من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب السابع والعشرون في النار والطباخ والقدور
النار مؤنثة من ذوات الواو لأن تصغيرها نويرة والجمع نور وأنوار ونيران انقلبت الواو ياء الكسرة ما قبلها وليس في الأرض شجرة إلا وتقدح منها النار إلا العناب، وهي على أنواع عند العرب نار القرى وهي اعظم النيران ونار السلامة توقد للمسافر إذا قدم سالما غانما، ونار الزائر والمسافر وذلك انهم إذا لم يحبوا الزائر والمسافر أن يرجع أوقدوا خلفه ناراً وقالوا أبعده الله وأسحقه ونار الحرب يوقدونها على مكان عال لمن بعد عنهم ونار الصيد يوقدونها للظباء فتغشى أبصارهم ونار الأسد كانوا يوقدونها إذا خافوه لأنه إذا رآها حدق إليها وتأملها ولم يستطع الهجوم على ما حولها ونار الحلف لا يعقدون إلا عليها يطرحون فيها الملح والكبريت فإذا استشاطت قالوا هذه النار قد تهددتك ونار تهددتك ونار الغدر كانوا إذا غدر الرجل بجاره أوقدوا له ناراً بمنى أيام الحج وقالوا هذه غدرة فلان ونار الفداء كانت ملوكهم إذا سبوا قبيلة وطلب منهم الفداء كرهوا أن يعرضوا النساء نهاراً لئلا يفتضحن ونار الوسم التي يسمون بها الإبل لتعرف أبل الملوك فترد الماء أولا ونار الحرتين كانت ببلاد عبس تسطع من الحمرة بالليل فبعث الله خالد بن سنان وهو أول نبي بعث من ولد إسماعيل وقد قدمت ابنته على النبي ﷺ فبسط لها رداءه وقال بنت نبي ضيعه قومه فحفر لتلك النار بئراً فأدخلها فيها والناس ينظرون ثم اقتحم فيها حتى غيبها وخرج منها، وقد بالغ مهيار الديلمى في وصف نار القرى:
ضربوا بمدرجة الطريق خيامهميتقارعون على قرى الضيفان
ويكاد موقدهم يجود بنفسهحب القرى حطبا على النيران
وقال أبو طاهر البغدادي:
خطرت فكاد الورق يسجع فوقهاأنّ الحمام لمغرم بالبان
من معشر نشروا على هام الرباللطارقين ذوائب النيران
وقال صردر:
قوم إذا حيى الضيوف جفانهمردّت عليهم ألسن النيران
وقال ابن سنا الملك:
لنيرانه في الحي أي تحرقعلى الضيف أن أبطأ وأي تلهب
وأين هؤلاء القوم الكرام من الذين يقول فيهم الأخطل:
قوم إذا استنتج الأضياف كلبهمقالوا لاّمهم بولى على النار
فتحبس البول شحا أن تجود بهفما تبول لهم إلا بمقدار
لا يخفى ما في هذا البيت الأول من المعائب وقد ولع الأدباء بحلاها وما فيها من المعاني وقال مجير الدين بن تميم:
وكأنما النار التي قد أوقدتما بيننا ولهيبها يتضرم
سوداء أحرق قلبها ولسانهابشفاهة للحاضرين تكلم
وقال آخر:
انظر إلى النار وهي مضرمةوجمرها بالرماد مستور
شبه دم من فواخت ذبحتوفوقه ريشهن منثور
وقال آخر:
كانون يطفى برده كانونناما بين سادات كرام حذق
بأرقام حمر البطون ظهورهاسود ينضنض باللسان الأزرق
وقال ظافر الحداد:
تأمل ففي الكانون أعجب منظرإذا سرحت في فحمه جمرة النار
كما ميل الزق المروّق ساكبفدب احمرار الخمر في قلل القار
وقال آخر:
كان كانوننا سماءوالجمر في وسطه نجوم
ونحن جن بجانبيهوالشرر الطائر الرجوم
وقال آخر:
كأنما دخاننا إذ بدالعين من ينظره من قريب
ذوائب من غادة سرحتوقد بدا فيها بياض المشيب
وقال آخر:
كأنما النار في تلبهاوالفحم من فوقها يلظيها
زنجبية شبكت أصابعهامن فوق نازنجة تغطيها
وقال آخر:
كأن نضيد الفحم فوق شرارهإذا النار مست جلده فتلونا
يذكر أيام السحاب التي جرتبمنيته لما تأودّ أغصنا
فأنبت منها الآبنوس بنفسجاوأثمر عنابا وأورق سوسنا
وقال الشيخ صفي الدين الحلى:
البحتري منذ ما فارقتموه غدايحثو التراب على كانونه الخرب
لو شئتم أنه يضحى أبا لهبجاءت بغالكم حمالة الحطب
وقال ظافر الحداد:
كأن سواد الفحم من فوق جمرهوقد جمعنا فاستحسن الضدّ بالضدّ
غدائر خود فرقتها وقد غدتعلى خفر من تحتها حمرة الخد
فلما تناهى صبغه خلت أنهفصوص عقيق أو جنى زهر الورد
إلى أن حكى بعد الخمود رمادهغبارا من الكافور في قطع الند
كتب النصير الحمامي ملغزا إلى السراج الوراق:
وما اسم ثلاثى به النفع والضررله طلعة تغنى عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفاوليس له سمع وليس له بصر
يمد لسانا يختشى الرمح بأسهويسخر يوم الحرب بالصارم الذكر
يموت إذا ما قمت تسقيه قاصداوأعجب من ذا ذاك من الشجر
أيا سامع الأبيات دونك حلهاوغلا فنم عنها ونبه لها عمر
ومن التغزلات اللطيفة بذكر النار قول الشيخ شمس الدين بن الصائغ:
قد أدعوا القلب لا دعوا حرقفظل في الليل مثل النجم حيرانا
راودته يستعير الصبر بعدهمفقال أني استعرت اليوم نيرانا
قال علاء الدين الوداعى:
يا مودعا بوادعه في مهجتينارا تؤججها يد التذكار
أبكيت طرفي بعد أدمعه دماوكذا يكون بكاء أهل النار
قال صفى الدين الحلى: لا غرو أن يصلي الفؤاد ببعدكمنارا تؤججها يد التذكار
قلبي إذا غبتم يصور شخصكمفيه كل مصوّر في النار
وأنشدنى الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه:
يا مقلة الحب مهلافقد اخذت بثارك
وأنت يا وجنتيهلا تحرقيني بنارك
وكتب الشيخ جمال الدين بن نياتة مع نقل أهداه ونهى انه تهجم ونقل منقلا لطيف الصنعة جليلا إذا تأمل نفعه إذا هبت الشرر في ليل فحمه ولعبت يد الرياح بأزاهر ضرمه فكأنه معدن ياقوت أحمر أو نبت جلنار بزهر يروق البصائر والأبصار وإلا يكن فيه على الحقيقة جلنار ففيه جلنار طالما جدت معاشرته ولذت في الليالي الشتوية مسامرته واطلع من أفقه نجوما سعيدة القران وتلا على الريح والثلج (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران)، والرأي أعلا في قبول إهدائه والله يجعل ما في قلبه في قلوب أعدائه، قرأت في كتاب روضة الجليس ونزهة الأنيس تأليف الفاضل بدر الدين حسن بن زفر المتطبب الأربلي حكى عن سليمان بن محمد المهدي الصقلي قال كان بسوسة أفريقية عليه ويعرض عنه كثيراً فبينما هو ذات ليلة منفرد بشرب الخمر وحده غلب عليه السكر وذكر معشوقه وأجرى بخاطره ما كان يفعله به من التجنى فقام من حينه فاخذ قبس نار وجعله عند باب الغلام ليحرق عليه فلما دارت النار بالباب بادر بإطفائها وقبضوا عليه واعتقلوه فلما أصبحوا نهضوا به إلى القاضي واعلموه بفعله فقال له القاضي لأي شيء أحرقت باب هذا الغلام فأنشأ يقول:
لما تمادى على بعادىوأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بداولا نعينا على السهاد
حملت نفسي على وقوفىببابه حملة الجواد
قطار من بعض نار قلبيأقل من الوصف من رقادى
فأحرق الباب دون علمىولم يكن ذاك من مرادى
قال فاستظرف القاضي واقعته وشعره ورحمه وتحمل عنه ما أفسده من باب الغلام وقال الشيخ جمال الدين بن نباته في وصف حصار بالنار فما كان إلا ريثما ابتسمت لهم النار عن الموت العابس وعاملتهم من إعجال وقودها باليابس وجاءت بما ينضج ملابس الجلود وجلود الملابس وعاجلتهم من منفعة الغوث قبل العطب وأصلتهم نارا تبت بها أيدي الأبراج حمالة الحطب وإذا بأبدان البدانات القائمة قد قعدت والأبراج لتلاوة الحرب قد سجدت فهنالك هجمها المسلمون هجوم الليث الكرار وقطعت ألسنة السيوف المجادلة حجج رقاب الكفار وقال القاضي الفاضل في مثله فولجت النار موالج تضيق عنها الكفر ويعجز عنها الأبر وخولف المثل في أن السعادة لتلحظ الحجر وأغنى ضوء نهارها سؤال كل أمعة أن تسأل هذا وذاك ما الخبر إلى أن بدا ضوء الصباح وكأنه منها أمتار وانشق الشرق فكأنه من عصفرها صبغ الأزار إلى أن سرى ذا النقوب إلى المقاتل ودب سكرها بين المفاصل وغدت الجدران قائمة والبلا سار في أعقابها متجلدة والنار تحت ثيابها وقال أيضاً وقد أحمته إلى أن أحرقته وصرح الشرك وقد خاضته إلى أن أغرقته وأن الخندق بركة والبرجى لها فوارة وأن الله اعد للعدو نارا في الآخرة وأحرقهم في الدنيا بشراره وان العدو تحصن من البرج بكثيب بنفسج احرقه الله بجلنار وقال سيدي تقي الدين بن حجة في حريق دمشق هذا وكم مؤمن خرج من دياره حذر الموت وهو يقول النجاة وطلب الفرار وكلما دعاه قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار)، وقال ابن سناء الملك:
يا فالق الصبح من لألاء غرتهوجاعل الليل من أصداغه سكنا
لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدىفالنار حقا على من يعبد الوثنا
القول على الطباخ وينبغي أن يكون عند الرئيس والملك طباخ حاذق إذا لم يشته طعاماً صنع له ما يشتهيه وقيل كل طعام أعيد إلى القدر فهو فاسد وكل غناء خرج من تحت السبال فهو بارد قال بعضهم كنت جالساً عند بعض ولاة الطوف وقد جاءه الغلمان برجلين فقال لحدهما من أبوك فقال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدرهوأن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً إلى باب دارهفهم قيام حولها وقعود
فقال ما كان أبو هذا إلا كريماً ثم قال للآخر من أبوك فقال:
أنا ابن من ذلت الرقاب لهما بين مخزومها وهاشمها
خاضعة أذعنت لطاعتهيأخذ من مالها ومن دمها
فقال الوالي ما كان أبو هذا إلا شجاعاً وأطلقهما فلما انصرفا قلت للوالي أما الأول فكان أبوه يبيع الباقلى المصلوقة وأما الثاني فكان أبوه حجاماً فقال الوالي:
كن ابن من شئت واكتسب أدبايغنيك مضمونه عن النسب
إن الفتى من يقول ها أنا ذاليس الفتى من يقول كان أبي
قلت: وأنشدني سيدنا ومولانا القاضي شهاب الدين بن حجر ﵀ للشيخ بدر الدين الصاحب في مليح يطوف بالفول:
أنا ابن الذي في الليل تسطع نارهكثير رماد القدر للعب يحمل
يدور بأقداح العوافى على الورىويصبح بالخير الكثير يقوّل
قال محمد بن العفيف في مليح طباخ:
رب طباخ مليحفاتر الطرف غرير
مالكي أصبح لكنشغلوه بالقدور
وقال الصفدي: كافى بطباخ تملك مهجتىفعذاب قلبي في هواه سرمد
وكأنما أنا منصب قادمهنار تشب وزفرة تتصعد
وقال المعمار:
كافى بطباخ تنوع حسنهومزاجه للعاشقين يوافق
لكن مخافى من جفاه غدتمنه قلوب في الصدور خوافق
وقال أيضاً مواليا:
هويت طباخاً بالصبحة اخدميهحلو المزاج كانوا بن تركيه
ولو أطارف نواعم بيض زيديهلها معانى على الأخوان مخفيه
وقال بعضهم ما على الشيخ المسن أضر من أن يكون له طباخ حاذق وجارية حسناء لأنه يكثر من الطعام فيسقم ومن النكاح فيهرم وقال إبراهيم المعمار:
وطباخ بمنصبه افتخاروقدر قد علا في الناس وافى
أياديه على الأخوان مدّتوكم قلب له بالودّ صافى
وكم آمنوا به من خوف جوعسيعطى الآمن في يوم المخاف
دخل ابن الفضل الشاعر يوماً على الوزير ابن هبيرة وكان نقيب الإشراف وكان مبجلا وكان ذلك في يوم شديد الحر من شهر رمضان فقال له الوزير أين كنت فقال في مطبخ سيدي النقيب فقال له ويحك أيش عملت في شهر رمضان في المطبخ فقال كسرت الحر فيه يا مولانا فتبسم وخجل النقيب الفرزدق:
وقد علم الجيران أن قدورناضوامن للأرزاق والريح رفرف
ترى حولهن المعتقين كأنهمعلى صنم في الجاهلية عكف
وقال أمية بن أبي الصلت: وكأنها بفنائهللضيف مترعه زواجر
وكأنهن بما سجنوما حمين به ضرائر
وقال الفرزدق يهجو:
لو أن قدرا بكت من طول ما حبستعلى الجفون بكت قدر ابن عمار
ما مسها دسم مذ نض مدمعهاولا رأت بعد نار القين من نار
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع