من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب السادس والأربعون في الحمام وما في وصفها من بديع النظام
قد جرت عادة الكبراء والعظماء بإتخاذ الحمام في منازلهم ولا سيما في أيام الخلفاء فكثر ذلك في ايام الناصر لدين الله احمد بن الإمام المستضئ فإنه اهتم بأمرها وبأمر إنشائها ومازالت الخلفاء والملوك يطيرون الحمام ويسابقون به ولا يختص بذلك بنو العباس قال صاحب روض الأذهان: كان الوزير أبو الفرج يعقوب وزير المعز أجل الخلفاء المصريين وأفخمهم وكان له حمام يسابق فاتفق أنه سابق بها طيور الخليفة العزيز فسبق حمامه فعظم ذلك على الخليفة ووجد أعداء الوزير الطعن عليه من أن هذا الوزير يختار لنفسه من كل شيء ويختار للخليفة الأدنى فبلغ ذلك الوزير فكتب إلى الخليفة:
قل لأمير المؤمنين الذيله العلا والكوكب الثاقب
طائرك السابق لكنهجاء وفي خدمته حاجب
فسكن غيظ الخليفة ولما مات هذا الوزير خلف أربعة آلاف مملوك وحارة الوزيرية في القاهرة وتعرف به وبساتين الوزير بالقرب من بركة الجيش ولما مات نزل الخليفة وألحده في قبره وبلغ كفنه وما يدخل فيه عشرة آلاف دينار.
قال الجاحظ: وقد تباع الحمامة بخمسمائة دينار ولم يبلغ ذلك شيء من الطير ومن دخل بغداد والبصرة عرف ذلك وتباع البيضة بخمسة دنانير والفرخ بعشرين ديناراً روى عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه اشتكى إلى رسول الله (الوحشة فقال: "اتخذ حماماً تؤنسك وتصيب من فراخها وتوقظك للصلاة بتغريدها" وروى عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله (: "الحمام فإنها تلهي الجن عن صبيانكم" روى جابر أنه كان رسول الله (يعجبه النظر إلى الحمام والأبراج وكان في منزله (حمام أحمر اسمه ورذان، وكان إبراهيم بن بشار معجباً بالحمام والأبراج وكان إذا ذكرها يقول أن الله جمع فيها حسن النظر وكريم المخبر تكفيك مؤنتها فهي للطارق عدة وللمستوطن لذة تطعم في الصحراء وتعود إليك في السراء يأنس الوحيد بحركاتها وتغنيه عن الأوتار بنغماتها وغيرها من الطير يستعجم وهي ناطقة وتنفر عنك وهي داجنة وفي طبعها السكون إلى الناس والاستئناس بهم وهي طير عفيف يبقى الذكر بعد الأنثى منفرداً والأنثى مثل ذلك مع شدة اتفاقهما على المحبة إن طارا طارا معاً معاً وإن وقعا وقعا معاً لها سرعة الطيران لا تكاد سباع الطير تصيدها إلا بحيلة ولم تزل العرب تستحسن سجع الحمام وتغريد البلبل والورشان وإعراب وادي القرى إذا ظفروا بشباب الطائف أتوا حوائط من النخل عند استواء الظهيرة إذا صارت الوراش والفواخت إلى ذلك الظلال فيشربون ويأنسون بتغريدهن ويقيمون أصواتهن مقام المزامير والأوتار وفي ذلك يقول بعضهم:
أحن إلى حوائط ذات عراقلتغريد الفواخت والحمام
ألم بها وكل فتى كريممن الفتيان مخلوع الزمام
وقد ألف القاضي محيي الدين بن عبد كتاباً أسماه تمائم الحمائم وذكر فيه أنسابها وأنواعها وغير ذلك ومنه قول القاضي الفاضل لا زالت أجنحتها تحمل من البطائق أجنحة وتجهز جيوش المقاصد والأقلام أسلحة وتحمل من الأخبار ما تحمله الضمائر وتطوى الأرض إذا نشرت الجناح الطائر وكادت تكون ملائكة لأنها رسل إذا نيطت بالرقاع طارت أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع وقد باعد الله بين أسفارها وقربها وقرها وجعلها طيف اليقظة الذي صدق العين وما كذبها وقد أخذت عهود أداء الأمانة في رقابها أطواقاً وأذنها من أذنابها أوراقاً فصارت خوافي ةوراء الحوافي وغطت سرها بكتمان سحبت عليها ذيول ريشها الصوافي ترغم النوى بتقريب العهود وتكاد العيون تلاحظها وتلاحظ أنجم السعود وهي أنبياء الطير لكثرة ما تأتى به من الأنباء وخطباؤها لأنها تقوم على منابر الأغصان قيام الخطباء وسماها القاضي الفاضل في مكان آخر ملائكة الملوك فرحمه الله ما كان أقدره على الكلام وما أحسن ملا وصف الحمام وتسميته أيها أنبياء الطير، قال الشيخ تاج الدين بن الأثير من فصل: طالما جارتها الرياح فأصبحت فأصبحت مخلفة وراءها تبكي على السحب وصدق من سماها أنبياء الطير لأنها مرسلة بالكتب وقال الشيخ السديد علو الرؤساء من رسالة في تقدمته بالبشائر يكون المعنى بقولهم أيمن الطائر ولا غرو أن أفارق رسل الأرض وفاتهم وهو مرسل والعيان عيانه والجو ميدانه والجناح مركبه والرياح موكبه وابتداء الغاية شوطه والتشوق إلى أهله وقال الاسعد بن مماتى من صدر رسالة:
أعوامل بالفلات مما يدلناعنى أن معنى القلب من عادة القلب
ومن لم يجد شخصاً من الأنس كاملاًيثبت له الشكوى تشاغل باللعب
بلغنا أن الحضرة قد أطاعت سلطان نفسها واسترجعت شيطان أمسها وعزمت على أنفاق كيس الأيام بالاشتغال بالحمام.
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة: وفرضنا أعزك الله أن ذلك الواشي في كلامه مصيب فالمملوك أولى بالتقاط فوائد مولانا ابن أبي حجلة وللطير في دار الكرام مصيب.
صلاح الدين الصفدي وكتبها إلى بعض أصحابه:
هذي بطاقة قادمقد جاء يلهج بالمدح
حملها قلبي الذيقد طار نحوك بالفرح
وقلت ما ألطف قول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
شكرت افتراحي في المديح فلمتنىوقلبي أناس كان يشكر ما اقترح
ولو كان من شعري المحجل ريشةلكل بني الآداب طارت من الفرح
القاضي الفاضل:
لينهك طائر الفتح المبينوما أدى من الخبر اليقين
وأشرق في الخيام على رياضوخط من الرماح على الغصون
وأطرب بالكتاب وزاد حتىظنناه يغني باللحون
وسرك باليقين بغير وعدترجيه الظنون بقدوسين
بما أسهرت جفن السيف حتىجعلت السيف غمداً للجفون
وله تغمده الله برحمته:
وقد ألف التخليق ريشها وجناحهافجاءت الينا في رداء العرائس
وما خلقت بالزعفران وإنمانضخن دماً من أكل قتلى الفوارس
ملائكة الرحمة تزجى كتابهااليهم ببشراهم بقتلى الأبالس
وله ﵀:
بشائر يأتي الطير حامل كتبهافيأتي سرور لم يدعه ونفسه
غدوت ولا سيف يقر بغمدهوبت ولا طير يقر بعشه
وذكر ابن مسدى في معجمه: قال سمعت أبا الحسن محمد بن نصر الله بن عنين يقول كنت بخراسان بمجلس الفخر الرازي وعادت به على منبره فقنت وأنشدت بديها:
يا بن المطمعين إذا شتوافي كل مسغبة وثلج خاسف
والعاصمين إذا النفوس تطايرتبين الصوارم والوشيح الراجف
من نبأ الورقاء أن محلكمحرم وأنك ملجأ للخائف
وافت إليك وقد تدانى حتفهافجبرتها ببقائها المستأنف
ولو أنها تجبى بمال لانثنتمن راحتيك بنائل متضاعف
جاءت سليمان الزمان حمامةوالموت يلمع من جناحي خاطف
فخلع عليه جبة كانت عليه وكل هذا سبباً لإقبال السعود عليه.
من انشاء الشيخ زايد الوردي: فبينما الباز سكران بما بان من البان وإذا بحمامة قد أوقعت أمامه وقالت كم تفتخر وأنت عظم نخر أنت من آلة اللعب والصيد وأنا من آله الجد والكبد أنا مع الطوق والخضاب من جملة حملة الكتاب ومع خوفي من شرك الشرك وحذرى ممن فح الافك حملت الأمانة التي أبت الجبال عن حملها وامتثلت مرسوم (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فلما أوصلت الحقوق أمنت العقوق وتزينت بالبشائر والخلوق ومما أعجب العالمين أننى مخضوبة البنان ولى يمين أقول للملك دع الاهتمام ولا تحزن فإنى أنا الحمام مهما حدث عليك من البعد من أخصامك أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك كتمت عن الناس سرى وأبهمت في الغناء والنوح أمرى:
روى خضابي وطرقيفاستنكفوا من بكائي
ثم ادعوا أن نوحىمناسب لغنائي
فقلت كفوا فدمعيباد بغير اختفاء
الخضب من فيض دمعيوالصبر عقد ولائي
قال القاضي علاء الدين الوداعي: كان القاضي الفاضل يسمى الحمام ملائكة الملوك فسميت أنا البريدية شياطين السلاطين.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع