تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب التفويف

اشتقاق التفويف من الثوب الذي فيه خطوط بيض، وأصل الفوف: البياض الذي في أظفار الأحداث، والحبة البيضاء في النواة، وهي التي تنبت منها النخلة، والفوفة القشرة البيضاء التي تكون على النواة، والفوف: الشيء، والفوف: قطع القطن، وبرد مفوف: أي رقيق، فكأن المتكلم خالف بين جمل المعاني في التقفية كمخالفة البياض لسائر الألوان، لأن بعده من سائر الألوان أشد من بعد بعضا عن بعض، إذ هو بسيط بالنسبة إليهما، وكلها مركبة بالنسبة إليه، لأنه قابل لجميع الألوان، وجميع الألوان تقبل التغير إلى لون آخر بحسب التركيب، والشدة والضعف إلا السواد، فإنه لا يقبل تركيباً ألبتة، فهو ضد البياض ونقيضه، ولا جرم أن الجمع بينهما في الكلام يسمى مطابقة، بخلاف بقية الألوان، والتفويف في الصناعة: عبارة عن إتيان المتكلم بمعان شتى من المدح

أو الغزل، أو غير ذلك من الفنون والأغراض، كل فن في جملة من الكلام منفصلة من أختها بالتجميع غالباً، مع تساوي الجمل المركبة في الوزنية، ويكون بالجمل الطويلة والمتوسطة والقصيرة.

فمثال ما جاء منه بالجمل الطويلة، قول النابغة الذبياني طويل:

فلله عيناً من رأى أهل قبةأضر لمن عادى وأكثر نافعا
وأعظم أحلاماً وأكبر سيداًوأفضل مشفوعاً إليه وشافعا

وأحسب أن أول من نطق بالتفويف المركب من الجمل الطويلة عنترة، فقال كامل:

إن يلحقوا أكرر، وإن يستلحمواأشدد، وإن نزلوا بضنك أنزل
للشاعر عنترة بن شداد، اقرأ القصيدة

ومثال ما جاء منه في الجمل المتوسطة قول أبي الوليد بن زيدون بسيط

ته أحتمل، واحتكم أصبر، وعز أهنودل أخضع، وقل أسمع، ومر أطع

ومثال ما جاء منه بالجمل القصيرة قول المتنبي بسيط

أقل أنل أقطع احمل عل سل أعدزد هش بش تفضل أدن سر صل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل»

وقد جاء من التفويف المركب من الجمل الطويلة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " الذي خلقني فهو يهدين، والذي هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين، والذي يميتني ثم يحيين، والذي أطمع أن يغفر لي خطئيتي يوم الدين " وفي الجمل المتوسطة قوله سبحانه: " تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي "، ولم يأت من الجمل القصيرة شيء في فصيح الكلام. والله أعلم.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجز الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.