العَالمينَ، وصَلَوَاتُه على نبينا محمد وآله الطاهرين، قال عبدُ الله بن المقفع: وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظمَ أجسادًا وأوفر مع أجسادهم أحلامًا، وأشد قوة وأحسن بقوتهم للأمور إتقانًا وأطول أعمارًا، وأفْضَلَ بأعْمَارِهِم للأشياءِ اختبارًا، فكان صاحبُ الدين منهم أبلغ في أمر الدين علمًا وعملًا من صاحب الدين منا، وكان صاحبُ الدنيا على مثل ذَلكَ من البلاغَة والفَضل.

ووجدناهم لم يرضَوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم، حتى أشركونا معهم فيما أدركوا من علم الأولى والآخرة، فكتبوا به الكتب الباقية، وكفَونا به مؤنةَ التجارب، والفُطُن، وبَلَغ من اهتمامهم بذلك أن الرَّجل منهم كان يُفتح له الباب من العلم، والكَلِمة من الصَّواب، وهو بالبَلَدِ غير المأهول فيكتبه على الصخور مبادرة منه للأجل وكراهية لأن يسقط ذلك على من بعده، فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشَّفيق على ولده، الرحيم بهم، الذي يجمع لهم الأموال والعقد إرادَةَ ألَّا تَكُونَ عليهم مَؤُنَةٌ في الطَّلَب وخَشْيَة عجزهم إن هم طلبوا، فمنتهى علم عالِمنا في هذا الزَّمان أنْ يأخذ من علمهم، وغايةُ إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم.

وأحسن ما يُصِيبُ من الحديثِ محدثنا أن ينظر في كُتُبهم، فَيَكُون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع، غَيرَ أن الذي نجدُ في كتبهم هو المنتخل في آرائهم، والمنتقى من أَحَادِيثهم ولم نَجِدْهم غَادَرُوا شيئًا يجد واصفٌ بَليغٌ في صِفَةٍ لهُ مقَالًا لم يسبقوه إليه، لا في تعظيم لله — عز وجل — وترغيب فيما عنده، ولا في تصغيرٍ للدنيا وتزهيدٍ فيها، ولا في تحريرِ صنوف العلم وتقسيم أقسامها، وتجزئة أجزائها وتوضيح سُبُلها وتبيين مآخذها، ولا في وجوه الأدب وضروب الأخلاق، فلم يبق في جليلٍ من الأمر لِقائلٍ بعدَهم مقال، وقد بقيَتْ أشياءُ من لطائفِ الأُمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقةٌ من جِسامِ حِكَم الأولين وقولهم، ومن ذلك بعضُ ما أنا كاتبٌ في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس.

يا طالب الأدب اعرِفِ الأُصولَ والفصول؛ فإنَّ كثيرًا من النَّاس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول، فلا يكون دَرْكُهم دركًا، ومَن أَحْرَز الأصول اكتفى بها عن الفصول، وإنْ أَصَاب الفَصْل بعد إحراز الأصل، فهو أفضل.

فأصل الأمر في الدِّين أن تَعْتقدَ الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر وتؤدي الفريضة، فالزَمْ ذلك لزوم من لا غناء به عنه طرفة عين، ومن يعلم أنه إن حُرِمَه هلك، ثم إنْ قدرت أن تجاوز ذلك إلى التفقُّه في الدين والعبادة فهو أفضلُ وأكمل.

وأصلُ الأمْرِ في إصلاح الجسَدِ ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفافًا، وإن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد ومضارِّه والانتفاع بذلك، فهو أفضل.

وأصلُ الأمر في البَأس ألا تحدث نفسك بالإدبار، وأصحابُك مقبلون على عدوهم، ثم إن قدرت أن تكون أول حامل، وآخر منصرف من غير تضييع للحذر، فهو أفضل.

وأصل الأمر في الجود ألا تضنَّ بالحقوق عن أهلها، ثم إنْ قَدَرت أن تزيد ذا الحق على حقه، وتطول على من لا حق له؛ فافعل فهو أفضل.

وأصلُ الأمر في الكلام أن تَسْلَمَ من السَّقَطِ بالتحفُّظ، ثم إنْ قَدَرْت على بارع الصواب، فهو أفضل.

وأصلُ الأمر في المعيشة ألَّا تني عن طَلَب الحلالِ، وأن تُحسِنَ التَّقْدير لما تُفيدُ وما تنفق، ولا يغرنك من ذلك سعةٌ تكون فيها؛ فإنَّ أعظم الناس في الدنيا خطرًا أحوجُهم إلى التقدير، والملوك أحوجُ إلى التقدير من السوقة؛ لأن السوقة قد يعيش بغير مال، والملوك لا قوام لهم إلا بالمال، ثُمَّ إنْ قَدَرْتَ على الرفق واللطف في الطلب والعلم بالمطالب؛ فهو أفضل.

وأنا واعِظُكَ في أشياء من الأخلاق اللطيفة، والأمور الغامضة التي لو حَنَّكَتك سنٌّ كُنتَ خليقًا أن تعلَمَها، وإن لم تخبر عنها، ولكِن أحْببت أن أقدم إليك فيها قولًا لتروض نفسك على محاسنها قبل أن تجري على عادة مساويها؛ فإن الإنسان قد تبتدر إليه في شبيبته المساوي، وقد يَغْلِبُ عليه ما يبدُرُ إليه منها.

إن ابتُلِيتَ بالإمارَة فتَعَوَّذْ بالعُلَماء، واعلمْ أن من العُجْب أن يبتلى الرجل بها فيريد أن ينتقص من ساعات نصبه وعمله، فيزيدها في ساعات دعته وشهوته، وإنما الرأي له والحق عليه أن يأخذ لعمله من جميع شغله، فيأخذ من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ولهوه ونسائه، فإذا تقلدت شيئًا من الأعمال فكنْ فيه أحد رجلين، إمَّا رجلًا مُغتبطًا به فحافظ عليه مخافة أن يَزُول عنه، وإمَّا رجلًا كارهًا فالكاره عاملٌ في سُخرة، إمَّا للملوك أن كانوا هم سلطوه، وإما لله أن كان ليس فوقه غيره.

إياك إذا كنت واليًا أنْ يكون من شأنك حُبُّ المدح والتزكية، وأنْ يَعْرِفَ النَّاسُ ذلك منك، فتكُون ثلمة من الثُّلم يتقحمون عليك منها، وبابًا يفتتحونك منه وغِيبَة يَغْتَابونَكَ بها ويضحكون منها.

اعلم أن قابل المدح كمادح نفسه، والمرءُ جدير أن يكُونَ حُبُّه المدحَ هو الذي يحمله على رده؛ فإنَّ الرَّادَّ له محمودٌ والقابل له معيب.

لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال: رضا ربك، ورضا سُلطان، أن كان فوقك، ورضا صالحِ مَن تَلي عليه، وما عليك أن تلهى عن المال والذكر، فسيأتيك منهما ما يكفي ويطيب، واجعل الخصالَ الثلاثَ بمكان ما لا بُدَّ لك منه، والمال والذكر بمكان ما أنت واجدٌ منه بدًّا.

اعرف أهلَ الدِّين والمروءة في كل كُورَة وقريَة وقبيلةٍ؛ فيكُونوا هم إخوانَكَ وأعوانَكَ وبطانتك وثقاتِك، ولا يُقْذَفَنَّ في رُوعِك، أنك إن استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك؛ فإنَّك لست تريد الرأي للافتخار به، ولكن تريده للانتفاع به. ولو أنك مع ذلك أردتَ الذِّكر كان أحسن الذِّكْرين، وأفضلها عند أهل الفضل أن يُقال لا يتفرد برأيه دون استشارة ذوي الرأي.

إنك إنْ تلتمسْ رِضا جميع النَّاس تلتمس مَا لا يُدْرَك، وكيف يتفق لك رأي المختلفين؟! وما حاجتك إلى رضا من رضاه الجور، وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة فعليك بالتماس رضا الأخيار منهم وذوي العقل؛ فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤنة ما سواه.

لا تُمَكِّن أهل البَلاء من التَّذَلُّل، ولا تمكن مَنْ سِوَاهم من الاجتراء عليهم، والعيب لهم.

لتعرف رعيتك أبوابَكَ التي لا يُنَالُ ما عندك من الخير إلا بها، والأبواب التي لا يخافك خائفٌ إلا من قِبَلِها.

احرص الحرص كله على أن تكون خبيرًا بأمور عُمَّالك؛ فإنَّ المسيء يفرق من خِبْرتك قبل أن تصيبُه عقوبتك، وإنَّ المحسن يستبشر بعلمك قبل أن يأتيه معروفُك.

ليَعْرِف النَّاسُ فيما يعرفون من أخلاقِك، أنكَ لا تُعاجل بالثواب ولا بالعقاب؛ فإن ذلك أدومُ لخوف الخائف ورجاء الراجي.

عوِّد نفسك الصَّبْرَ على مَنْ خالفك من ذوي النَّصيحة، والتجرُّع لمرارة قولهم وعذلهم، ولا تُسَهِّلن سبيل ذلك إلا لأهْلِ العَقْل والسن والمروءة؛ لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيهٌ، أو يستخف له شأن.

لا تَتْرُكَنَّ مُبَاشرة جميع أمرك؛ فيعود شأنك صغيرًا، ولا تُلزم نفسك مباشرة الصغير؛ فيصير الكبير ضائعًا.

اعلم أن رأيك لا يتَّسع لكل شيء ففرغه للمُهم، وأن مالك لا يغني الناس كلهم فاختص به ذوي الحقوق، وأن كرامتك لا تُطيق العامَّة فتوخَّ بها أهل الفضائل، وأن ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك، وإن دأبتَ فيهما، وأنه ليس لك إلى أدائها سبيلٌ مع حاجة جَسَدك إلى نصيبه من الدعة، فأحسن قسمتهما بين دَعَتك وعملك.

واعلم أنك ما شغلت من رأيك بغيرِ المهِمِّ أزْرَى للمُهِمِّ، وما صَرَفْتَ من مالك بالباطل فقدته، حين تُريده للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أَضَرَّ بك في العجز عن أهل الفضل، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة أزرى بك في الحاجة.

اعلم أن من الناس ناسًا كثيرًا يبلُغُ من أحدهم الغَضَبُ إذا غَضِب، أن يحمله ذلك على الكلوح والتقطيب في وَجْه غيرِ مَن أغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، والعقوبة لمن لم يكن يَهمُّ بعُقوبته، وسوء المعاقبة باليد واللسان لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك، ثم يبلغ به الرضا إذا رضي أن يتبرع بالأمر ذي الخطر لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويُعطي مَن لم يكن أعطاه، ويُكرم من لا حق له ولا مَوَدَّة، فاحذرْ هذا الباب كله؛ فإنَّه ليس أحد أسوأ حالًا من أهل القدرة الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم وسرعة رضاهم؛ فإنه لو وصف بصفة من يُتلبس بعقله، أو يتخبطه المسُّ من يعاقِب في غضبه غير من أغضبه، ويحبو عند رضاه غير من أرضاه؛ لكان جائزًا في صفته.

اعلم أن الملك ثلاثةٌ: مُلكُ دين، وملك حزم، وملكُ هوًى، فأمَّا ملكُ الدِّين؛ فإنَّه إذا أُقيم لأهله دينهم. وكان دينُهم هو الذي يعطيهم ما لَهم، ويلحق بهم الذي عليهم؛ أرضاهم ذلك، ونزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم، وأمَّا ملك الحزم؛ فإنه يقوم به الأمر ولا يسلم من الطعن والتسخط.

ولن يضُرَّ طعنُ الذَّليل مع حَزْمِ القوي، وأمَّا مُلك الهوى فلعبُ ساعة ودمارُ دهر.

إذا كان سُلْطَانك عندَ جِدَّةِ دولة فرأيتَ أمرًا استقام بغير رأي، وأعوانًا جَزَوْا بغير نيل، وعملًا أنجح بغير حزم، فلا يغرنك ذلك فلا تستنمْ إليه؛ فإنَّ الأمر الجديد مما تكونُ له مهابةٌ في أنفُس أقوام وحلاوةٌ في أنفس آخرين، فيعين قوم بأنفسهم ويعين قوم بما قبلهم، ويستتب بذلك الأمر غير طويل، ثم تصير الشئون إلى حقائقها وأصولها، فما كان من الأمر بُني على غير أركان وثيقة، ولا عماد محكم أوشك أن يتداعى ويتصدع.

لا تكُوننَّ نزر الكلام والسلام، ولا تفرطن بالهشاشة والبشاشة؛ فإن إحداهما من الكبر، والأخرى من السخف.

إذا كنت لا تضبط أمرك، ولا تصول على عدوك إلا بقوم لست منهم على ثقة من رأي ولا حفاظ من نية، فلا تنفعك نافعة حتى تحولهم إن استطعت إلى الرأي والأدب الذي بمثله تكون الثقة، أو تستبدل بهم إن لم تستطعْ نقلهم إلى ما تريد ولا تغُرَّنك قُوتك بهم، وإنما أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يَهابه من نظر إليه، وهو لِمَرْكَبِهِ أهيبُ.

ليس للملك أن يَغْضَب؛ لأن القُدرة من ورَاءِ حَاجَتِهِ. وليس له أنْ يكْذِبَ؛ لأنه لا يقدرُ أحدٌ على استكراهه على غير ما يُريد. وليس له أن يبخل؛ لأنه أقلُّ الناس عذرًا في تخوُّف الفقر. وليس له أن يكون حقودًا؛ لأن خطرَه قد عظم عن مجازاة كل الناس، وليتق أن يكون حلافًا، فأحقُّ الناس باتقاء الأيمان الملوك؛ فإنما يحمل الرجل على الحلف إحدى هذه الخلال: إما مهانةٌ يجدها في نفسه، وضرع وحاجة إلى تصديق الناس إياه، وإما عِيٌّ بالكلام حتى يجعل الأيمان له حشوًا ووصلًا، وإما تُهمة قد عرفها من الناس لحديثه فهو يُنزل نفسه منزلة من لا يُقْبَل منه قوله إلا بعد جهد اليمين، وإمَّا عبثٌ في القول أو إرسال اللسان على غير روية ولا تقدير.

لا عيب على الملك في تعيُّشِهِ وتَنَعُّمه، إذا تَعَهَّدَ الجسيم من أمره، وفوَّض ما دون ذلك إلى الكفاة.

كلُّ الناس حقيقٌ حين ينظر في أمر الناس أن يتهم نظره بعين الريبة، وقلبه بعين المقت؛ فإنهما يُريان الجور ويحملان على الباطل ويُقبحان الحسن ويحسنان القبيح، وأحقُّ الناس باتهام عين الريبة، وعينِ المقت، الملكُ الذي ما وقع في قلبه ربا مع ما يُقيض له من تزيين القرناء والوزراء، وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل، الوالي الذي ما قال أو فعل كان أمرًا نافذًا غير مردود.

ليعلم الوالي أن الناس يَصفُون الولاة بسوء العهد، ونسيان الود، فليُكابد نقض قولهم، ولْيُبْطِل عن نفسه وعن الولاة صفات السوء التي يُوصفون بها.

ليتفقد الوالي فيما يتفقد من أمور الرعية فاقة الأحرار منهم، فلْيَعْمل في سَدِّها، وطُغْيان السَّفلة منهم فليقمعْه. وليستوحش من الكريم الجائع، واللئيم الشبعان؛ فإنما يصُولُ الكريمُ إذا جاع، واللئيم إذا شبع.

لا يحسدن الوالي مَنْ دُونهُ؛ فإنَّه في ذَلكَ أقلُّ عُذرًا من السوقة التي إنما تحسد من فوقها، وكلٌّ لا عذر له.

لا يلومن الوالي على الزلة مَنْ ليس بمتهم على الحرص على رضاه إلا لوم أدب وتقويم، ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحدًا فإنهما إذا اجتمعا في الوزير أو الصاحب نام الوالي واستراح، وجُلِّبَتْ إليه حَاجَاتُه وإن هدأ عنها، وعَملَ فيما يهمه وإن غفل.

لا يُولعن الوالي بسُوء الظَّنِّ لقول الناس، وليَجْعل لحسن الظَّن من نفسه نصيبًا موفورًا، يُروِّح به عن قلبه، ويصدر به أعماله.

لا يُضيعنَّ الوالي التثبُّت عندما يقُولُ، وعندما يُعْطي وعندما يفعل؛ فإنَّ الرجوع عن الصَّمت أحسنُ من الرجوع عن الكلام، وإنَّ العطية بعد المنع أجملُ من المنع بعد الإعطاء، وإنَّ الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه، وكلُّ الناس محتاج إلى التثبُّت، وأحوجُهم إليه ملوكهم الذين ليس لقولهم وفعلهم دافعٌ. وليس عليهم مستحِثٌّ.

ليعلم الوالي أن الناس على رأيه إلا مَنْ لا بال له منهم، فليكن للبر والمروءة عنده نَفاق، فيكسد بذلك الجور والدناءة في آفاق الأرض.

جماع ما يحتاج إليه الوالي رأيان: رأي يُقَوِّي سُلْطَانه، ورأيٌ يُزينه في النَّاس، ورأي القوة أحقهما بالبداءة وأولاهما بالأثرة، ورأي التزيين أحضرهما حلاوة وأكثرهما أعوانًا، مع أن القوة من الزينة والزينة من القوة، لكنِ الأمرُ ينسب إلى أعظمه.

إن شُغِلْتَ بصُحْبَةِ الملوك، فعليك بطول الرَّابطة في غير مُعَاتَبَة، ولا يُحدثن لك الاستئناسُ غفلة، ولا تهاونًا.

إذا رأيت أحدَهم يجعلك أخًا فاجعله أبًا، ثم إنْ زادك فزدْهُ.

إذا نزلت من ذي منزلة أو سلطان، فلا ترين أن سلطانه زادك له توقيرًا وإجلالًا من غير أن يزيدك ودًّا ولا نصحًا، وأنك ترى حقًّا له التوقير والإجلال، وكن في مداراته والرفق به كالمؤتنف ما قبله، ولا تُقَدِّر الأمر بينك وبينه على ما كُنت تعرف من أخلاقه؛ فإنَّ الأخلاق مُستحيلةٌ مع الملك، ورُبما رأينا الرجل المدل على ذي السلطان بقدمه، قد أضر به قدمه.

لا تعتذِرَنَّ إلا مَنْ يحب أن يجد لك عذرًا، لا تستعينَنَّ إلا بمن يحب أن يظفر لك بحاجتك.

لا تُحدثن إلا من يَرَى حديثك مغنمًا ما لم يغلبْك الاضطرارُ.

إذا غرست من المعروف غرسًا، وأنفقت عليه نفقة، فلا تضنن بالنفقة في تربية ما غرست فتذهب النفقة الأولى ضياعًا.

إذا اعتذر إليك مُعتذرٌ فتلقَّه بوجه مُشرق وبشر طليق، إلا أن يكون ممن قطيعتُهُ غنيمة.

اعلمْ أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدُّنيا: زينة في الرخاء، وعُدَّة في الشدة، ومعونة في المعاش والمعاد، فلا تفرطن في اكتسابهم وابتغاء الوصلات والأسباب إليهم.

اعلم أنك واجدٌ رَغْبَتَك من الإخاء عندَ أقوامٍ، قد حالتْ بينك وبينهم بعضُ الأبَّهَة التي قد تعتري أهل المروات، فتحجز منهم كثيرًا ممن يرغب في أمثالهم، فإذا رأيتَ أحَدًا من أولئك قد عثر به الزمان فأَقِلْه.

إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة، فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن من الدُّعاء له في كل كلمة؛ فإن ذلك شبيه بالوحشة والغربة إلا أن تكلمه على رءوس النَّاس، فلا تأل عمَّا عظمه ووقره.

إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على شُعْبَة من قرابة أو مودة فافعل؛ فإن أخطأك ذلك فاعلمْ أنك تعمل على عمل السُّخرة، وإن استطعت أن تجعل صُحبتَك لمن قد عرفك منهم بصالح مروءتك قَبلَ ولايته فافعل.

إن الوَالي لا عِلْمَ له بالنَّاس إلا ما قد علم قبل ولايته، فأمَّا إذا ولي فكل الناس يلقاه بالتزين والتصنع، وكلهم يحتال لأنْ يُثني عليه عنده بما ليس فيه، غير أن الأرذَال والأنذَال همْ أشَد لذلك تصنعًا، وعليه مُكَابرة وفيه تمحلًا، فلا يمتنع الوالي وإن كان بليغ الرأي والنَّظر من أن يَنزل عِنْدَه كثير من الأشرار بمنزلة الأخيار، وكثير من الخانة بمنزلة الأمناء، وكثيرٌ من الغدرة بمنزلة الأوفياء، ويُغطَّى عليه أمرُ كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحُّل والتصنع.

لا يعرفنَّك الولاةُ بالهوى في بلدة من البلدان، ولا قبيلة من القبائل فيوشك أن تحتاج فيها إلى حكاية أو مُشاهدة فتتهم في ذلك، وإذا أردت أن يُقبل قولك فصحح رأيك ولا تشوبنه بشيء من الهوى؛ فإن الرأي يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولي، وأحقُّ من احترست من أنْ يَظُنَّ بك خلط الرَّأي بالهوى الولاة؛ فإنها خديعة وخيانة وكُفْرٌ.

إن ابتُليت بصحبة وال لا يُريد صلاح رعية، فاعلم أنك قد خُيرت بين خلتين ليس بينهما خيار، إما ميلك مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدين، وإما الميل مع الرعية على الوالي، وهذا هلاك الدُّنيا، ولا حيلة لك إلا بالموت أو الهرب، واعلم أنه لا ينبغي لك وإن كان الوالي غير مرضي السيرة إذا علقت حبالك بحبله إلا المحافظة عليه، إلا أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلًا.

تبصرْ ما في الوالي من الأخلاق التي تُحبُّ والتي تكره، وما هو عليه من الرأي الذي يرضى له والذي لا يرضى، ثم لا تكابره بالتحويل له عما يحب ويكره إلى ما تحب وتكره؛ فإن هذه رياضةٌ صعبة تحمل على التنائي والقِلَى.

اعلمْ أنك قلَّمَا تقدر على رَدِّ رجل عن طريقته التي هو عليها بالمكابرة والمناقضة، وإن لم يجمحْ عن السلطة، ولكنك تقدر أن تُعينه على أحسن رأيه، وتسبب له منه وتُقويه فيه، فإذا قَوِيَت منه المحاسنُ كانت هي التي تكنه عن المساوي، وإذا استحكمتْ منه ناحيةٌ من الصواب، كان ذلك هو الذي يبصره الخطأ بألطف من تبصيرك، وأعدَلَ من حُكْمِكَ في نفسه؛ فإن الصواب يريد بعضه بعضًا ويدعو بعضه إلى بعض، فإذا كانت له مكانةٌ اقتلع الخطأ فاحفظْ هذا الباب وأحكمه، ولا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة، ولا تستبطئه وإن أبطأ، ولكن اطلب ما قِبَلَه بالاستحقاق له واستأن وإن طالت الأناة؛ فإنَّك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل له.

لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقًّا، وأنك تعتد عليه ببلاء، وإن استطعت أن ينسى حقك وبلاءك فافعل، وليكن ما تذكره من ذلك تجديدك له النصيحة والاجتهاد، وألا يزال ينظُرُ منك إلى آخِرٍ يذكِّرُه أولَ بلائك.

واعلم أن ولي الأمْرِ إذا انقطع عنه الآخرُ نَسِيَ الأول، وأن الكثير من أولئك أرحامُهم مقطوعةٌ وحبالُهم مصرومة.

إلا عمن رضوا عنه وأغنَى عنهم في يومهم وساعتهم.

إياك أن يَقَعَ في قلبك تَعَتُّب على الوالي أو استزادةٌ له؛ فإنه إن آنست أن يقع في قلبك بدا في وجهك إن كنت حليمًا، وبدا على لسانك إن كنت سفيهًا، وإن لم يزد ذلك على أن يظهر في وجهك لآمن الناس عندك، فلا تأمنن أن يظهر ذلك للوالي؛ فإنَّ الناس إليه بعورات الإخوان سِرَاعٌ، فإذا ظهر ذلك للوالي كان قلبُه هو أسرع إلى التعتب والتعزز من قلبك؛ فمَحَقَ ذلك حسناتك الماضية، وأشرف بك على الهلاك وصرت تعرفُ أمرك مُستدبرًا، وتلتمس مرضاته مستصعبًا.

اعلم أن أكثر الناس عَدُوًّا مجاهرًا حاضرًا جريئًا واشيًا وزير السلطان ذو المكانة عنده؛ لأنه منفوسٌ عليه بما ينفس على صاحب السلطان، ومحسودٌ كما يحسد غيره، غير أنه يُجترأ عليه، ولا يَجترئ على ذلك؛ لأن من مُحاسديه أحباء السلطان الذين يُشاركونه في المداخل والمنازل، وهم وغيرهم من عَدُوه الذين هم حضاره، ليسوا كعدو من فوقه النَّائي عنه المتكتم منه، وهم لا ينقطع طمعُهم من الظفر به، فلا يغفلون عن نصب الحبائل، فاعرف هذه الحال، والبس لهؤلاء القوم الذين هم أعداؤك سلاح الصحة والاستقامة ولزوم الحجة، فيما تُسِرُّ وتُعلن، ثم رَوِّحْ من قَلْبك كأنه لا عدو لك ولا حاسد، وإن ذكرك ذاكرٌ عند وليِّ الأمر بسوء في وجهك أو في غيبك، فلا يرين منك الولي ولا غيرُه اختلاطًا لذلك ولا اغتياظًا، ولا يقعن ذلك موقع ما يكرثك؛ فإنَّه إن وقع منك ذلك الموقع أدخل عليك أمورًا مُشتبهةً بالريب، مُذكرة لِمَا قال فيك العائب، وإن اضطرك الأمرُ في ذلك إلى الجواب، فإياك وجواب الغضب والانتقام، وعليك بجواب الحجة في حلم ووقار، ولا تَشُكنَّ في أن القوة والغلبة للحلم أبدًا.

لا تُحضرن عند الوالي كلامًا لا يعني، ولا يُؤمر بحضوره إلا لعناية به، أو يكون جوابًا بالشيء سئلت عنه، ولا تعُدَّن شتم الوالي شتمًا ولا إغلاظه إغلاظًا؛ فإنَّ ريح العز قد تبسط اللسان بألفاظ في غير سخط ولا بأس.

جانب المسخوط عليه والظنين به عند الولاة، ولا يجمعنك وإياه مجلسٌ، ولا تظهرن له عذرًا ولا تثنين عليه خيرًا عند أحد من النَّاس، فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب مِمَّا سُخِطَ عليه فيه ما ترجو أن يلين له الوالي، واستيقنت أن الوالي قد استيقن بمباعدتك إياه وشدتك عليه؛ فضعْ عذرَه عند الوالي، واعملْ في إرضائه عنه في رفق ولطف.

ليَعْلَم الوالي أنك لا تستنكف عن خدمته، ولا تَدَعْ مع ذلك أنْ تُقَدِّمَ إليه القول عند بعض حالات رضاه وطيبِ نَفْسِهِ في الاستعفاء من الأعمال التي يَكْرَهُها ذو الدِّين وذو العرض وذو المروءة من ولاية القتل والعذاب، وأشباه ذلك.

إذا أصبت الجاهَ والخاصَّةَ عنْدَ الملِكِ، فلا يُحْدِثَنَّ لك ذلك تغيرًا على أحد من أهله وأعوانه، ولا استغناءً عنهم؛ فإنك لا تدري متى تَرَى أَدْنَى جَفْوَةٍ فَتَذِلَّ لهم فيها، وفي تلوُّن الحالِ عندَ ذلكَ من العار ما فيه.

ليكُنْ مما تُحْكِمُ من أمْرِكَ ألَّا تسار أحدًا من الناس، ولا تهمسَ إليه بشيء تخفيه عن السلطان؛ فإنَّ السرار مما يخيل إلى كل مَنْ رآه أنه المراد به، فيكونُ ذلك في نفسه حسيكة ووغرًا وثقلًا.

لا تتهاوننَّ بإرسالِ الكَذْبة عندَ الوَالي أو غَيْرِه في الهزل؛ فإنها تسرع في رد الحق وإبطال الصدق، مما تأتي به.

تنكَّب فيما بينك وبينَ الوالي خُلُقًا، قد عَرَفناه في بعض الأعوان والأصحاب في ادعاء الرجل عندما يظهر من صاحبه من حُسْنِ أثَرٍ أو صواب رأي، أنه هو عمل في ذلك، أو أشارَ به وإقراره بذلك إذا مدحه مادح، بل وإن استطعت أن يعرف صاحبك أنك تنْحَلُه صوابَ رأيك فضلًا عن أنك تدعي صوابه، وتُسْندُ ذلك إليه وتزينه فافعل؛ فإنَّ الذي أنت آخذ بذلك أكثر مما أنت معط بأضعاف.

إذا سأل الوالي غيرك، فلا تكوننَّ أنت المجيبَ عنه؛ فإنَّ استلابك الكلامَ خفةٌ بكَ واستخفافٌ منك بالمسئولِ والسَّائِلِ، وما أنتَ قائلٌ إذا قال لك السائل: ما إياك سألت أو قال لك المسئول عند المسألة يعادُ له بها دونك فأجب؟! وإذا لم يَنْصُب السائل في المسألة لرجل واحدٍ وعَمَّ بها جماعة من عنده، فلا تبادرْ بالجواب ولا تسابق الجلساء ولا تواثب الكلام مواثبة؛ فإنَّ في ذلك مع شَيْن التَّكلف والخفة، أنك إذا سبقت القوم إلى الكلام صارُوا لكلامِكَ خُصَماء فيتعقبونه بالعيب والطعن، وإذا أنت لم تعجل بالجواب وخليتَه للقومِ اعترضت أقاويلُهم على عينك ثم تدبرتها وفكرت فيما عندك، ثم هيأت من تفكيرك ومحاسن ما سمعت جوابًا رضيًّا، واستدبرت به أقاويلهم حتى تُصيخ إليك الأسماع ويهدأ عنك الخصوم، وإن لم يبلغك الكلامُ حتى يكتفى بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك، فلا يكون من العيب عندك، ولا من الغبن في نفسك فوت ما فاتك من الجواب؛ فإنَّ صيانة القول خيرٌ من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خيرٌ من مائة كلمة أمثالها في غير فُرَصِها ومواضعها، مع أن كلام العجلة والبدار مُوكل به الزلل وسوء التقدير، وإن ظنَّ صاحبه أن قد أتقن وأحكم.

واعلم أن هذه الأمور لا تُنال إلا برحب الذَّرْع، عند ما قيلَ وما لم يُقَلْ، وقلة الإعظام لِما ظهر من المروءة أو لم يظهر، وسخاوة النفس عن كثير من الصواب مخافة الخلاف والعجلة والحسد والمراء.

إذا كَلَّمَك الوالي فأصغِ إلى كلامِهِ، ولا تشغل طرفك عنه بنظر ولا أطرافك بعمل، ولا قلبك بحديث نفسك، واحذر هذا من نفسك، وتعهدْ ما فيه.

ارفق بنظرائك من وزراء السلطان ودخلائه، واتخذهم إخوانًا ولا تتخذهم أعداء ولا تُنافسْهم في الكلمة يتقربون بها، والعمل يؤمرون به؛ فإنما أنت في ذلك أحد رجلين، إِمَّا أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك فسوف يبدو ذلك، ويحتاج إليه ويلتمس منك وأنت مجمِلٌ، وإمَّا أن يكون ذلك عندك فَما أنت مُصيبٌ من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك، وما أنتَ واجدٌ في موافقتك إياهم، ولينك لهم من موافقتهم إياك ولينهم لك، أفضلُ مما أنت مُدركه بالمنافسة والمناظرة.

لا تجترئن على خلاف أصحابِكَ عند الوالي ثِقَةً باعترافهم لك ومعرفتهم بفضل رأيك؛ فإنَّا قد رأينا الناس يعرفون فضل الرَّجُل وينقادون له ويتعلمون منه وهم أخلياء، فإذا حضروا ذا السلطان لم يرض أحدٌ منهم أن يقر له، وأن يكون له عليه في الرأي والعلم فضلٌ فاجترءوا عليه بالخلاف والنَّقض؛ فإن ناقضهم كان كأحدهم. وليس بواجدٍ في كل حين سامعًا فهمًا وقاضيًا عدلًا، وإن ترك مناقضتهم صار مغلوبَ الرأي مردود القول.

إذا أصبتَ عند الوالي لُطف منزلة لغناء يجده عندك، أو هوًى يكون له فيك، فلا تطمحن كل الطماح، ولا تُزينن لك نفسك المزايلة له عن أليفه، ومَوضِع ثقته وسِرِّه قَبْلَكَ بأنْ تقتلعه وتدخل دونه؛ فإن هذه خلةٌ من خلال السفه، قد يُبتلى بها الحلماء عند الدنوِّ من ذي السلطان، حتى يُحدِّث الرجل منهم نفسه أن يكون دون الأهل والولد لفضل يظنه في نفسه أو نقص يظنه بغيره، ولكُلِّ رجل من الملوك، أو ذي هيئة من السُّوقة أليفٌ وأنيسٌ، قد عرف روحه واطلع على قلبه، فليست عليه مؤنة في تبذُّل يتبذل له عنده، أو رأي يستنزله منه أو سر يفشيه إليه، غير أن تلك الأنَسَةَ وذلك التبذُّل، يستخرج من كل واحد منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض والتشدُّد. ولو التمس مُلتمسٌ مثل ذلك عند من يستأنف ملاطفته ومؤانسته، إن كان ذا فضل من الرأي والعِلم، لم يجد عنده مثل ما هو منتفع به ممن هو دون ذلك في الرأي ممن قد كُفِي مُؤانسته، ووقع على طباعه؛ لأن الأنسَة رَوْحُ القلب والوحشة روعٌ عليه، ولا يلتاط القُلوب إلا ما لان عليها، ومن استقبل تأسيس الوحشة استقبل أمرًا ذا مؤنة، فإذا كلفتْك نفسك السمو إلى منزلة من وصفت فاقدعها عن ذلكَ بمعرفة فضل الأليف والأنيس، وإذا حدثتك نفسُك أو غيرك، ممن لعله يكون له فضل في المروءة: أنكَ أولى بالمنزلَة عندَ الكبير من بعض دُخَلَائه وثقاته؛ فاذكُر الذي عليه من حق أليفه وثقته وأنيسه في التكرمة، والذي يُعينه على ذلك من الرأي أنه يجد عنده من الإلف والأُنس ما ليس واجدًا عند غيره، فليكنْ هذا مما تتحفظ فيه على نفسك، وتَعرِف فيه عذر الرجل ورأيه، والرأي فيه لنفسك في مثل ذلك، إن أرادَك مُريدٌ على الدخول دون أنيسك وأليفك وموضع ثقتك وجدك وهزلك.

اعلم أنه تكاد تكون لكل رجُلٍ غالِبَةُ حديث: إمَّا عن بلد من البلدان، أو ضَرْب من ضروب العلم، أو صنف من صنوف الناس، أو وجه من وُجُوه الرأي وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف، ويُعرف منه الهوى، فاجتنبْ ذلك في كل موطن، ثم عند أولي الأمر خاصة.

لا تشكونَّ إلى وزراء السلطان ودُخلائه ما اطَّلعت عليه من رأيٍ تكرهه له؛ فإنك لا تزيد على أن تفطنهم لميله وتغريهم بتزيين ذلك له، والميل عليك معه.

اعلمْ أن الرجل ذا الجاه عند الوالي والخاصة، لا محالة أنه يرى من الوالي ما يُخالفه من الرأي في الناس والأمور، فإذا آثرَ أن يكره كل ما يُخالفُهُ، أو يمتعض من الجفوة يراها في المجلس، أو النبوة في الحاجة، أو الرد للرأي، أو الإدناء لمن لا يهوى إدناءه، والإقصاء لمن يَكْرَه إقصاءَه، فإذا وقعت في قلبه الكراهيةُ تغير لذلك وجهُهُ ورأيه وكلامُهُ، حتى يبدو ذلك للوالي وغيره. وكان ذلكَ لفساد منزلته سببًا، فذلل نفسك باحتمال ما خالفك من رأي الولاة وقررها بأنهم إنما كانوا أولياءك، لتتبعهم في آرائهم وأهوائهم، ولا تكلفهم اتباعَك وتغضب من خلافهم إياك.

اعَلم أن الملوك يقبَلون من وزرَائهم التَّبخيل، ويَعُدُّونه منهم شفقة ونظرًا، ويحمدونهم عليه وإن كانوا أجوادًا؛ فإن كنت مبخلًا غششت صاحبك بفساد مروءته، وإن كُنتَ مُسخيًا لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك عنده، فالرأيُ لك تصحيح النصيحة على وجهها، والتماسُ المخرج فيما تترك من تبخيل صاحبك، بأن لا يعرف منك فيما تدعوه إليه ميلًا إلى شيء من هواك، ولا طلبًا لغيرِ مَا ترجُو أن يزينه وينفعه.

لا تكونَنَّ صحبتك للملوك إلا بعد رياضة منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك، وموافقتهم فيما خالفك، وتقديرِ الأُمور على ميلهم دون ميلك، وعلى ألَّا تكتُمهم سِرَّك، ولا تستطلع ما كتموه وتخفي ما أطلعوك عليه من النَّاس كلهم، حتى تحمي نفسك الحديث به، وعلى الاجتهاد في رضاهم، والتلطُّف لحاجاتهم، والتثبيت لحجتهم، والتصديق لمقالتهم، والتزيين لرأيهم، وعلى قلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساءوا وترك الاستحسان لما فعلوا إذا أحسنوا، وكثرة النَّشر لمحاسنهم، وحُسْن السَّتر لمساويهم، والمقاربة لمن قاربوا وإن كان بعيدًا، والمباعدة لمن باعدوا وإن كانوا أقرباء، والاهتمام بأمرهم وإن لم يهتموا به، والحفظ له وإنْ ضيعوه، والذكر له وإن نَسُوه، والتخفيف عنهم لمؤنتك، والاحتمال لهم كل مؤنة، والرضا عنهم بالعفو، وقلة الرضا من نفسك لهم بالمجهود؛ فإن وجدت عنهم وعن صحبتهم غنًى، فأغن عن ذلك نفسك واعتزلْه جهدك؛ فإنَّ من يأخُذُ عملهم يحول بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة، ومن لا يأخذ بحقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة.

إنك لا تأمن أنفهم إن أعلمتهم، ولا عقوبتهم إن كتمتهم، ولا تأمن غضبهم إن صدقتهم، ولا تأمن سلوتهم إن حدثتهم إن لزمتهم لم تأمن تبرمهم بك، وإن زايلتهم لم تأمن عقابهم.

إنك إن تستأمرهم حملت المؤنة عليهم، وإن قطعت الأمر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم، إنهم إن سخطوا عليك أهلكوك، وإن رضوا عنك تكلفت من رضاهم ما لا تُطيق؛ فإن كنت حافظًا إن بلوك، جلدًا إن قربوك، أمينًا إن ائتمنوك، تشكرهم ولا تكلفهم الشكر، بصيرًا بأهوائهم، مؤثرًا لمنافعهم، ذليلًا إن ظلموك، راضيًا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد، والحذر كل الحذر.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «رسائل البلغاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.