تجاوز إلى المحتوى

من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)

الباب الرابع والثلاثون في بيت الخلاء المطلوب

قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ الخلاء بالمد في الأصل هو المكان الخالي كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم كثر حتى تجوز به عن غير ذلك ثقال أنس بن مالك (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخنث والخبائث بضم الخاء والباء جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة استعاذ من ذكور الشياطين وإناثهم قال بعضهم إذا كمكل للإنسان في داره حسن ثلاثة مواضع لم يبال فيما فاته منها وهي: مجلس السكن والدهليز والكنيف.

وفيه يقول المأموني:

بيت إذا ما زاره زائرفقد قضى أعظم أوطاره
للشاعر أبو العباس ابن الكاتب الشامي البكتمري، اقرأ القصيدة
يدخله المولى ببز كمايدخله العبد بأطماره
وهو إذا ما كان مستصقاًمروّة الإنسان في داره

وكان جعفر الصادق يقول من سعادة المرء سعة داره وحسن مجلسه ونظافة متوضاه.

حكى عن بعض الحمقى أنه استدان سبعمائة درهم وأنفقها على كنيف داره فبلغ ذلك بعض أصحابه الظرفاء فقال ليت شعري ما الذي يريد يخرى فيه وحكى أبو الفرج الأصبهاني في أخبار العرجي عن الأصمعي قال مررت بكناس يكنس كنيفاً وهو يغني:

أضاعوني وأي فتى أضاعواليوم كريهة وسداد ثغر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «حمى ثغرا بخال عنبري»

فقلت أما سداد الكنيف فمعلوم وأما سداد الثغر فلا علم لنا بك كيف أنت فيه وكنت حديث السن وأردت العبث به فأعرض عني ملياً ثم أقبل علي وأنشد:

وأكرم نفسي أنني إن أهنتهاوحقك لم تكرم على أحد بعدي

فقلت له والله ما أكرمتها وما يكون من الهوان أكثر مما أهنتها به فبأي شيء أكرمتها فقال بلى والله وإن من الهوان لشر ما أنا فيه فقلت وما هو قال الحاجة إليك وإلى أمثالك فانصرفت وأنا أخزي الناس.

ومن أداب المضيف أنه يرى الضيف بيت الخلاء، قال ملك الهند إذا أضافك أحد فأره الكنيف فإني قد ابتليت فوضعت في قلنسوتي.

نادرة: قيل إن رجلاً حكى قال كنت بائتاً في بيت بين جماعة وكنت ضيفاً فتحركت بطني في أثناء الليل فقمت فلم أجد موضعاً فطفت في البيت فإذا أنا بمهد طفل فأخذت الطفل في حجري ثم خريت في المهد ثم رجعت لأرد الطفل في المهد فإذا به قد خري في حجري أضعاف ما خريت في مهده فما جرى على كاتبه أعظم.

قلت: الطبيعة مكافئة.

ومثلها حكي أن دعبل بن علي الخزاعي دعا أبا هفان فأطعمه ألواناً كثيرة الحبوب وسقاه نبيذاً حلواً وغمز الجواري أن لا يدلوه على بيت الخلاء ثم تركه ونام فلما أجهده الأمر قال لبعض الجواري أين الخلاء فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:

خلا من آل عالية الديارفمثوى أهلها منها قفار

فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحاً وسقوه فقال قد أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي وسكت فلما أجهده الأمر قال لعل الجارية بغدادية لم تفهم ما قلت لها ثم التفت إلى أخرى وقال لها فداك أبوك أين المستراح فقال الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:

واستريح إلى ليلى فاذكرهاكما استراح عليل من شكيه

فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشبوا أقداحاً وسقوه فقال أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوا على ما في غرضي ثم قال لعلها ما فهمت ثم قال لإحداهن فداك أبوك أين الحش فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:

وحاشاك أن أدعو عليم وإنماأردت بهذا القول أن تقبلي عذري

فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحاً فقال أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوني على مقصدي ثم أجهده الأمر فقال لعلها كوفية ثم قال للأخرى فداك أبوك أين الكنيف فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت غنوني:

تكنفني الوشوان من كل جانبولو كان واش واحد لكفاني

فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحاً فما تمالك حتى وثب وحل سراويله وذرق في وجوههن فتصارخن فانتبه دعبل فقال ما شانك يا أبا هفان فقال:

تكنفني السلاح فأضجرونيعلى ما بي بنيات الزواني
فلما قل عن حالي اصطباريرميت به على وجه الغواني

فقام دعبل فدله على الخلاء فدخل واغتسل وخلع عليه بعد أن ضحك منه ضحكاً عظيماً، وما اظرف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:

أمط بالدوا ثياب الأذىوطب في الرواح به والغدو
وكرر أحاديث بيت الخلاءولكن على رغم أنف العدو

ولبعضهم يستحث:

يا قاعداً متفكراًلمن الولاية بالعراق
ارحم فديتك مدنفاًقد لف ساقاً فوق ساق

نادرة: قال رجل لآخر يمدحه أنت من بيت الطهارة فقال الرجل دعني من هذا المدح فقال صدقت الشكر في الوجه ذم ولكن أنا أذكرك في الخلاء.

حكي أن بعض الكتاب كان يلقب بجعيص فلقيه بعض حرفائه فقال له أوحشتني يا جعيص وأين كنت فأنشده:

وحيث ما كنت من بلادفلي إلى وجهك التفات

قلت: وضمن هذا الشيخ بدر الدين بن الصاحب فقال:

يا كعبة الله إن رحلناوطال ما بيننا الشتات
فحيث ما كنت من بلادفلي إلى وجهك التفات

(رجع) كان لبعض المغفلين دار فقال له الساكن إن الكنيف قد انفتح فقال له صاحب الدار نظرت إليه من أيام وأردت أن أتغدى به قبل أن يتعشى بي فسبقني، قلت الشيء يذكر بلوازمه نقلت من خط الفاضل المؤرخ الناظم الناثر الرحال صاحب المؤلفات المبدعة نور الدين علي بن سعيد من كتابه الذي سماه بالمغرب في أجلاء المغرب قال في ترجمة أبي العباس أحمد بن القاسم وهو الذي يقول فيه ابن تقي في موشحته المشهورة التي منها أماً ترى أحمد في مجده العالي لا يلحق أطلعه الغرب فأرنا مثله يا مشرق وجرت له معي حكايات أكرمها حكايته وقد وفد عليه مرة فوجده قد عج عن لارتياح وأقلع عن شرب الراح وكانت له عادة بإحضاره المجلس راحته عندما يصل فخطب ذلك منه فأعلمه بتوبته وتكلف له مجلساً فيه أصحابه ومن يشرب من أقاربه وحضر هو فيه عازماً على المؤانسة دون المشاركة في شراب فقال ابن تقي موشحته المشهورة:

نديماً قد طاب عن له وأنشد
وأردد عليه الكأس عساه يرتد

فارتد عن توبته وشرب كأسه من نوبته وأتى من المطايبة والطرب ما قر به عين الظرف والأدب ولما أخذ السكر من ابن تقي قام المستراح وفي وسطه كيس فيه جملة من الذهب الذي جرت عادة أبي العباس أن يصله به في كل سفرة وما اجتمع له من غيره فحله وحطه في كوة المستراح حتى يقضى شغله ثم فرغ ومضى ونسي الكيس لما كان فيه من السكر ونام فلما اصبح وصحا قلب ليطلب الكيس فلم يجد شيئاً ونظر إليه أبو العباس فقال له ما لك فأخبره فقال أنا أخذته منك البارحة لئلا يضيع منك وإذا احتجت إليه دفعته لك واستفهمه عن عدد ما فيه فأخبره فلما دخل إلى منزله جعل في كيس من عنده ذلك العدد ودفعه إليه وابن تقي لا يشك أنه ذهبه ثم ودعه وانصرف ولما اجتاز عليه في سفرة ثانية حضر في ذلك المجلس ليلة على مثل تلك الحالة فلما سكر قام إلى المستراح ثم تفكر في حالة السكر أنه كان قد حل هناك سراويله ووضع الكيس في الكوة فمد يده إلى الكوة وجد الكيس بعينه فأخذه وجعله في وسطه ثم عاد لشربه والمجلس غاص محتفل بالأعيان فبكى ابن تقي وكدر المجلس فظن أبو العباس أنه جرى عليه ما أوجب ذلك فقال له ما يبكيك هل نابك أمر أكشفه عنك فقال والله ما أبكي إلا حسرة على العالم أنه لا يخلد مثلك فيه وحكى الحكاية فقال أبو العباس ما كان يسعني في ذلك الوقت إلا ما فعلته لأني خفت أن يكون ضاع لك فتتهم به أحد ندمائي ويشيع ذلك ولابد من غرمه لك لئلا تنصرف خائباً فكان الأولى غرمه دون أن يفتضح أحد من أصحابنا فقبل الأرض ودعى لي وهذه إحدى مكارمه جدد الله عليه الرحمة وجازاه بما هو أهله في جنة الفردوس من النعمة آمين آمين.

سألني بعض المخاديم أن انظم له أبياتاً تكتب على الخريشت الذي جدده بعد حريقه وانهدامه في الواقعة المشهورة الخواجا بدر الدين محمد بن الخواجا شمس الدين محمد اتبن المزلق أدام الله سعدهما بباب البريد بالجامع الأموي وكان والده قد بيضه:

يا بقعة لقضا الحوايج أسستلازال سعدك دائماً يتزيد
لمحتك من بدر وشمس نظرةفغدا قراناً سعده لك يرصد
جددت فعل الخير يا بن مزلقلازال فعل الخير منك يجدد
عشرون بيتاً قد قصدت رويهايا خير من يروي ومن يتقصد
كانت مسودة وقد بيضتهافالماء للأبيات منها ينشد
وإذا نظرت إلى البقاع وجدتهاتشقى كما تشقى الرجال وتسعد
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «رحلت إليك ركائب ومدائح»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مطالع البدور ومنازل السرور»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.