تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

براء مهملة

وهي من ورب العرق بفتح الواو والراء: إذا فسد، فهو ورب بكسر الراء، فكأن المتكلم أفسد مفهوم ظاهر الكلام بما أبداه من تأويل باطنه. وحقيقتها أن يقول المتكلم قولاً يتضمن ما ينكر عليه بسببه، لبعد ما يتخلص به منه، هذا إن فطن له وقت العمل وإلا ارتجل حين يجبه به ما يخلصه منه من جواب حاضر، أو حجة بالغة، أو تصحيف كلمة أو تحريفها، أو زيادة في الكلام أو نقص، أو نادرة معجبة، أو ظرفة مضحكة.

فأما شاهد ما وقع من المواربة بالتحريف، فقول عتبان الحروري طويل:

فإن يك منكم كان مروان وابنهوعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنبومنا أمير المؤمنين شبيب

فإنه لما بلغ الشعر هشاماً، وظفر به قال له: أنت القائل:

ومنا أمير المؤمنين شبيب

فقال: لم أقل كذا وإنما قلت:

ومنا أمير المؤمنين شبيب

فتخلص بفتح الراء بعد ضمها، وهذا ألطف مواربة وقعت، ودونها قول نصيب طويل:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمتفوا كمدي من ذا يهيم بها بعدي

وقيل له: اهتممت بمن يفعل بها بعدك، فقال: لم أقل كذا، وإنما قلت:

فوا كمدي ممن يهيم بها بعدي

فتخلص بإبدال كلمة من كلمة، فهذا وأشباهه يحتمل أن يكون الدخل وقع فيه للشاعر وقت العمل، ويحتمل ألا يكون وقع له، وارتجل التخلص عند سماعه، والذي لا يحتمل أن يكون فطن له حتى قيل له قول الأخطل طويل:

لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعةإلى الله منها المشتكى والمعول
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»
فإلا تغيرها قريش بملكهايكن عن قريش مستماز ومزحل
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»

فقال له عبد الملك بن مروان: إلى أين يا بن اللخناء؟ فقال: إلى النار، فضحك منه، وسكت عنه، فتخلص بهذه النادرة.

وقد تكون المواربة من غير هذين النمطين، كقوله عليه السلام

للعباس بن مرداس حين أنشد رسول الله ﷺ متقارب:

أتجعل نهبي ونهب العبيد بني عيينة والأقرع

وما كان حصن ولا حابسيفوقان مرداس في مجمع
وما أنا دون امرئ منهماومن تضع اليوم لا يرفع

فقال رسول الله ﷺ: يا علي، اقطع لسانه عني، فقبض علي ﵇ على يده وخرج به، فقال: أقاطع أنت لساني يا أبا الحسن؟ فقال: إني لممض فيك ما أمر.. فهذه أحسن مواربة سمعتها في كلام العرب، ثم مضى به إلى إبل الصدقة فقال: خذ ما أحببت أو كما قال.

ومن المواربة متصل ومنفصل، وقد أتينا بأمثلة القسمين، فالمتصل منها ما كان تخلصه في نفس الكلام، المنفصل ما كان التخلص فيه من كلام آخر، كالذي تقدم لعلي ﵇ والأخطل.

ومن أوضح أمثلته قصة كثير مع عبد الملك بن مروان، وقد أنشده طويل:

على ابن أبي العاصي دلاص حصينةأجاد المسدى نسجها فأذالها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليليّ إنْ أمُّ الحكيم تحمَّلتْ»

فقال له عبد الملك: قول الأعشى في صاحبه خير من قولك هذا في حيث يقول كامل:

كنت المقدم غير لابس جنةبالسيف تضرب معلماً أبطالا
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فقال: الأعشى وصف صاحبه بالخرق، ووصفتك بالحزم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجز الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.