من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب الثاني والثلاثون في الماء وما جرى مجراه
قالوا وينبغي أن لا يشرب الماء على المائدة ولا بعد الأكل إلى أن يجف أعالي البطن إلا بمقدار ما يسكن بعض العطش ولا يروى منه ريا واسعاً حتى إذا جف البطن وانحدر الطعام استوفى منه ومن المشروب وفي آداب شرب الماء أحاديث نبوية ومنها أدبية حض عليها العلماء في مراعاتها أما الشرعية فلا يشرب قائماً روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لو يعلم أحدكم ما في بطنه إذا شرب قائماً لاستقى، ومنها أن تمز الماء مزا ولا تعبه عبا وروى عن النبي ﷺ أنه قال الكياد من العب والكياد داء الكيد، ومنها أن لا يستوفى الماء إلى آخره ومنها أن يناول من على يمينه ومنها أن لا يشرب من ثلمة الإناء هذه كلها من الماء إلى آخره الدين ومن آداب الماء أن يجلس ويتناول الكوز بيمينه ويسمى الله ﷿ وينظر في الإناء قبل الشرب ويضع يده اليسرى من تحته لعله يكون قد وضع على موضع يقطر منه على ثيابه قطرة غير نظيفة ثم يشرب ثلاثة أنفاس ولا يتنفس في الكوز ويحمد الله تعالى بعد الشرب وأن يسر أن كان معه غيره.
آداب شرب الماء في مجلس الملوك اتفق أكابر العلماء بالأدب أن استدعاء الكوز في مجلس الملك والرئيس وشرب الماء في مواجهته من سوء الأدب وأما مجلس الملك خاصة فلا سبيل إلى شرب الماء فيه البتة، ذكر في سيرة كافور الأخشيدي حكاية ينتفع بسماعها من يلزم مجالس الملوك قالوا كان أبو جعفر مسلم وأبو الفضل جعفر بن الفضل الوزير عند كافور عشية صيف ولم يكن عنده غيرهما فقال لهما قد اشتد الحر وللثلج أيام ما جاءنا من الشام وما كان كافور يذوق الثلج وغنما كانت الكيزان توضع عليه فيشرب منها وبهذا سلم من ضرر الثلج فبينما هم كذلك إذا خبر بمجيء الثلج فقال هاتوا ثلاث كيزان فجاءوا بها فأخذ كافور كوزاً فشربه واخذ أبو الفضل كوزاً وشربه وأخذ أبو جعفر كوزاً وقام فخرج من المجلس وشربه ثم عاد وأكب على يد كافور ثم قعد أبو جعفر ساعة وانصرف وأراد أبو الفضل أن ينصرف فشاغله كافور ثم قال هاتوا أبا اليمن فجاء فقال زد في جزاءة الشريف أبي جعفر ألف دينار في كل عام وإنما اجلس أبا الفضل ليريه مكافأته لأبي جعفر عن حسن أدبه معه في شرب الماء.
كتب أبو الخطاب الصابي إلى عمه أبي اسحق الصابي مع كوز ما بعث به إليه شرط المودة أطال الله بقاء سيدي أن لا أنفرد دونه بلذة ولا اختص قبله بعطية إذا كان لا فرق بين محبتي ومحبة ولا فصل بين مبرتي ومبرته وقد شربت الساعة في هذا الكوز فوجدته أعذب ارتشافا من الأفواه وأحلى مصا من الشفاه وأصفى جوهراً من فاخر الدر وأنقى من الثنايا من المسك الأذفر:
رقت حواشيه فخف على الأنامل والقلوب
فكأنه مستعملمن طيب أنفاس الحبيب
يتم على القدا ولا يحول بين الماء والهوى يلطف عن صفاء الزجاج ولا يحوج الغلام إلى الثلاج أن أفرغ شف وان أترع رف تتساوى المياه فيه عذوبة وتعجب العيون قبل النفوس رؤية:
اشهى إلى الأبصار منوجه الحبيب بلا رقيب
تهدى لنا أنفاسهما فيك من كرم وطيب
حتى كان طينته من طينتك وعذوبته مشتقة من عذوبتك وقد أنفدته مملوءاً إليك لتعلم أن قبلى مملوء من المحبة عليك والسلام.
وقال صالح بن يونس في كوز ومرفع:
أم الحياة على سرير من نحاسعريانة أبداً بغير لباس
هي في الممات لدى الورى معدودةلكنها ضمنت حياة الناس
وأهدى رجل لرئيس كيزانا وكتب إليه:
ما بعثت الكيزان إلا احتيالاجعلت مهجتى وروحي فداكا
منعتني الأيام تقبيل كفيك فأرسلتها تقبل فاكا
ولا يسمى الكوز كوزاً لا إذا كان له عروة وإلا فهو كوب وعى ذلك فسر قوله ﷿ (بأكواب وأباريق) ولذلك نظائر في اللغة وهو ما أن المائدة لا يقال لها مائدة إلا إذا كان عليها الطعام وإلا فهي خوان كما تقدم ولا يسمى الكأس كأساً إلا وفيه شراب وإلا فهو قدح وإلى ذلك أشار العلامة ذو الوزارتين وأمام العروتين لسان الدين أبو عبد الله محمد بن الخطيب وزير صاحب الأندلس وكاتم سره في قوله لما وقف على كتاب ديوان الصبابة تأليف الشيخ شهاب الدين احمد بن أبي حجلة مخاطباً له على قوله في الكتاب المذكور:
كتاب حوى أخبار من قتل الهوىوسار بهم في شرق ومغرب
مقاطيعه مثل المواصيل لم تزليشيب فيها بالرياب وزينب
قوله هذه الأبيات:
يا من أدار من الصبابة بينناقدحا ينم المسك من رياه
وأتى بريحان الحديث فكلما صبح النسيم براحة حياه
أنا لا أهيم بذكر من قتل الهوىلكن أهيم بذكر من أحياه
أنشدني هذه الأبيات المرحوم فخر الدين بن مكانس وذكر أن شهاب الدين بن أبي حجلة أنشده إياها وأنه تبجح بكونه مدح كتابه قال فقلت له يا شيخ شهاب الدين خثر عليك لسان الدين وذكر أن كتابك فارغ من المحاسن قال وكيف ذا قلت لقوله:
يا من أدار من الصبابة بينناقاحا ينم المسك من رياه
أما علمت أن الكأس لا يقال له الكأس إذا شرب وإلا فهو قدح فامتغص له شهاب الدين وأخبرني أن لسان الدين عارضه بكتاب سماه روضة التعريف بالحب الشريف في التصوف انتهى.
رجع إلى ما كنا فيه سأل رجل الشيخ أبا الفرج بن الجوزي رحمه اله ما لنا نرى الكوز الجديد إذا صب فيه الماء نش وخرج منه صوت فما معناه قال له يا ولدي ذاك صوت شكواه يشكو إلى برد الماء مالقيه من حر النار فقال السائل فما لنا نراه إذا ملأناه لا يبرد فإذا نقص برد فقال الشيخ حتى تعلموا أن الهوى إلا يدخل إلا على ناقص، وذكر الوداعي في تذكرته قال حدثني جماعة من أهل عانة وهيت بالعراق أنه إذا كان أو أن الأربعينات ملئت فإذا انقضت رفعوها إلى زمان الصيف وشربوا فيها الماء فإنها تبرده برداً كثيراً يقوم مقام الثلج انتهى.
قلت: وذكر لي الوزير فخر الدين بن مكانس ﵀ إن ماء طوبا إذا شيل إلى الصيف وسكب منه في آنية الماء برده إلى الغاية وغن ماء هذا الفصل لا يفسد إذا شيل بخلاف غيره من الفصول، وما احسن قول ابن عبد الظاهر ملغزا في شربة:
وذى أن بلا سمعله قلب بلا قلب
إذا استولى على حبفقل ما شئت في الصب
قال وأهل مصر تقول للزير الحب وإليه أشار المرحوم فخر الدين بن مكانس في السبيل أنشأه الوزير الملكي الشهير بالنشو بجامع عمرو بن العاص (آمين:
أنشى القصيم النشو لما أرتقىوزارة زادته في وزره
بالجامع العمري سبيلا وقدقالت لنا عنه بنو مصره
هذا سبيل حاله فاسدوزيره يرشح من قعره
أنشدني الشيخ شمس الدين الرئيس لنفسه وكتبها على الخوابي:
ترفق أيها الساقيوزد في الطف بالصب
وداو القلب لي واعلمبأني منزل الحب
فصل: في المحمود من المياه قال ابن النفيس في الموجز أفضل المياه مياه الأنهار وخصوصاً الجارية على تربة نقية فيتخلص الماء من الشوائب أو على حجارة فيكون أبعد عن قبول العفوفة وخصوصاً الجارية إلى الشمال المشرق وخصوصاً المنحدرة إلى أسفل وخصوصاً إذا بعد المنبع فإن كان مع هذا خفيف الوزن يخيل لشاربه انه حلو ولا يحتمل الشراب منه إلا قليلاً فذلك هو البالغ وماء النيل قد جمع أكثر هذه المحامد وماء العين لا يخلو من الغلظ وأردأ منه ماء البئر وما النز أردأ وأما الشرب على الريق وعقيب الحركة وخصوصاً الجماع وعلى الفاكهة وخصوصاً البطيخ فردئ جداً سواء كان المشروب ماء أو شراباً فإن لم يكن بد فقليل من كوز ضيق الرأس امتصاصاً وكثيراً ما يكون عطش عن بلغم لزج أو مايح وكلما روعى بالشرب حركه فإن صبر عليه أنضجت الطبيعة المادة المعطشة وإذابتها فيسكن من ذاته وفي مثل هذا كثير ما يسكن بالأشياء الحارة كالعسل.
قلت وعلى ذكر النيل فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل فيه، قال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في كتابه السكران ذكر المهدوى في تفسيره عن عبد الله بن عمر (أن الله تعالى سخر للنيل كل نهر يجري على وجه الأرض في المشرق والمغرب وذلله له فإذا أراد الله تعالى أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده فإذا انتهى جريه إلى ما قدره الله تعالى أمر كل نهر أن يرجع إلى عنصره ومصداق هذا إلا ترى أن النيل مخالف لكل نهر على وجه الأرض لأنه أن يزيد إذا نقصت وينقص إذا زادت لأنها والله اعلم تمده بمائها، وفي أصل النيل أقول للناس حتى ذهب بعضهم إلى أن مجراه من جبال الثلج وهي بجبل قاف وأنه يخترق البحر الأخضر بقدرة الله تعالى ويمر على معادن الذهب والياقوت والزمرد فيسير ما شاء الله تعالى إلى أن يأتي بحيرة الريح قال الحاكي لهذا القول ولولا ذلك يعني دخوله في البحر المالح وما يختلط به منه لما كان يستطاع أن يشرب منه لشدة حلاوته وقال قوم مبدأه من جبل القمر وانه ينبع من اثني عشر عينا واختلف في سبب زيادته ونقصانه فقال قوم لا يعلم ذلك إلا الله تعالى وكان الملك الصالح نجم أيوب يشتهى أن يعرف أصل هذا النيل فرسم أن تشتري عبيد صغار زنوج وما شاكلهم جلب لم يسعربوا وسلمهم لصيادي السمك والبحارة ليعلموهم صنعة البحر وصيد السمك وان يكون قوتهم من السمك لا غير فإذا مهروا في ذلك تصنع لهم مراكب صغار ليركبوا فيها ويأتوه بخبر النيل وكان فرعون يحي خراج مصر في كل سنة ألف ألف دينار فيأخذ الربع من ذلك لنفسه وأهل بيته وبيت ماله والربع الثاني لوزارته وامرأته وكتابه وجنده ويكنز الربع الثالث ذخيرة ويصرف الربا الرابع في حفر الخلجان وسد الترع وعمل الجسور ومصالح الأرض وكان في كل سنة إذا كمل التخضير ينفد مع قائدين من قواده أردبين من قمح فيذهب أحدهما إلى أعلى مصر والآخر إلى أسفلها فيتأمل القائد كل ناحية وأرض كل قرية فإن وجد موضعاً بائراً عطلا قد أغفل بذره كتب إلى فرعون بذلك وأعلمه اسم العامل وأخذ ماله وولده فربما عاد القائدان ولم يجد أحد منهما موضعاً لبذر الأردب لتكامل العمارة واستظهار الزرع وجباها عمرو بن العاص اثني عشر ألف دينار وكان ذلك أول دخوله إياها والكلام على ذلك طويل (ومما) قالت الفضلاء في النيل المبارك فمن ذلك قول علاء الدين والوداعي:
روَّ بمصر وبسكانهاشوقي وجدد عهدي الخالي
وصف لي القرط وشنف بهسمعي وما العاطل كالحالي
واروا يا سعد عن نيلهاحديث صفوان بن عسال
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
ديار مصر هي الدنيا وساكنهاهم الأنام فقابلها بتقبيل
يا من يباهي ببغداد ودجلتهامصر مقدمة والشرح للنيل
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي:
رأيت في أرض مصر مذ حللت بهاعجائباً ما رآها الناس في جبل
تسود عيني في الدنيا فلم أرهاتبيض إلا إذا ما كنت في النيل
وقال الشيخ جمال الدين بن نياتة:
زادت أصابع نيلناوطمت فأكمدت الأعادي
وأتت بكل جميلةما ذي أصابع ذب أيادي
وقال الشيخ برهان الدين القيراطي:
لنيل مصر كمال في زيادتهوفضله غير مخفى ومكتتم
إذا بدت لك من تياره شيمرأيته طاهر الأوصاف والشيم
وقال الشيخ شمس الدين بن الصائغ رحمة الله:
سما النيل إذ يحكى السما في انبساطهفللَّه ما أحلى وأصدقه حاكى
تسير به الأفلاك شرقاً ومغرباوحافاته ايضاً تحف بأملاك
وقال الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلى:
نشروا القلوع وبشروا بوفائهالراية البيضاء عليه بالوفاء
وقال الشيخ بدر الدين بن الصاحب:
لله يوم الوفا والخلق قد أجمعواكالروض تطفو على نهر أزاهره
وقال الشيخ سديد الدين بن كاتب المرج:
يا نيل يا ملك الأنهار قد سقيتمنك البرايا شرابا طيبا رغدا
وقد دخلت القرى تبغي منافعهافمعها بعد فرط النفع منك أذى
فقال تذكر عني أنني ملكوتثنى ناسيا أن الملوك إذا
وقال إبراهيم المعمار:
سمعت يوماً سد مصر يقلالنيل وافي زائداً عندي
فكأن هذا خبر صادقفرحت أرويه عن السدي
وفي هذه النبذة كفاية وعلى الجملة فمحاسن النيل مستكثرة ولو استوعبنا ما للفضلاء في ذلك من النظم والنثر لحفيت من تسطيرها الأقلام وضاقت صدور الأوراق وما أحق هذه المقاطيع أن تسمى مقاطيع النيل.
رجع إلى ما كنا فيه أنشدني من لفظه لنفسه ونقلته من خطه الشيخ الفاضل زين الدين ابن العجمي ﵀ ملغزا سألتك أعزك الله عن سائل لاحظ له في الصدقة وغن لم يكن متصل النسب بالإشراف كثير الرجفان من غير أن يخاف كم يرد سائله نهرا وعفر وجه فاقده بالتراب قمرا مذكر كثير الحيض لطيف الانبساط سريع الغيض مطلق التصرف وعليه الحجر وطالما قبل العشاء أبدى لنا الفجر يتشعب ويتكسر ويتعوج ويتدور وله خمسون عيناً وأكثر يحمل القناطير المقنطرة ويعجز عن حمل إبرة سريع الاستحالة قل ما يثبت على حاله بعيد الغوص ليس له قرارا يعاجل صفاء وراده بالاكدار يسكن في تخوم الغبرا وينم على أحوال أهل السما رقيق القلب على كل عديم وكيف لا وهو الولي الحميم يجود بأفخر الحلى ولا يرد من نداه مؤملا كم عمر سبيلا وقطع طريقاً وأخاف سبيلاً كم طفا واحترق وأظهر الحقائق وهو كثير الملق كم علا درجاً وحط قدر الدقائق وقلع بأصابعه عين كل مارق وكم طهر أمما من أرجاسها وأماط عن أرض رديئ أدناسها وكم درأ عن شيخ خبثا ورفع كهلا وحدثا صقيل يجلو الصدا ويظهر على شدة البرد تجلدا يبلغ فيه بشئ يسير مقاماً لا ترقى إليه همة الملك الكبير كم أباح محرماً للعباد واكثر الفساد في البلاد وكم رأينا شموساً تجرى لمستقرها فيه وتجنح وتلوح في فلكه وتسبح كم خاص في ذاته خائض مع كثرة سياحته وربما وجد في الجبال رابض قد جمع فيه الخوف والرجا والكدر والصفا ومن العجائب انه كافر وكم أعان على العبادة أهل الصلاح وأضاف نزيله بالميتة ولم يخش في ذلك من جناح فسبحان من جمع فيه الأضداد وأرسله رحمة للعباد.
وقال أبو الفضل أحمد بن محمد الخازن فيه:
وخل صفاء زرته بعد هجرةفألقيت شخصي في حشاه مصوراً
وادعته سرا فأفشاه للورىفيا حسن ما أفشى الغداة واظهر
أبو حليف للثريا وأمهبه حامل في بطن منخفض الثرى
سطح له جسم بغير جوارحيبارى الرياح الجاريات إذا جرى
تصافح كفى منه كفا رطيبةيخادع عيني كالخيال إذا سرى
تزر عليه الريح ثوبا مفرَّكاويكسوه شهب الليل ثوبا مدثرا
وقال أبو الحسن الباهرزي ملغزا:
لا أحاجي في زمرة الفضلاءفير خل خصصته بأخائي
في شبيه البلو ردَّ إلى الماءوقد كان قبل عين الماء
ينذر الحر بالهزيمة بردافهو المنذر بن ماء السماء
وأنشدني المقر الاشرف المرحوم أبو عبد الله محمد بن الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام لنفسه حكاية حال:
ضلو عن الورد لما انهم رحلوقومي فظلوا حيارى يلهثون ظما
والله أكرمني بالورد دونهمفقلت يا ليت قومي يعلمون بما
وعلى ذكر الماء ذكرت ما أنشدنيه من لفظه لنفسه شيخاً العلامة أقضى القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد المخزومي المالكي الشهير بالدمامينى ملغزا في قرية وكتب به إلى المرحوم الأميني صاحب ديوان الإنشاء على يد مسطرها:
أكاتب سر الملك والفاضل الذيثناه على الأفكار فرض مرتب
ومن فاه في فن البديع بمنطقفأمست غويصات المعاني تهذب
تحدّث عن سهل رواة كومهإذا ما أتاه اللغز يرويه مصعب
فديتك ما ذات أطالعكم بهاويبحث في الأسفار عنها ويطلب
تشدَّ وكم في الأرض قارا ما لهافصدق إذا ما قيل تملى وتكتب
وما هي في التحقيق رواية وكملها خبر في الذوق يحلو ويعذب
مليحة شكل يألف الحب صبهازمانا وفي وقت لها يتجنب
ويبلغ منها للحياض حقيقةولكن رأينا قلبه وهو طيب
يزيد مريدوها إذا ما تصوَّفتويشكرها أهل الزوايا ويطنبوا
لها أربع لكن بساق رأيتهاعلى السعى في الأحياء بالنقع تدأب
وترضع أحياناً وما حان وضعهاوكم من فتى في حملها راح يرغب
وتحمل ما فيه الحياة لربهافيا حبذا منها البسيط المركب
وترسله فاعجب له من مسلسلغدا مرسلا عنه البسيط المركب
وكم من خليع سمته إذ تعتقتيمدُّ إليها الراح لهوا ويطرب
وما نال أثما تعاطيه بعدهارأيناه من تلك العتيقة يشرب
وسم فمها المفتوح كم راح سائلاوما نطقت حرفا عن القصد يعرب
وكم قد تعبدنا بتحريف لفظهاولم أر بالتحريف من يتقرب
وتصحيفها يا بهجة الدهر بلدةحواها من الأقطار شرق ومغرب
وتوجد في الأفلاك عالية بهاويألفها بعض الحواري ويصحب
فيا من لرق الفضل أصبح مالكافما لي إلا نحو علياه مذهب
تلفت للغز نحو بابك قد أتىوكل غدا من ظرفه يتعجب
وقال بعضهم ملغزا في قرية السباحة:
وذات فم يوما تسبح ربهاولم تكتسب أجرا بتسبيحها قط
معانقة الصبيان مضمرة الهوىكأن بقايا قوم لوط لها رهط
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع