من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ذكر الحمام
وما أودعها الله ﷿ من ضروب المعرفة، ومن الخصال المحمودة، لتعرف بذلك حكمة الصّانع، وإتقان صنع المدبّر.
وإن كنّا قد أمللناك بالجدّ وبالاحتجاجات الصحيحة والمروّجة؛ لتكثّر الخواطر، وتشحذ العقول- فإنّا سننشّطك ببعض البطالات، وبذكر العلل الظّريفة، والاحتجاجات الغريبة؛ فربّ شعر يبلغ بفرط غباوة صاحبه من السرور والضحك والاستطراف، ما لا يبلغه حشد أحرّ النوادر، وأجمع المعاني.
وأنا أستظرف أمرين استظرافا شديدا: أحدهما استماع حديث الأعراب. والأمر الآخر احتجاج متنازعين في الكلام، وهما لا يحسنان منه شيئا؛ فإنّهما يثيران من غريب الطّيب ما يضحك كلّ ثكلان وإن تشدّد، وكلّ غضبان وإن أحرقه لهيب الغضب. ولو أنّ ذلك لا يحلّ لكان في باب اللهو والضّحك والسّرور والبطالة والتشاغل، ما يجوز في كلّ فنّ.
وسنذكر من هذا الشكل عللا، ونورد عليك من احتجاجات الأغبياء حججا. فإن كنت ممّن يستعمل الملالة، وتعجل إليه السآمة، كان هذا الباب تنشيطا لقلبك، وجماما لقوّتك. ولنبتدئ النّظر في باب الحمام وقد ذهب عنك الكلال وحدث النشاط.
وإن كنت صاحب علم وجدّ، وكنت ممرّنا موقّحا، وكنت إلف تفكير وتنقير، ودراسة كتب، وحلف تبيّن، وكان ذلك عادة لك لم يضرك مكانه من الكتاب، وتخطّيه إلى ما هو أولى بك.
وعلى أنّي قد عزمت- والله الموفّق- أنّي أوشّح هذا الكتاب وأفصّل أبوابه،
بنوادر من ضروب الشّعر، وضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى باب، ومن شكل إلى شكل؛ فإنّي رأيت الأسماع تملّ الأصوات المطربة والأغانيّ الحسنة والأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها. وما ذلك إلّا في طريق الراحة، التي إذا طالت أورثت الغفلة.
وإذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السّيرة، كان هذا التّدبير لما طال وكثر أصلح، وما غايتنا من ذلك كلّه إلّا أن تستفيدوا خيرا.
وقال أبو الدّرداء: إنّي لأجمّ نفسي ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملّها !
فمن الاحتجاجات الطيّبة، ومن العلل الملهية، ما حدّثني به ابن المديني قال: تحوّل أبو عبد الله الكرخيّ اللّحيانيّ إلى الحربيّة فادّعى أنّه فقيه، وظنّ أنّ ذلك يجوز له؛ لمكان لحيته وسمته.
قال: فألقى على باب داره البواريّ، وجلس وجلس إليه بعض الجيران، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله! رجل أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أيّ شيء يصنع؟! قال: يحتجم. قال: قعدت طبيبا أو قعدت فقيها؟
وحدّثني شمعون الطبيب قال: كنت يوما عند ذي اليمينين طاهر بن الحسين فدخل عليه أبو عبد الله المروزيّ فقال طاهر: يا أبا عبد الله مذكم دخلت العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا صائم منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين!
وحدّثني أبو الجهجاه قال: ادّعى شيخ عندنا أنّه من كندة، قبل أن ينظر في شيء من نسب كندة، فقلت له يوما وهو عندي: ممن أنت يا أبا فلان؟ قال: من كندة. قلت: من أيّهم أنت؟ قال: ليس هذا موضع هذا الكلام، عافاك الله!
ودخلت على ختن أبي بكر بن بريرة، وكان شيخا ينتحل قول الإباضيّة، فسمعته يقول: العجب ممن يأخذه النّوم وهو لا يزعم أنّ الاستطاعة مع الفعل ! قلت: ما الدليل على ذلك؟ قال: الأشعار الصحيحة. قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله:
ما إن يقعن الأرض إلّا وفقا
ومثل قوله:
يهوين شتّى ويقعن وفقا
ومثل قولهم في المثل: «وقعا كعكمي عير».
وكقوله أيضا:
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاكجلمود صخر حطّه السّيل من عل
وكقوله:
أكفّ يدي عن أن تمسّ أكفهمإذا نحن أهوينا وحاجتنا معا
ثم أقبل عليّ فقال: أما في هذا مقنع؟ قلت: بلى، وفي دون هذا!
وذكر محمّد بن سلّام عن أبان بن عثمان قال: قال رجل من أهل الكوفة لهشام ابن الحكم: أترى الله ﷿ في عدله وفضله كلّفنا ما لا نطيق ثمّ يعذّبنا؟! قال:
قد والله فعل، وكنّا لا نستطيع أن نتكلّم به!
وحدّثني محمّد بن الصباح قال: بينا أبو يوسف القاضي يسير بظهر الكوفة- وذلك بعد أن كتب كتاب الحيل- إذ عرض له ممرور عندنا أطيب الخلق، فقال له:
يا أبا يوسف، قد أحسنت في كتاب الحيل، وقد بقيت عليك مسائل في الفطن، فإن أذنت لي سألتك عنها. قال: قد أذنت لك فسل. قال: أخبرني عن الحر كافر هو أو مؤمن؟ فقال أبو يوسف: دين الحر دين المرأة ودين صاحبة الحر: إن كانت كافرة فهو كافر، وإن كانت مؤمنة فهو مؤمن. قال: ما صنعت شيئا. قال: فقل أنت إذن؛ إذ لم ترض بقولي. فقال: الحر كافر. قال: وكيف علمت ذلك؟ قال لأنّ المرأة إذا ركعت أو سجدت استدبر الحر القبلة واستقبلت هي القبلة، ولو كان دينه دين المرأة لصنع كما تصنع. هذه واحدة يا أبا يوسف. قال: صدقت.
قال: فتأذن لي في أخرى؟ قال: نعم. قال: أخبرني عنك إذا أتيت صحراء فهجمت على بول وخراء كيف تعرف أبول امرأة هو أم بول رجل؟ قال: والله ما أدري! قال أجل والله ما تدري! قال: أفتعرف أنت ذاك؟ قال: نعم، إذا رأيت البول قد سال على الخراء وبين يديه فهو بول امرأة، وخراء امرأة، وإذا رأيت البول بعيدا من الخراء فهو بول رجل وخراء رجل. قال: صدقت! قال: وحكى لي جواب مسائل فنسيت منها مسألة، فعاودته فإذا هو لا يحفظها.
وحدّثني أيّوب الأعور، قال قائل للحجاج العبسي: ما بال شعر الاست إذا نبت أسرع والتفّ؟ قال: لقربه من السّماد والماء هطل عليه!!
وحدّثني محمّد بن حسّان قال: وقفت على نوفل عريف الكنّاسين، وإذا موسوس قد وقف عليه، وعنده كلّ كنّاس بالكرخ، فقال له الموسوس: ما بال بنت
وردان تدع قعر البئر وفيه كرّ خراء وهو لها مسلم وعليها موفر، وتجيء تطلب اللّطاخة التي في است أحدنا وهو قاعد على المقعدة، فتلزم نفسها الكلفة الغليظة، وتتعرّض للقتل، وإنّما هذا الذي في أستاهنا قيراط من ذلك الدرهم، وقد دفعنا إليها الدّرهم وافيا وافرا. قال: فضحك القوم، فحرّك نوفل رأسه ثم قال: أتضحكون؟! قد والله سأل الرجل فأجيبوا! وأمّا أنا فقد- والله- فكّرت فيها منذ ستّين سنة، ولكنّكم لا تنظرون في شيء من أمر صناعتكم. لا جرم أنّكم لا ترتفعون أبدا! قال له الموسوس: قل- يرحمك الله- فأنت زعيم القوم، فقال نوفل: قد علمنا أنّ الرّطب أطيب من التّمر، والحديث أطرف من العتيق، والشيء من معدنه أطيب، والفاكهة من أشجارها أطرف. قال: فغضب شريكه مسبّح الكنّاس ثم قال: والله لقد وبّختنا، وهوّلت علينا، حتى ظننّا أنّك ستجيب بجواب لا يحسنه أحد، ما الأمر عندنا وعند أصحابنا هكذا. قال: فقال لنا الموسوس: ما الجواب عافاكم الله، فإنّي ما نمت البارحة من الفكرة في هذه المسألة؟ قال مسبّح: لو أنّ لرجل ألف جارية حسناء ثم عتقن عنده لبردت شهوته عنهنّ وفترت، ثمّ إن رأى واحدة دون أخسّهن في الحسن صبا إليها ومات من شهوتها. فبنت وردان تستظرف تلك اللطاخة وقد ملّت الأولى؛ وبعض الناس الفطير أحبّ إليهم من الخمير. وأيضا إنّ الكثير يمنع الشّهوة، ويورث الصّدود. قال: فقال الموسوس- واستحسن جواب مسبّح، بعد أن كان لا يرى جوابا إلّا جواب نوفل-: لا تعرف مقدار العالم حتّى تجلس إلى غيره! أنتم أعلم أهل هذه المدرة، ولقد سألت علماءها عنه منذ عشرين سنة فما تخلّص أحد منهم إلى مثل ما تخلّصهم إليه. وقد والله- أنمتم عيني، وطاب بكم عيشي! وقد علمنا أنّ كلّ شيء يستلب استلابا أنّه ألذ وأطيب. ولذلك صار الدّبيب إلى الغلمان ونيكهم على جهة القهر ألذ وأطيب، وكلّ شيء يصيبه الرّجل فهو أعزّ عليه من المال الذي يرثه أو يوهب له.
قال: وحدّثني أبان بن عثمان قال: قال الحجّاج بن يوسف: والله لطاعتي أوجب من طاعة الله؛ لأنّ الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
فجعل فيها
مثنويّة؛ وقال: وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا
ولم يجعل فيها مثنويّة ولو قلت لرجل:
ادخل من هذا الباب، فلم يدخل، لحلّ لي دمه!
قال: وأخبرني محمّد بن سليمان بن عبد الله النوفليّ قال: قال رجل من أهل الكوفة لرجل من أهل المدينة: نحن أشدّ حبّا لرسول الله- ﷺ وعلى آله- منكم يا أهل المدينة! فقال المدنيّ: فما بلغ من حبّك لرسول الله ﷺ وعلى آله؟ قال: وددت أنّي وقيت رسول الله ﷺ وأنّه لم يكن وصل إليه يوم أحد، ولا في غيره من الأيّام شيء من المكروه يكرهه إلا كان بي دونه! فقال المدنيّ: أفعندك غير هذا؟ قال: وما يكون غير هذا؟ قال: وددت أنّ أبا طالب كان آمن فسرّ به النبيّ ﷺ وأنّي كافر!
وحدّثني أبان بن عثمان قال: قال ابن أبي ليلى: إنّي لأساير رجلا من وجوه أهل الشّام، إذ مرّ بحمّال معه رمّان، فتناول منه رمّانة فجعلها في كمّه. فعجبت من ذلك، ثمّ رجعت إلى نفسي وكذّبت بصرى، حتّى مرّ بسائل فقير، فأخرجها فناوله إيّاها.
قال: فعلمت أنّي رأيتها فقلت له: رأيتك قد فعلت عجبا. قال: وما هو؟ قلت:
رأيتك أخذت رمّانة من حمّال وأعطيتها سائلا؟ قال: وإنّك ممّن يقول هذا القول؟
أما علمت أنّي أخذتها وكانت سيّئة وأعطيتها فكانت عشر حسنات؟ قال: فقال ابن أبي ليلى: أما علمت أنك أخذتها فكانت سيّئة وأعطيتها فلم تقبل منك؟!
وقال الربيع: قلت لأعرابيّ: أتهمز إسرائيل؟ قال: إنّي إذا لرجل سوء؟ قلت:
أتجرّ فلسطين؟ قال: إنّي إذا لقويّ.
قال: وحدّثنا حمّاد بن سلمة قال: كان رجل في الجاهليّة معه محجة يتناول به متاع الحاجّ سرقة، فإذا قيل له: سرقت! قال: لم أسرق، إنّما سرق محجني! قال: فقال حماد: لو كان هذا اليوم حيّا لكان من أصحاب أبي حنيفة!
قال: وحدّثني محمّد بن القاسم قال: قال الأعمش لجليس له: أما تشتهي بنانيّ زرق العيون نقيّة البطون، سود الظّهور، وأرغفة حارّة ليّنة، وخلّا حاذقا؟
قال: بلى! قال: فانهض بنا. قال الرّجل: فنهضت معه ودخل منزله. قل: فأومأ إليّ:
أن خذ تلك السّلّة. قال: فكشفها فإذا برغيفين يابسين وسكرّجة كامخ شبث.
قال: فجعل يأكل. قال: فقال لي تعال كل. فقلت: وأين السمك؟ قال: ما عندي، سمك، إنما قلت لك: تشتهي!
قال: وسئل حفص بن غياث عن فقه أبي حنيفة، قال: كان أجهل النّاس بما يكون، وأعرفهم بما لا يكون.
وأما علة خشنام بن هند، فإنّ خشنام بن هند كان شيخا من الغالية، وكان ممّن إذا أراد أن يسمّي أبا بكر وعمر قال: الجبت والطّاغوت، ومنكر ونكير، وأفّ وتفّ، وكسير وعوير. وكان لا يزال يدخل داره حمار كسّاح ويضربه مائة عصا على أنّ أبا بكر وعمر في جوفه. ولم أرقطّ أشدّ احترافا منه. وكان مع ذلك نبيذيّا وصاحب حمام. ويشبه في القدّ والخرط شيوخ الحربيّة. وكان من بني غبر من صميمهم.
وكان له بنيّ يتبعه، فكان يزنّي أمّه عند كلّ حقّ وباطل، وعند كلّ جدّ وهزل.
قلت له يوما- ونحن عند بني ربعيّ: ويحك، بأيّ شيء تستحلّ أن تقذف أمّه
بالزّنا؟ فقال: لو كان عليّ في ذلك حرج لما قذفتها: فلم تزوّجت امرأة ليس في قذفها حرج؟ قال: إنّي قد احتلت حيلة حتّى حلّ لي من أجلها ما كان يحرم. قلت: وما تلك الحيلة؟ قال: أنا رجل حديد، وهذا غلام عارم، وقد كنت طلّقت أمّه فكنت إذا افتريت عليها أثمت، فقلت في نفسي إن أرغتها وخدعتها حتّى أنيكها مرّة واحدة حلّ لي بعد ذلك افترائي عليها، بل لا يكون قولي حينئذ فرية، وعلمت أنّ زنية واحدة لا تعدل عشرة آلاف فرية. فأنا اليوم أصدق ولست أكذب. والصّادق مأجور.
إني والله ما أشكّ أنّ الله إذا علم أنّي لم أزن بها تلك المرّة إلّا من خوف الإثم إذا قذفتها- أنّه سيجعل تلك الزّنية له طاعة فقلت: أنت الآن على يقين أنّ زناك طاعة لله تعالى؟ قال: نعم.
قال الشّيخ الإباضي وقد ذهب عني اسمه وكنيته وهو ختن أبي بكر بن بريرة- وجرى يوما شيء من ذكر التشيّع والشّيعة، فأنكر ذلك واشتدّ غضبه عليهم، فتوهّمت أنّ ذلك إنّما اعتراه للإباضيّة التي فيه، وقلت: وما عليّ إن سألته؟ فإنّه يقال:
إنّ السائل لا يعدمه أن يسمع في الجواب حجّة أو حيلة أو ملحة- فقلت: وما أنكرت من التشيّع ومن ذكر الشّيعة؟ قال: أنكرت منه مكان الشّين التي في أوّل الكلمة؛ لأني لم أجد الشّين في أوّل كلمة قطّ إلّا وهي مسخوطة مثل: شؤم، وشرّ، وشيطان، وشغب، وشحّ، وشمال، وشجن، وشيب، وشين، وشراسة، وشنج، وشكّ، وشوكة، وشبث، وشرك، وشارب، وشطير، وشطور، وشعرة، وشاني، وشتم، وشتيم، وشيطرج، وشنعة، وشناعة، وشأمة، وشوصة، وشتر
وشجوب وشجّة، وشطون، وشاطن، وشنّ، وشلل، وشيص، وشاطر، وشاطرة، وشاحب.
قلت له: ما سمعت متكلّما قطّ يقول هذا ولا يبلغه، ولا يقوم لهؤلاء القوم قائمة بعد هذا!
قال: وتعشّى أبو كعب القاصّ بطفشيل كثير اللّوبيا، وأكثر منه، وشرب نبيذ تمر، وغلّس إلى بعض المساجد ليقصّ على أهله، إذ انفتل الإمام من الصلاة فصادف زحاما كثيرا، ومسجدا مستورا بالبواريّ من البرد والرّيح والمطر، وإذا محراب غائر في الحائط، وإذا الإمام شيخ ضعيف؛ فلمّا صلّى استدبر المحراب وجلس في زاوية منه يسبّح، وقام أبو كعب فجعل ظهره إلى وجه الإمام ووجهه إلى وجوه القوم، وطبّق وجه المحراب بجسمه وفروته وعمامته وكسائه، ولم يكن بين فقحته وبين أنف الإمام كبير شيء، وقصّ وتحرّك بطنه، فأراد أن يتفرّج بفسوة وخاف أن تصير ضراطا، فقال في قصصه: قولوا جميعا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم.
وفسا فسوة في المحراب فدارت فيه وجثمت على أنف الشيخ واحتملها، ثمّ كدّه بطنه فاحتاج إلى أخرى فقال: قولوا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. فأرسل فسوة أخرى فلم تخطئ أنف الشيخ، واختنقت في المحراب. فخمّر الشّيخ أنفه، فصار لا يدري ما يصنع. إن هو تنفّس قتلته الرائحة، وإن هو لم يتنفّس مات كربا.
فما زال يداري ذلك، وأبو كعب يقصّ، فلم يلبث أبو كعب أن احتاج إلى أخرى.
وكلما طال لبثه تولّد في بطنه من النّفخ على حسب ذلك. فقال: قولوا جميعا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. فقال الشيخ من المحراب- وأطلع رأسه وقال-: لا تقولوا! لا تقولوا قد قتلني! إنّما يريد أن يفسو! ثم جذب إليه ثوب أبي كعب وقال:
جئت إلى ها هنا لتفسو أو تقصّ؟ فقال: جئنا لنقص، فإذا نزلت بليّة فلا بدّ لنا ولكم من الصّبر! فضحك الناس، واختلط المجلس.
وأبو كعب هذا هو الذي كان يقصّ في مسجد عتّاب كلّ أربعا فاحتبس عليهم في بعض الأيام وطال انتظارهم له. فبينما هم كذلك إذ جاء رسوله فقال: يقول لكم أبو كعب: انصرفوا؛ فإنّي قد أصبحت اليوم مخمورا!
وأمّا علة عبد العزيز بشكست فإنّ عبد العزيز كان له مال، وكان إذا جاء وقت الزّكاة وجاء القوّاد بغلام مؤاجر، قال: يا غلام ألك أمّ؟ ألك خالات؟ فيقول الغلام:
نعم. فيقول: خذ هذه العشرة الدارهم- أو خذ هذه الدّنانير- من زكاة مالي، فادفعها إليهنّ، وإن شئت أن تبركني بعد ذلك على جهة المكارمة، فافعل، وإن شئت أن تنصرف فانصرف. فيقول ذلك وهو واثق أنّ الغلام لا يمنعه بعد أخذ الدراهم، وهو يعلم أنه لن يبلغ من صلاح طباع المؤاجرين أن يؤدّوا الأمانات. فغبر بذلك ثلاثين سنة وليس له زكاة إلّا عند أمّهات المؤاجرين وأخواتهم وخالاتهم.
وحدثني محمّد بن عبّاد بن كاسب قال: قال لي الفضل بن مروان شيخ من طياب الكوفيّين وأغبيائهم: إن ولد لك مائة ذكر فسمهم كلّهم محمدا، وكنّهم بمحمد؛ فإنّك سترى فيهم البركة. أو تدري لأيّ شيء كثر مالي؟ قلت: لا والله ما أدري. قال: إنّما كثر مالي لأنّي سمّيت نفسي فيما بيني وبين الله محمدا! وإذا كان اسمي عند الله محمدا فما أبالي ما قال الناس!
وشبه هذا الحديث قول المروزي: قلت: لأحمد بن رياح الجوهري اشتريت كساء أبيض طبريّا بأربعمائة درهم، وهو عند الناس- فيما ترى عيونهم قومسيّ يساوي مائة درهم! قال: علم الله أنّه طبريّ فما عليّ ممّا قال الناس؟!
وكان عندنا حارس يكنى أبا خزيمة، فقلت يوما- وقد خطر على بالي-:
كيف اكتنى هذا العلج الألكن بأبي خزيمة؟ ثمّ رأيته فقلت له: خبّرني عنك، أكان أبوك يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فجدّك أو عمك أو خالك؟ قال: لا. قلت: فلك ابن يسمّى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فكان لك مولّى يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت:
فكان في قريتك رجل صالح أو فقيه يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فلم اكتنيت بأبي خزيمة، وأنت علج ألكن، وأنت فقير، وأنت حارس؟ قال: هكذا اشتهيت. قلت: فلأي شيء اشتهيت هذه الكنية من بين جميع الكنى؟ قال: ما يدريني. قلت: فتبيعها السّاعة بدينار، وتسكتني بأيّ كنية شئت؟ قال: لا والله، ولا بالدّنيا وما فيها!
وحدثني مسعدة بن طارق، قلت للزياديّ- ومررت به وهو جالس في يوم غمق حارّ ومد، على باب داره في شروع نهر الجوبار بأردية، وإذا ذلك البحر يبخر في أنفه- قال فقلت له بعت دارك وحظّك من دار جدّك زياد بن أبي سفيان، وتركت مجلسك في ساباط غيث، وإشرافك على رحبة بني هاشم، ومجلسك في الأبواب التي تلي رحبة بني سليم، وجلست على هذا النّهر في مثل هذا اليوم، ورضيت به جارا؟ قال. نلت أطول آمالي في قرب هولاء البزّازين. قلت له لو كنت بقرب المقابر فقلت نزلت هذا الموضع للاتّعاظ به والاعتبار كان ذلك وجها. ولو كنت بقرب الحدّادين فقلت لأتذكّر بهذه النّيران والكيران نار جهنّم، كان ذلك قولا. ولو كنت اشتريت دارا بقرب العطّارين فاعتللت بطلب رائحة الطّيب كان ذلك وجها فأمّا قرب البزّازين فقط فهذا ما لا أعرفه. أفلك فيهم دار غلّة، أو هل لك عليهم ديون حالّة، أو هل لك فيهم أو عندهم غلمان يؤدّون الضّريبة، أو هل لك معهم شركة مضاربة؟ قال: لا. قلت: فما ترجو إذا من قربهم فلم يكن عنده إلّا: نلت آمالي بقرب البزّازين.
وحدثني ثمامة بن أشرس قال: كان رجل ممرور يقوم كلّ يوم فيأتي دالية لقوم، ولا يزال يمشي مع رجال الدالية على ذلك الجذع ذاهبا وجائيا، في شدّة الحرّ والبرد. حتّى إذا أمسى نزل إليهم وتوضّأ وصلّى، وقال: اللهمّ اجعل لنا من هذا فرجا ومخرجا! ثمّ انصرف إلى بيته. فكان كذلك حتّى مات.
وحدّثني المكّي قال: كان رجل يقود أعمى بكراء، وكان الأعمى ربّما عثر العثرة ونكب النّكبة، فيقول: اللهمّ أبدل لي به قائدا خيرا منه! قال: فقال القائد:
اللهمّ أبدل لي به أعمى خيرا لي منه.
وحدثني يزيد مولى إسحاق بن عيسى قال كنّا في منزل صاحب لنا، إذ خرج واحد من جماعتنا ليقيل في البيت الآخر، فلم يلبث إلّا ساعة حتى سمعناه يصيح: أوه أوه! قال: فنهضنا بأجمعنا إليه فزعين، فقلنا له: ما لك؟ وإذا هو نائم على شقّه الأيسر، وهو قابض على خصيته بيده فقلت له: لم صحت؟ قال: إذا غمزت خصيتي اشتكيتها، وإذا اشتكيتها صحت. قال: فقلنا له: لا تغمزها بعد حتى لا تشتكي! قال: نعم إن شاء الله تعالى.
قال يزيد: وكانت لعيسى بن عليّ مولاة عجوز خراسانية تصرخ بالليل من ضربان ضرس لها، فكانت قد أرّقت الأمير إسحاق، فقلت له: إنّها مع ذلك لا تدع أكل التمر! قال: فبعث إليها بالغداة فقال لها: أتأكلين التّمر بالنّهار وتصيحين باللّيل؟ فقالت: إذا اشتهيت أكلت وإذا أوجعني صحت!
وحدثني ثمامة قال: مررت في غبّ مطر والأرض نديّة، والسّماء متغيّمة، والرّيح شمال، وإذا شيخ أصفر كأنّه جرادة، قد جلس على قارعة الطّريق، وحجّام
زنجيّ يحجمه، وقد وضع على كاهله وأخدعيه محاجم، كل محجمة كأنّها قعب، وقد مصّ دمه حتّى كاد أن يستفرغه. قال: فوقفت عليه فقلت: يا شيخ لم تحتجم في هذا البرد؟ قال لمكان هذا الصّفار الذي بي.
وحدثني ثمامة قال: حدّثني سعيد بن مسلم قال: كنا بخراسان في منزل بعض الدّهاقين ونحن شباب، وفينا شيخ. قال: فأتانا ربّ المنزل بدهن طيب فدهن بعضنا رأسه، وبعضنا لحيته، وبعضنا مسح شاربه، وبعضنا مسح يديه وأمرّهما على وجهه، وبعضنا أخذ بطرف إصبعه فأدخل في أنفه ومسح به شاربه. فعمد الشيخ إلى بقيّة الدّهن فصبّها في أذنه، فقلنا له: ويحك، خالفت أصحابك كلّهم! هل رأيت أحدا إذا أتوه بدهن طيب صبّه في أذنه؟ قال: فإنّه مع هذا يضرّني؟
وحدّثني مسعدة بن طارق الذّرّاع قال: والله إنّا لوقوف على حدود دار فلان للقسمة، ونحن في خصومة، إذ أقبل عيص سيّد بني تميم وموسرهم والذي يصلّي على جنائزهم. فلمّا رأيناه مقبلا إلينا أمسكنا عن الكلام، فأقبل علينا فقال: حدّثوني عن هذه الدّار، هل ضمّ منها بعضها إلى بعض أحد؟! قال مسعدة: فأنا منذ ستين سنة أفكّر في كلامه ما أدري ما عنى به. قال: وقال لي مرّة: ما من شر من ذين! قلت:
ولم ذاك؟ قال: من جرا يتعلقون.
وحدّثني الخليل بن يحيى السّلوليّ قال: نازع التميميّ بعض بني عمّه في حائط، فبعث إلينا لنشهد على شهادته، فأتاه جماعة منهم الحميريّ والزهريّ، والزّياديّ، والبكراوي. فلمّا صرنا إليه وقف بنا على الحائط وقال: أشهدكم جميعا أنّ نصف هذا الحائط لي!
قال: وقدم ابن عمّ له إلى عمر بن حبيب، وادّعى عليه ألف درهم فقال ابن
عمّه: ما أعرف ممّا قال قليلا ولا كثيرا، ولا له عليّ شيء! قال: أصلحك الله تعالى! فاكتب بإنكاره. قال: فقال عمر: الإنكار لا يفوتك، متى أردته فهو بين يديك!
قال: وقلت لأبي عتّاب الجرّار: ألا ترى عبد العزيز الغزّال وما يتكلم به في قصصه؟ قال: وأيّ شيء قاله؟ قلت: قال: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا السّاعة أعور! قال أبو عتّاب: وقد قصّر في القول، وأساء في التمني. ولكنّي أقول: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين!
ودخل أبو عتّاب على عمرو بن هدّاب وقد كفّ بصره، والناس يعزّونه، فمثل بين يديه، وكان كالجمل المحجوم، وله صوت جهير، فقال: يا أبا أسيد، لا يسوءنّك ذهابهما، فلو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنّيت أنّ الله تعالى قد قطع يديك ورجليك، ودقّ ظهرك، وأدمى ضلعك!.
وبينما داود بن المعتمر الصبّيريّ جالس معي، إذ مرت به امرأة جميلة لها قوام وحسن، وعينان عجيبتان، وعليها ثياب بيض، فنهض داود فلم أشكّ أنّه قام ليتبعها، فبعثت غلامي ليعرف ذلك، فلمّا رجع قلت له: قد علمت أنّك إنما قمت لتكلّمها؛ فليس ينفعك إلا الصّدق، ولا ينجيك منّي الجحود، وإنما غايتي أن أعرف كيف ابتدأت القول، وأي شيء قلت لها- وعلمت أنّه سيأتي بآبدة. وكان مليّا بالأوابد- قال: ابتدأت القول بأن قلت لها: لولا ما رأيت عليك من سيماء الخير لم أتبعك.
قال: فضحكت حتى استندت إلى الحائط، ثمّ قالت: إنما يمنع مثلك من اتّباع مثلي والطّمع فيها، ما يرى من سيماء الخير فأمّا إذ قد صار سيماء الخير هو الدي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون! وتبع داود بن المعتمر امرأة، فلم يزل يطريها حتى أجابت، ودلّها على المنزل
الذي يمكنها فيه ما يريد، فتقدمت الفاجرة وعرض له رجل فشغله، وجاء إلى المنزل وقد قضى القوم حوائجهم وأخذت حاجتها، فلم تنتظره. فلما أتاهم ولم يرها قال:
أين هي؟ قالوا: والله قد فرغنا وذهبت! قال فأيّ طريق أخذت؟ قالوا: لا والله ما ندري؟ قال فإن عدوت في إثرها حتّى أقوم على مجامع الطرق أتروني ألحقها؟ قالوا:
لا والله ما تلحقها! قال: فقد فاتت الآن؟ قالوا: نعم. قال: فعسى أن يكون خيرا! فلم أسمع قطّ بإنسان يشكّ أنّ السّلامة من الذنوب خير غيره.
وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزّأ: ما هو؟ قال:
الجزء الذي لا يتجزأ هو عليّ بن أبي طالب ﵇. فقال له أبو العيناء محمد:
أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره؟ قال: بلى حمزة جزء لا يتجزأ، وجعفر جزء لا يتجزأ! قال فما تقول في العباس؟ قال: جزء لا يتجزأ. قال: فما تقول في أبي بكر وعمر؟
قال: أبو بكر يتجزأ، وعمر يتجزأ. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: يتجزّأ مرّتين، والزّبير يتجزّأ مرّتين. قال: فأيّ شيء تقول في معاوية؟ قال: لا يتجزأ ولا لا يتجزأ.
فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الإمام جزءا لا يتجزأ إلى أيّ شيء ذهب، فلم نقع عليه إلّا أن يكون كان أبو لقمان إذا سمع المتكلّمين يذكرون الجزء الذي لا يتجزّأ، هاله ذلك وكبر في صدره، وتوهّم أنّه الباب الأكبر من علم الفلسفة، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ.
وقد تسخّفنا في هذه الأحاديث، واستجزنا ذلك بما تقدّم من العذر، وسنذكر قبل ذكرنا القول في الحمام جملا من غرر ونوادر وأشعار ونتف وفقر من قصائد قصار وشوارد وأبيات، لنعطي قارئ الكتاب من كلّ نوع تذهب إليه النّفوس نصيبا إن شاء الله.
ولكلّ ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكلّ نوع من المعاني نوع من الأسماء: فالسّخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال.
وإذا كان موضع الحديث على أنّه مضحك ومله، وداخل في باب المزاح والطّيب، فاستعملت فيه الإعراب، انقلب عن جهته. وإن كان في لفظه سخف وأبدلت
السّخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على أن يسرّ النّفوس يكر بها، ويأخذ بأكظامها.
وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر الحر والأير والنيك ارتدع وأظهر التقزّز، واستعمل باب التّورّع. وأكثر من تجده كذلك فإنّما هو رجل ليس معه من العفاف والكرم، والنّبل والوقار، إلّا بقدر هذا الشّكل من التّصنع. ولم يكشف قطّ صاحب رياء ونفاق، إلّا عن لؤم مستعمل، ونذالة متمكّنة.
وقد كان لهم في عبد الله بن عباس مقنع، حين سمعه بعض الناس ينشد في المسجد الحرام:
وهنّ يمشين بنا هميساإن تصدق الطّير ننك لميسا
فقيل له في ذلك، فقال: إنّما الرّفت ما كان عند النساء.
وقال الضّحّاك: لو كان ذلك القول رفثا لكان قطع لسانه أحبّ إليه من أن يقول هجرا.
قال شبيب بن يزيد الشيباني، ليلة بيّت عتّاب بن ورقاء: من ينك العير ينك نيّاكا وقال عليّ بن أبي طالب- ﵁ حين دخل على بعض الأمراء فقال له: من في هذه البيوت؟ فلما قيل له: عقائل من عقائل العرب، قال عليّ: «من يطل أير أبيه ينتطق به».
فعلى عليّ رضي الله تعالى عنه- يعوّل في تنزيه اللفظ وتشريف المعاني.
وقال أبو بكر- ﵁ حين قال بديل بن ورقاء للنبيّ ﷺ: جئتنا بعجرائك وسودانك، ولو قد مسّ هؤلاء وخز السّلاح لقد أسلموك! فقال أبو بكر- ﵁: عضضت ببظر اللّات ! وقد رووا مرفوعا قوله: «من يعذرني من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور؟».
ولو كان ذلك الموضع موضع كناية هي المستعملة. وبعد فلو لم يكن لهذه الألفاظ مواضع استعملها أهل هذه اللّغة وكان الرأي ألّا يلفظ بها، لم يكن لأوّل.
كونها معنى إلّا على وجه الخطإ، ولكان في الحزم والصّون لهذه اللّغة أن ترفع هذه الأسماء منها.
وقد أصاب كلّ الصّواب الذي قال: «لكلّ مقام مقال».
ولقد دخل علينا فتى حدث كان قد وقع إلى أصحاب عبد الواحد بن زيد ونحن عند موسى بن عمران، فدار الحديث إلى أن قال الفتى: أفطرت البارحة على رغيف وزيتونة ونصف، أو زيتونة وثلث، أو زيتونة وثلثي زيتونة، أو ما أشبه ذلك.
بل أقول: أكلت زيتونة، وما علم الله من أخرى، فقال موسى: إنّ من الورع ما يبغصه الله، علم الله؛ وأظنّ ورعك هذا من ذلك الورع.
وكان العتبي ربّما قال: فقال لي المأمون كذا وكذا، حين صار التّجم على قمّة الرأس، أو حين جازني شيئا، أو قبل أن يوازي هامتي. هكذا هو عندي، وفي أغلب ظنّي، وأكره أن أجزم على شيء وهو كما قلت إن شاء الله تعالى، وقريبا ممّا نقلت.
فيتوقف في الوقت الذي ليس من الحديث في شيء. وذلك الحديث إن كان مع طلوع الشمس لم يزده ذلك خيرا، وإن كان مع غروبها لم ينقصه ذلك شيئا. هذا ولعلّ الحديث في نفسه لم يكن قطّ ولم يصل هو في تلك الليلة البتّة. وهو مع ذلك زعم أنّه دخل على أصحاب الكهف فعرف عددهم، وكانت عليهم ثياب سبنيّة
وكلبهم ممعّط الجلد. وقد قال الله ﷿ لنبيّه ﷺ: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
وسنذكر من نوادر الشّعر جملة، فإن نشطت لحفظها فاحفظها؛ فإنّها من أشعار المذاكرة. قال الثّقفي:
من كان ذا عضد يدرك ظلامتهإن الذّليل الّذي ليست له عضد
تنبو يداه إذا ما قلّ ناصرهويأنف الضّيم إن أثرى له عدد
وقال أبو قيس بن الأسلت:
بزّ امرئ مستبسل حاذرللدّهر، جلد غير مجزاع
الكيس والقوّة خير من الإشفاق والفهة والهاع
وقال عبده بن الطّبيب:
ربّ حبانا بأموال مخوّلةوكلّ شيء حباه الله تخويل
والمرء ساع لأمر ليس يدركهوالعيش شحّ وإشفاق وتأميل
وكان عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه- يردّد هذا النصف الآخر، ويعجب من جودة ما قسم.
وقال المتلمّس:
وأعلم علم حقّ غير ظنّوتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المال أيسر من بغاهوضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيهولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال آخر:
وحفظك مالا قد عنيت بجمعهأشدّ من الجمع الذي أنت طالبه
وقال حميد بن ثور الهلاليّ:
أتشغل عنّا يابن عمّ فلن ترى أخاالبخل إلّا سوف يعتلّ بالشغل
وقال ابن أحمر:
هذا الثناء وأجدر أن أصاحبهوقد يدوّم ريق الطامع الأمل
وقال ابن مقبل:
هل الدّهر إلّا تارتان، فمنهماأموت وأخرى أبتغي العيش أكدح
وكلتاهما قد خطّ لي في صحيفةفلا الموت أهوى لي ولا العيش أروح
وقال عمرو بن هند:
وإن الذي ينهاكم عن طلابهايناغي نساء الحيّ في طرّة البرد
يعلّل والأيّام تنقص عمرهكما تنقص النّيران من طرف الزّند
وقال أميّة- إن كان قالها -:
ربّما تجزع النّفوس من الأمر له فرجة كحلّ العقال
وقال آخر:
رمتني وستر الله بيني وبينهاعشيّة آرام الكناس رميم
ألا ربّ يوم لو رمتني رميتهاولكنّ عهدي بالنّضال قديم
رميم الّتي قالت لجارات بيتهاضمنت لكم أن لا يزال يهيم
وقال آخر:
لم أعطها بيدي إذ بتّ أرشفهاإلّا تطاول غصن الجيد للجيد
كما تطاعم في خضراء ناعمةمطوّقان أصاخا بعد تغريد
فإن سمعت بهلك للبخيل فقلبعدا وسحقا له من هالك مودي
وقال أبو الأسود الدؤلي:
المرء يسعى ثمّ يدرك مجدهحتّى يزيّن بالّذي لم يفعل
وترى الشقيّ إذا تكامل غيّهيرمى ويقذف بالّذي لم يعمل
وقال دريد:
رئيس حروب لا يزال ربيئةمشيح على محقوقف الصّلب ملبد
صبور على رزء المصائب حافظمن اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وهوّن وجدي أنني لم أقل لهكذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
وقال سعيد بن عبد الرحمن:
وإنّ امرأ يمسي ويصبح سالمامن النّاس إلّا ما جنى لسعيد
وقال أكثم بن صيفيّ:
نربّى ويهلك آباؤناوبينا نربّي بنينا فنينا
وقال بعض المحدثين:
فالآن أسمحت للخطوب فلايلفى فؤادي من حادث يجب
قلّبني الدّهر في قوالبهوكلّ شيء ليومه سبب
وقال آخر:
لدوا للموت وابنوا للخرابفكلّكم يصير إلى ذهاب
ألا يا موت لم أر منك بدّاأبيت فما تحيف ولا تحابي
كأنّك قد هجمت على مشيبيكما هجم المشيب على شبابي
وقال آخر:
يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصيفالنّاس من بين معموم ومخصوص
لا شيء في هذه الدنيا يحاط بهإلّا إحاطة منقوص بمنقوص
وأنشدنا للأحيمر:
بأقبّ منطلق اللّبان كأنّهسيد تنصّل من حجور سعالي
وقال الآخر:
أراقب لمحا من سهيل كأنّهإذا ما بدا من دجية اللّيل يطرف
وقالوا: قال خلف الأحمر: لم أر أجمع من بيت لامرئ القيس، وهو قوله:
أفاد وجاد وساد وزادوقاد وذاد وعاد وأفضل
ولا أجمع من قوله:
له أيطلا ظبي وساقا نعامةوإرخاء سرحان وتقريب تتفل
وقالوا: ولم نر في التشبيه كقوله، حين شبّه شيئين بشيئين في حالتين مختلفين في بيت واحد، وهو قوله:
كأن قلوب الطّير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالي
وسنذكر قطعة من أشعار النساء. قالت أعرابيّة:
رأت نضو أسفار أميمة شاحباعلى نضو أسفار فجنّ جنونها
فقالت: من أيّ الناس أنت، ومن تكنفإنّك مولى فرقة لا تزينها
وقالت امرأة من خثعم:
فإن تسألوني من أحبّ فإنّنيأحبّ، وبيت الله، كعب بن طارق
أحبّ الفتى الجعد السّلوليّ ناضلاعلى النّاس معتادا لضرب المفارق
وقالت أخرى:
وما أحسن الدّنيا وفي الدّار خالدوأقبحها لمّا تجهز غاديا
وقالت أمّ فروة الغطفانيّة:
فما ماء مزن أيّ ماء تقولهتحدّر من غرّ طوال الذّوائب
بمنعرج أو بطن واد تحدّرتعليه رياح الصّيف من كلّ جانب
نفى نسم الرّيح القذا عن متونهفما إن به عيب يكون لعائب
بأطيب ممّن يقصر الطّرف دونهتقى الله واستحياء بعض العواقب
وقال بعض العشاق:
وأنت الّتي كلّفتني دلج السّرىوجون القطا بالجلهتين جثوم
وأنت الّتي أورثت قلبي حرارةوقرّحت قرح القلب وهو كليم
وأنت التي أسخطت قومي فكلّهمبعيد الرّضا داني الصّدود كظيم
فقالت المعشوقة:
وأنت الّذي أخلفتني ما وعدتنيوأشمتّ بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للنّاس حتّى تركتنيلهم غرضا أرمى وأنت سليم
فلو أنّ قولا يكلم الجسم قد بدابجلدي من قول الوشاة كلوم
وقال آخر:
شهدت وبيت الله أنّك غادةرداح وأنّ الوجه منك عتيق
وأنّك لا تجزينني بمودّةولا أنا للهجران منك مطيق
فأجابته:
شهدت وبيت الله أنّك بارد الثّنايا وأنّ الخصر منك رقيق
وأنّك مشبوح الذّراعين خلجموأنّك إذ تخلو بهنّ رفيق
وقال آخر:
الله يعلم يا مغيرة أننيقد دستها دوس الحصان الهيكل
فأخذتها أخذ المقصّب شاتهعجلان يشويها لقوم نزّل
وقال كعب بن سعد الغنويّ:
وحدّثتماني أنّما الموت بالقرىفكيف وهاتا هضبة وقليب
وماء سماء كان غير مجمّةببرّيّة تجري عليه جنوب
ومنزلة في دار صدق وغبطةوما أقتال في حكم عليّ طبيب
وقال دريد بن الصّمّة:
رئيس حروب لا يزال ربيئةمشيح على محقوقف الصّلب ملبد
صبور على رزء المصائب حافظمن اليوم أعقاب الأحاديث في غد
وهوّن وجدي أنني لم أقل لهكذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
وقطعة من البديع قوله:
إذا حداها صاحبي ورجّعاوصاح في آثارها فأسمعا
يتبعن منهن جلالا أتلعاأدمك في ماء المهاوي منقعا
وقال الراجز في البديع المحمود:
قد كنت إذ حبل صباك مدمشوإذ أهاضيب الشباب تبغش
ومن هذا البديع المستحسن منه، قول حجر بن خالد بن مرثد:
سمعت بفعل الفاعلين فلم أجدكفعل أبي قابوس حزما ونائلا
يساق الغمام الغرّ من كلّ بلدةإليك فأضحى حول بيتك نازلا
فأصبح منه كلّ واد حللتهوإن كان قد خوّى المرابيع سائلا
فإن أنت تهلك يهلك الباع والنّداوتضحي قلوص الحمد جرباء حائلا
فلا ملك ما يبلغنّك سعيهولا سوقة ما يمدحنّك باطلا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع