من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب الحادي والأربعون في الكتب وجمعها وفضل اتخاذها ونفعها قال ابن الخشاب ملغزا فيها
وذي أوجه لكنه غير بايحبسر وذو الوجهين للسر يظهر
يناجيك بالأسرار أسرار وجههفتسمعها ما دمت بالعين تنظر
وقال أبو زيد الدبوسي:
إذا ما خلا الناس في دورهمبزهر الندامى وعز الصحاب
وأكل الطعام وشرب المداموتم السرور بخود كعاب
خلوت وصحبي كتب العلومفكان الأنيس لقلبي كتابي
ودرس العلوم شراب العقولفطوفوا علي بذاك الشراب
ومن كان في دهره جامعاًسوى العلم جمعه للذهاب
أبو النصر الفارابي:
لما رأيت الزمان تنكساوليس في الصحبة انتفاع
كل رئيس به ملالوكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضاًبه من العز اقتناع
أشرب ممن اقتنيت راحالها على راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامىومن قراقيرها سماع
وأجتني من حديث قومقد أقفرت منهم البقاع
غيره:
وما شغفي بالكتب إلا لأنهاتسامرني من غير عي ولا ضجر
وأحسن من ذا أنها في صحابتيتخفف تكليفي وتقنع بالنظر
ابن نباتة:
لله مجموع له رونقكرونق الحبات في عقدها
كادت مجاميع الوردي عندهتموت بالهيبة في جلدها
قال الجاحظ الكتاب وعاء ملىء علما وحشي ظرفا وإناء شحن مزاحا وجدا إن شئت كان أعيى من باقل وإن شئت كان أبلغ من سحبان بن وائل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت أشجتك مواعظه والكتاب نعم الظهر والعدة والكنز والعقدة ونعم الذخر والعمدة ونعم النزهة والنشرة ونعم الشغل والحرفة ونعم الأنيس ساعة الوحدة ونعم المعرفة ببلاد الغربة ونعم القرين في الرحيل ونعم الوزير والنزيل والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك والصديق الذي لا يغريك والرفيق الذي لا يملك والمستميح الذي سماحته لا تستزيدك وهو يعطيك بالليل طاعته وبالنهار يطلب العطاء ويفيد في السفر كإفادته في الحضر.
ثم قال فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن وروضة تقلب في حجر ينطق عن الموتى ويترجم كلام الأحيا ومن لك بواعظ مله وبزاجر مغر وبناسك فاتك وبساكت ناطق وحار بارد ومن لك بطيب أعرابي وبرومي هندي.
قال وسمعت حسن اللؤلؤي يقول عمرت أربعين عاما ولا بت ولا اتكأت إلا والكتاب موضوع على صدري وكان يقال إنفاق الفضة على كتب الآداب يخلف عليك ذهاب الألباب.
وقرأ أبو الحسن بن طباطبا في بعض الكتب، الكتب حصون العقلاء إليها يلجئون وبساعتهم فيها يتنزهون.
وقال بديع الزمان الهمذاني ما رأيت جارا أبر ولا رفيقا أطوع ولا معلما أخضع ولا صاحبا أظهر كفاءة ولا أقل خيانة ولا أزهد في مال ولا أكف عن قتال من كتاب.
وقال الزمخشري ما رأيت قرينا أحسن موافاة ولا أعجل مكافأة ولا أخص معرفة ولا أخف مؤنة ولا أطول عمرا ولا أطيب ثمرا ولا أقرب مجتنى من كتاب.
وكتب ابن نباتة إلى بعض الأجلاء يستعيد كتابا في عريته ويسأل إرسال الكتاب الذي أشرقت بمولانا حروفه وأينعت في الأوراق قطوفه وأصبح لفظه الباسم، كما قال العباس يكون أجاجاً دونكم فإذا انتهى وقد عزم المملوك على السفر حيث يجلي صدأ الغياهب ويتسلم الغرب وديعة الشرق من در الكواكب ويستحب ذيل الفجر المجرور ويتلو لسانه على الأفق سورة النور والله تعالى الخليفة على مجد مولانا الغريب وفضله القريب وشخصه الذي لولاه في هذا البلد لم يلف بها غريب.
وكتب لشخص أهدى كتابا في فضائل الأعمال يقبل الباسطة لازالت بادية الأجمال وافية الكرم على ما في الآمال هادية مهدية بما أولته من فضائل الأقوال وفضائل الأعمال وينهى ورود كتابيه اللذين ملآ بأكبر يديه والنور قلبه وعينيه ونعماه نظرا ومسمعا وأرياه القمرين في وقت معا فلله مكاتبته التي جنت نسماتها السحرية وغازلت عيون فضائلها السحرية وتضوعت حتى أرخصت الغوالي بنفحاتها الشجرية تركت والحسن يأخذه ينتعي منه وينتحب ولله كتابه الذي جمع الأعجاز والعجائب وجالس الملوك فكأنه المعنى بقول أبي الطيب: وخير جليس في الأنام كتاب ما أبهج عقوده المتسقة وما أحسن ما تدخل النواظر عذبا من أبوابه المتفرقة وما أجمع فصوله لحسن وإحسان وما أطيب أحاديثه عن جنان الخلد إذا طابت الأحاديث عن جنان قد أضاء حتى حسبه مشارق الأنوار وتأمله فإذا عجائب الحسن من نفسه وطرسه في ليل ونهار وغنى فهو للطرف معنى وتلمح من فنون أفنانه الجنة صورة ومعنى فهذه الأسطر المبدعة أشجارها وهذه الألفاظ المتنوعة أزهارها وهذه الثمرات المرتفعة أطيارها وهذه الطريق المترقرقة بين السطور أنهارها وما كان المملوك قبله يحسب أن جنة تهدي في أوراق ولا أن حديقة تسير على البعد فتعرض على أحداق فشكر الله لمولانا هذه المنن الباهرة ونفع بهداياه التي تجمع للأولياء بين خيري الدنيا والآخرة.
استعار الصنعاني كتابا "سفينة" من صاحب له فكتب إليه لما ردها على معيرها رأيت السفينة مشحونة علوما وصاحبها الحبر بحرا وكان من الرأي ردى إليه سفينته فهي بالبحر أحرى.
وعلى ذكر المجموع فما أحسن قول الحكيم موفق الدين المعروف بالورن:
لله أيامنا والشمل منتظمنظم به خاطر التفريق ما شعرا
والهف نفسي على عيش ظفرت بهقطعت مجموعه المختار مختصرا
ابن الوردي في شخص أخذ له كتبا ولم يرده:
إذا لم يرد فلان الكتابودافعني عنه بالباطل
ندبت له قاضيا فاضلاوخلصت حقي بالفاضل
ابن نباتة مع كتاب أهداه:
أرسلته نعم الجليسإذا تغيرت البشر
يبقى على سنن الوفاأبدا ويتقنع بالنظر
وخير جليس في الآنام كتاب هو النديم الكريم والخدن الأمين البريء من الذنوب السليم من العيوب الذي إن أدنيته لم يباعدك وإن أقصيته لم يعاودك وإن واصلته حمدته وإن هاجرته أمنته وإن استنطقته أسمعك وإن استكفيته أقنعك وإن استنكفته كف وإن استثقلته خف وإن دعوته لباك وإن استعفيته أعفاك لا يعصى لك أمرا ولا يحملك أصرا عرضك معه وافر وهو لسرك غير ناشر أنيق المنظر طيب المخبر جميل المشاهد كثير المحامد يملأ العيون قرة والنفوس مسرة يضحك الحزين اللهف ولهى الغضبان الأسف يجتلب السرور ويشرح الصدور ويطرد الهموم والأحزان وينفي بواعث الأشجان مجاورته أحسن مجاورة ومسامرته أحلى مسامرة ومجالسته أنفع مجالسة ومؤانسته أمتع مؤانسة فيه مدعاة إلى الطرب ومسلاة من الوصب وثعلة لذي الغرام وتلهية لقلب المستهام وأنس للمستوحش وري للمتعطش وعمارة للمجلس وحلية للمؤنس تلقى القلوب محبتها عليه وتميل النفوس بكليتها إليه ليس بينه وبين حبات القلوب حجاب ولا يغلق بينه وبين سويداواتها باب.
كتب شيخنا زين الدين بن العجمي على مناسك قاضي القضاة بن جماعة:
ألفت يا أزكى الورى مناسكافقت بها من قبلكا
قد وضحت لكل سار بهجةولم تدع للناقدين مدركا
وقد نلت أحكامها على الورىلكل أمة جعلنا منسكا
الديوان: الأصل الذي يرجع إليه ويعمل بما فيه قال ابن عباس: إذا سألتموني عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب أي أصله ويقال دوّن هذا زي أثبته وأجعله أصلا وزعم بعضهم أن أصله أعجمي وذكره سيبويه في كتابه وقال: إن أصله دوّان.
الدفتر: عربي لا يعلم له اشتقاق وحكي دفتر بالكسر ويقال أيضاً تفتر وأما الكراسة فمعناها الكتب المضمومة بعضها إلى بعض والورق الذي ألصق بعضه إلى بعض مشتق من قولهم رسم مكرسي إذا ألصقت الريح التراب به كما قال العجاج:
يا صاح هل تعرف رسما مكرساقال نعم وأعرفه ملبسا
أبليس تحير ولم تكن له حجة وقال الخليل بن أحمد الكراسة من الكتب مأخوذة من أكراس الغنم وهي أن تبول في الموضع شيئا بعد شيء فيقلبه.
شمس الدين العفيف كان عنده مجموع فطلبه منه بعض الرؤساء فأرسل إليه وكتب له:
يا أيها الصدر الذي وجه العلامنه يزان بمنظر مطبوع
لا تعتقد قلبي بحبك وحدهها قد بعث لسيدي مجموعي
اجتمع لسيف الدولة بن حمدان ما لم يجتمع لغيره من الملوك كان خطيبه بن نباتة الفارقي ومعلمه ابن خالويه ومطربه الفارابي وطباخه كشاجم وخزان كتبه الخالديان والصنوبري ومداحه المتنبي والسلامي والوأواء الدمشقي والسفاء والنامي وابن نباتة السعدي والصنوبري وغير ذلك.
قال مجير الدين بن تميم فيما يكتب على خزانة كتب:
انظر إلي ترى في صورتي عجباشخصا حوى العلم في صدر من الخشب
وفيه من كل فن غير أن لهوجدا يميل به شوقا إلى الأدب
وله:
يا حسنها نسخة يلهو مطالعهاوطالما قد حوت من رائق الكم
صحت وقد لطفت في حجمها فحكتلطف النسيم وحاشها من السقم
ولبعضهم:
إن مجموعي البديع لحليقد تنقيت دره المختارا
وإذا لم أعره ليس عجيبشغل الحلي أهله أن يعارا
قلب ولا بأس بإيراد نبذة من التورية بأسماء الكتب فمن ذلك قول بعضهم:
يا سائلي من بعدهم عن حالتيترك الجواب جواب هذي المسألة
حالي إذا حدثت لا لمعا ولاجملا لا يضاحى لها من تكلمه
عبد حوى بدر الفصيح منكدافاترك مفصله ودونك مجمله
ومنه للشيخ أبي عبد الله بن جابر المغربي نزيل دمشق المحروسة:
عرائس مدحي كم أتين لغيرهفلما رأته قلن هذا من الأكفا
نوادر آدابي ذخيرة ماجدشمائل كم فيهن من نكت تلفى
مطالعها هن المشارق للعلىقلائد قد راقت جواهرها رصفا
رسالة مدحي فيك واضحة وليمسالك تهذيب لتنبيه من أغفى
فيا منتهى سؤلي ومحصول غايتيلانت أمرين حاصل الوجد مستصفى
وقد اشتملت هذه الأبيات الخمسة على التورية بعشرين كتابا وهي العرائس للثعالبي والنوادر لأبي علي القالي وغيره والذخيرة لابن بسام وغيره والشمائل للترمذي والنكت لعبد الحق الصقلي وغيره والمطالع لابن قرقول وغيره والمشارق للقاضي عياض ولغيره والقلائد لابن خاقان وغيره ورصف المباني في حروف المعاني للأستاذ ابن عبد النور كتاب لم يصنف مثله في فنه والرسالة لابن أبي زيد ولغيره والواضحة لابن حبيب والمسالك للبكري وغيره والجواهر لابن شاش وغيره والتهذيب في اختصار المدونة وغيره والتنبيه لأبي إسحاق ولغيره ومنتهى السؤال لابن الحاجب والمحصول للإمام والغاية للنووي ولغيره والحاصل مختصر المحصول والمستصفى للغزالي ولغيره تم ذلك.
ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب:
ولما رأت عزمي حثيثاً على السرىوقد رابها صبري على موقف البين
أتت بصحاح الجوهري عيونهافعارضت من دمعي بمختصر العين
ولما أنشدتهما لشيخنا العلامة أقضى القضاة بدر الدين الدماميني أسبغ الله ظلاله أنشدني ولم يسم قائله:
في نصف الاستذكار أعطيتهمختصر العين فأرضاه
قلت هما لابن شعيب المغربي والأول منهما:
وبائع للكتب يبتاعهابأرخص السعر وأغلاه
مأمون بن مأمون خوارزم سمع يقول همني كتاب أنظر فيه وحبيب أنظر إليه وكريم أنظر إليه.
نادرة: مر العلم بين الصاحب بن شكر المعروف بالأجوبة على بعض الأكابر من المصريين ومعه كتاب مجلد فقال له شيخ العلم أرني أنظر في كتابك هذا فقال لم يكن الذي كفروا من أهل الكتاب.
استعار الصدر تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الكاتب مجموعا من مجاهد الدين ابن شقير وأطال مطله فاتفق أن حضر يوما إلى ديوان المكاتبات فقال ابن الأثير: كيف أنت يا مجاهد الدين والله قلبي وخاطري عليك، فقال وأنا والله مجموعي عندك فطرب لهما الحاضرون.
قال الفضل كل كراسة لا يخرم أنفها ولا يكون الجلد دفها عرضة للضياع وما مكانها من الخزانة إلا مسترق الوادع الصفدي:
ملكت كتابا أخلق الدهر جلدهوما أحد في دهر بمخلد
إذا نظرت كتبي الجديدة جلدهيقولون لا تهلك أسى وتجلد
كتب سيدي وأخي القاضي شهاب الدين بن حجر سامحه الله على جزأي تذكرتي التي سميتها ثمرات الأوراق:
نظرت لما سطرته من مجامعلها الفضل إذا راقت محاسنها تعزى
وقد لذ منها ما كتبت بخاطريولم يكف طرفي منه جزء ولا أجزا
ابن نباتة:
رب مليح رأى كتابافقال ما هذا المبيح عندك
فقلت في الحال يا كتابيغياب وإلا سلخت جلدك
ووجدت على ظهر كتاب هذا البيت:
وما الكتب إلا كالضيوف وحقهابأن تتلقى بالقبول وأن تقرى
ابن الوردي وكتبها على كتاب الشمائل للترمذي:
يا أشرف مرسل كريمما ألطف هذه الشمائل
من يستمع لفظها تراهكالغصن مع النسيم مائل
في الخيل والدواب ونفعهاز..
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع