من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ما يدخل في ذكر الفيل وفيه أخلاط من شعر وحديث وغير ذلك
قال رؤبة في صفة الفيل:
أجرد كالحصن طويل النّابينمشرّف اللّحي صغير الفقمين
عليه أذنان كفضل الثّوبين
وأنشد ابن الأعرابيّ:
هو البعوضة إن كلّفته كرماوالفيل في كلّ أمر أصله لوم
وقال أعرابيّ ووصف امرأة له:
لو أكلت فيلين لم تخش البشم
وقال أعرابيّ يصف الأكرياء:
لو تركب البختيّ ميلا لأنحطمأو تركب الفيل بها الفيل رزم
وحمل ناس أبا الحلال الهدادي على الفيل أيّام الحجّاج، فتمنّع وأنشأ يقول:
أأركب شيطانا ومسخا وهضبةإلا إنّ رأيي قبل ذاك مضلّل
فقالوا له: لو علوته ما كان عندك إلّا كالبغل! فلما علاه صاح: الأرض الأرض! فلما خافوا أن يرمي بنفسه وهو شيخ كبير، أنزلوه، فقال بعد ذلك في كلمة له:
وما كان تحتي يوم ذلك بغلةولكنّ جلبا من رفيع السّحائب
وقال بعض المتحدثين والمملّحين في بعض النساء:
أرادت مرّة بيتالها فيه تماثيل
فلما أبصرت سترالوجهيه تهاويل
وفيه الفيل منقوشاوفي مشفره طول
قالت: انزعوا السترفلا يأكلني الفيل
وقال خلف بن خليفة الأقطع، حين ذكر الأشراف الذين يدخلون على ابن هبيرة:
وقامت قريش قريش البطاحمع العصب الأول الدّاخله
يقودهم الفيل والزّندبيلوذو الضّرس والشّفة المائله
الفيل والزّنذبيل: أبان والحكم، ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان، وذو الضّرس: خالد بن سلمة المخزومي الخطيب، وهو ذو الشّفة، قتل مع يزيد بن عمر ابن هبيرة فيمن قتل.
وقد فصل خلف بن خليفة الفيل من الزّندبيل، ولم يفسّر. وقد اختلفوا في ذلك، وسنذكره إذا جرّ سببه إن شاء الله تعالى.
الفيل، المعروف بهذا الاسم. ويقال رجل فيل إذا كان في رأيه فيالة، والفيالة:
الخطأ والفساد. ويسمّون أيضا الرّجل بفيل، منهم فيل مولى زياد وحاجبه، وفي أنهار الفرات بالبصرة نهر يقال له فيل بانان وموضع آخر يقال له فيلان.
وقد يعرض بقدم الإنسان ورم جاس حتّى تعظم له قدمه وساقه، وصاحبه لا يبرأ منه، ويسمّى ذلك الورم داء الفيل.
ويسمّى الرّجل بدغفل، وهو ولد الفيل، ولا يسمّون بزندبيل. وبعض العرب يقول للذّكر من الفيلة فيل وللأنثى فيلة. كما يقولون أسد وأسدة، وذئب وذئبة، ولا يقولون مثل ذلك في ثعلب وضبع، وأمور غير ذلك، إلّا أن يكون اسما لإنسان.
وبعث رجل من العرب بديلا مكانه في بعض البعوث، وأنشأ يقول:
إذا ما اختبّت الشّقراء ميلافهان عليّ ما لقي البديل
يشنّفها ويحسبها بعيراقليل علمه بالخيل فيل
وأنشدنا الأصمعيّ:
يفرّون والفيل الجبان كأنّهأزبّ خصيّ نفّرته القعاقع
قال سلمة بن عيّاش: قال لي رؤبة: «ما كنت أحب أن أرى في رأيك فيالة».
وبالكوفة باب الفيل، وبواسط باب الفيل.
ومنهم فيلويه، وهو أبو حاتم بن فيلويه، وكان أبو مسلم ربّى أبا حاتم حتّى اكتهل، وهما سقيا أبا مسلم السمّ حتى عولج بالترياق فأفاق، فقتلهما أبو مسلم بعد ذلك، وكانا على شبيه بدين الخرّميّة.
ويقولون عنبسة الفيل، وهو النحويّ، وهو أحد قدماء النحويّين الحذّاق. وهو عنبسة بن معدان، وكان معدان يروض فيلا لزياد، فلما أنشد عنبسة بن معدان هجاء جرير للفرزدق قال الفرزدق:
لقد كان في معدان والفيل زاجرلغنبسة الرّاوي عليّ القصائدا
فلمّا تناشد النّاس بعد ذلك هذا الشعر قال عنبسة: إنّما قال الفرزدق:
لقد كان في معدان واللّؤم زاجر
فقالوا: إنّ شيئا فررت منه إلى اللّؤم لناهيك به قبحا! فعند ذلك سمّي «عنبسة الفيل».
وغيلان الراجز كان يقال له «غيلان راكب الفيل» كان الحجّاج بن يوسف ربّما حمله على الفيل.
وسعدويه الطّنبوريّ، وكان يقال له: «سعدويه عين الفيل».
قال أبو عبيدة: حدّثني يونس قال: لما بنى فيل مولى زياد داره وحمّامه بالسّبابجة، عمل طعاما لأصحاب زياد، ودعاهم إلى داره، وأدخلهم حمّامه، فلمّا خرجوا منه غدّاهم، ثم ركب وغبّر في وجوههم، فقال أبو الأسود الدّؤلي:
لعمر أبيك ما حمّام كسرىعلى الثّلثين من حمّام فيل
وقال الجارود بن أبي سبرة:
وما إرقاصنا خلف المواليكسنّتنا على عهد الرسول
وأنشد الأصمعي وغيره:
خلافا علينا من فيالة رأيهكما قيل قبل اليوم خالف فتذكرا
ويقال للرّجل إذا عنّف عند الرأي يراه: لم تفيّل رأيك؟ وقد فال رأي فلان.
وحدّثنا عبد الله بن بكر، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا انتهيت إلى السّدرة إذا ورقها أمثال آذان الفيلة، وإذا ثمرها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحوّلت ياقوتا».
وقال صاحب الكيمياء في جرير بن يزيد:
مهلا أبا العبّاس رفقا ولاتكن خصيم المعشر الخون
هيهات هيهات لما رمتهأو يولد الفيل من النّون
أنت إذا ما عدّ أهل الحجاوالحلم كالأحنف في سين
وكلّ طائر يخرج من البيض وكلّ ولد يخرج من البيض وإن لم يكن طائرا، فإنما يسمّى فرخا، كفرخ الحمام والوزغة والعظاءة والرق والسّلحفاء والحكاء، وبنات النّقا، وشحمة الأرض، والضب، والحرذون، والورل، والحرباء، إلا ما يخرج من بيض الدجاج فإنه يقال له «فرّوج» ولا يقال له فرخ، إلا أنّ الشعراء يتوسّعون في ذلك. قال شمّاخ بن أبي شداد:
ألا من مبلغ خاقان عنّاتأمّل حين يضربك الشّتاء
أتجعل في عيالك من صغيرومن شيخ أضرّ به الفناء
فراخ دجاجة يتبعن ديكايلذن به إذا حمس الوغاء
وقال الآخر:
أحبّ إلينا من فراخ دجاجةومن ديك أنباط تنوس غباغبه
وإذا سمّى أهل البصرة إنسانا بغيل فأرادوا تصغيره قالوا فيلويه، كما يجعلون عمرا عمرويه، ومحمدا حمدويه.
وكان محمد بن إبراهيم الرّافقي الفارس النّجيد قتيل نصر بن شبث، مولى بني نصر بن معاوية، له كنيتان: أبو الفيل وأبو جعفر، ولم يكن بالجزيرة أفرس من داود بن عيسى، وأبي الفيل وعيسى بن منصور من ساكني الرافقة.
وذكر بعض الفيّالين أنّ الفيلة تضع لسبع سنين ولدا مستوي الأسنان، وأنهم
يرصدون ذلك الوقت من الوحشية منها، ويحتالون في أخذ الولد، وأن ذلك الولد يعيش في أيديهم ما بين الثمانين سنة إلى المائة، وأنّ عمر الوحشية أطول.
وأنّ كلّ شيء منها اليوم بالعسكر إناث، وأنّ الموت بالعراق إلى الذّكورة أسرع، وأنّ نابه لا يطول عندنا، وأنّهم يعملون من جلودها التّرسة أجود من جلود الجواميس، ومن الخيزران، ومن الدّرق والحجف التي تتخذ من جلود الإبل، ومن هذه المعقّبة المطليّة، ومن جميع ما يؤلّف من أنواع الخشب والجلود التي قد أطيل إنقاعها في اللّبن، ومن كلّ تبّتيّ وصينيّ.
وذكر أن لها مروجا، وأن المروج أصلح لها من القرى، ومواضعها من الوحش أصلح لها من المروج.
وذكر رسول لي إلى سائسها أنه قد اتّبعها إلى دجلة، وأنّ بعض الغوغاء صاح بها: يا حجّام بابك! وهذا الكلام اليوم ظاهر على ألسنة الجهّال، وأن فيلا منها ركله برجله ركلة صكّ بها الحائط حتّى خيف عليه منها، وأنه رأى منها الإنكار لذلك القول، وأنّ الفيّال كان يحثّها على الانتقام لمّا صاح بها.
وإذا عرف الكلب اسمه، وكذلك السنّور، وكذلك الشّاة والفرس، والطفل والمجنون المصمت الجنون، وعرفت النّاقة فصل ما بين حل وجاه، وعرف الحمار الصّوت الذي يلتمس به وقوفه، والذي يلتمس به سيره، وعرف الكلب مخاطبة الكلّاب، والببغاء مناغاة المكلّم له، فجائز أن يكون الفيل بفضل فطنته أن يفهم أضعاف ذلك. فإذا أمروه بضرب إنسان عند ضرب من الكلام استعاد ذلك وأدامه، لم ينكر أن يعرفه على طول الترداد.
قالوا: وإذا احتملت المرأة شيئا من نجو الفيل بعد أن يخلط به شيء من عسل فإنها لا تحبل أبدا.
قالوا: ومما يؤكّد ذلك أنّك لو علّقت على شجرة من نجوه شيئا، إنّ تلك الشجرة لا تحمل في تلك السنة.
قالوا: وزواني الهند يفعلن ذلك استبقاء للطّراء وللشّباب، ولأنها إذا كانت موقوفة على جميع الأجناس من الرّجال كانت أسرع إلى الحبل لأنها لا تعدم موافقا لطبعها، وإذا حملت ووضعت مرارا بطلت.
وليس هذا بعجيب، لأنهم يزعمون أنّ صاحب الحصاة إذا أخذ روث الحمار حين يروثه حارّا فعصره وشرب ماءه أنه كثيرا ما يبول تلك الحصاة. وفي ماء روث الحمار أيضا دواء للضّرس المأكول.
وقال الأصمعيّ: سألت بعض الأكلة ممن كان يقدّم على ميسرة التّرّاس:
كيف تصنع إذا جهدتك الكظّة؟ والعرب تقول: إذا كنت بطينا فعدّل نفسك زمنا، فقال: آخذ روث حمار حارّا فأعصره وأشرب ماءه فأختلف عنه مرارا، فلا أثبت أن يلحق بطني بصلبي، فأشتهي الطّعام.
والمرأة من نسائنا اليوم إذا استحيضت استفّت مثقالا من الإثمد، لأنها عندهن إذا فعلت ذلك لم تلد.
وأنا رأيت امرأة قد فعلت ذلك ثم ولدت.
وخرء الكلب إذا كان الجعر أبيض اللّون، وكان غذاء الكلب العظام دون اللحم، فهو عجيب لصاحب الذّبحة، وكذلك رجيع الإنسان.
وخرء الفار يكون شيافا للصّبيان، يحملونه إذا استوكى بطن أحدهم وإن كان من خرء الجرذان وكان عظيما كان الواحد منه هو الشّياف.
ويصلح أيضا خرء الفار لداء الثّعلب، وهو القرع الذي يعرض لشعر الرّأس.
وخرء الحمام الأحمر يصلح، من المبولات للرّمل والحصى، يقمح منه وزن درهم مع مثله من الدّارصيني.
وقال بعض المحدثين:
يا لحية طالت على نوكهاكأنها لحية جبريل
لو كان ما ينصبّ من مائهانهرا إذا طمّ على النّيل
أو كان ما يقطر من دهنهاكيلا لوفّى ألف قنديل
فلو تراها وهي قد سرّحتحسبتها بندا على فيل
وأنشد أبو عمرو الشيبانيّ لبعض المولّدين:
إذا تلاقى الفيول وازدحمتفكيف حال البعوض في الوسط
وأنشد علي بن محمد:
وما الفيل أحمله موقرارصاصا بأثقل من معبد
ولا قرمليّ عليه الغبيطينوء بعدلين من إثمد
وجاموسة أوقرت زئبقابأثقل منه ولا أنكد
وقال آخر:
باب يرى ليس له داخلإلّا خرا جمّع في الزّاويه
إن جئت فالفيل على هامتيومثله نيط بأوصاليه
ووصف مرّة بن محكان قدرا فقال:
ترمي الصّلاة بنبل غير طائشةوفقا إذا آنست من تحتها لهبا
زيّافة مثل جوف الفيل مجفرةلو يقذف الرّأل في حيزومها ذهبا
وقال بعض الأكرياء في امرأة كان حملها:
بيضاء من رفقة عمران الأصمّلا ثعل في سنّها ولا قصم
بهكنة لو تركب الفيل رزمكأنّها يوم توافي بالحرم
غمامة غرّاء عن غبّ رهم
وقال رؤبة بن العجّاج:
إنّ الرّدافى والكريّ الأرقبايكفيك درء الفيل حتى تركبا
ثم قال:
يشقى بي الغيران حتّى أحسباسيدا مغيرا أو لياحا مغربا
ومما قرأه الناس من الأمثال في شأن الفيل التي وجدوها في كتاب كليلة ودمنة. فمن ذلك قوله: «أفلا ترى أنّ الكلب يبصبص بذنبه مرارا حتى تلقى له الكسرة، وإنّ الفيل المغتلم ليعرف قوّته وفضله، فإذا قدّم إليه علفه مكرّما لم يأكل حتى يمسح ويتملّق».
قال: «وقيل في أعماله ثلاثة لا يستطيعها أحد إلا بمعونة من ارتفاع همة، وعظيم خطر، منها عمل السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدوّ. وقالت العلماء في الرّجل الفاضل [الرشيد]: إنّه لا ينبغي أن يرى إلا في مكانين، ولا
يليق به غيرهما إمّا مع الملوك مكرّما، وإمّا مع النّسّاك متبتّلا، كالفيل إنما بهاؤه وجماله في مكانين: إمّا في برّية وحشيّا، وإما مركبا للملوك».
قال: «وقد قيل في أشياء ثلاثة فضل ما بينها متفاوت: فضل المقاتل على المقاتل، وفضل الفيل على الفيل، وفضل العالم على العالم».
وقال في كلام آخر: «فإن لم تنجع الحيلة فهو إذا القدر الذي لا يدفع، فإنّ القدر هو الذي يسلب الأسد قوّته حتى يدخله التّابوت، وهو الذي يحمل الرّجل الضّعيف على ظهر الفيل المغتلم، وهو الذي يسلّط الحوّاء على الحيّة ذات الحمة فينزع حمتها ويلعب بها.
قال: «ومن لم يرض من الدّنيا بالكفاف الذي يغنيه، وطمحت عيناه إلى ما فوق ذلك، ولم ينظر إلى ما يتخوّف أمامه، كان مثله مثل الذباب الذي ليس يرضى بالشجر والرياحين حتى يطلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل المغتلم، فيضربه بأذنه فيهلك».
وقال: «فأقام الجمل مع الأسد حتى إذا كان ذات يوم توجّه الأسد نحو الصيد، فلقيه فيل فقاتله قتالا شديدا، وأفلت الأسد مثقلا يسيل دما، قد جرحه الفيل بأنيابه، فكان لا يستطيع أن يطلب صيدا، فلبث الذئب والغراب وابن آوى أياما لا يجدون ما يعيشون به من فضول الأسد».
وقال: «وكيف يرجو إخوانك عندك وفاء وكرما وأنت قد صنعت بملكك الذي كرّمك وشرّفك ما صنعت، بل مثلك في ذلك كما قال التاجر: إنّ أرضا يأكل جرذانها مائة منّ من حديد، غير مستنكر أن تخطف بزاتها الفيلة».
قال: «وقال الجرذ للغراب: أشد العداوة عداوة الجوهر. وعداوة الجوهر
عداوتان، منها عداوة متجازية كعداوة الفيل والأسد، فإنّه ربّما قتل الفيل الأسد، وربّما قتل الأسد الفيل، ومنها عداوة إنما ضررها من أحد الجانبين على الآخر كعداوة ما بيني وبين السنّور، فإنّ العداوة بيننا ليست لضرّ منّي عليه، ولكن لضرّ منه عليّ».
وقال: «إن الكريم إذا عثر لم يستعن إلا بالكريم، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة».
وسنذكر عداوة الشيطان للإنسان، والإنسان للشّيطان. وهما عداوتان مختلفتان- وعداوة الله للكافر، وعداوة الكافر لله، وهاتان العداوتان غير تينك، وهما في أنفسهما مختلفتان، وهما والتي قبلها مخالفة لعداوة العقرب للإنسان، وعداوة العقرب مخالفة لعداوة الحيّة، وعداوة الإنسان لهما مخالفة لعداوة كلّ منهما للإنسان. وعداوة الذئب والأسد، والأسد والإنسان خلاف عداوة العقرب والحية، وعداوة النمر للأسد والأسد للنمر مخالفة لجميع ما وصفنا. ومسالمة الببر للأسد غير مسالمة الخنفساء والعقرب. وشأن الحيات والوزغ خلاف شأن الخنافس والعقارب.
وعداوة الإنسان خلاف عداوة ذلك كلّه. وابن عرس أشدّ عداوة للجرذان من السنّور، وعداوة البعير للبعير، والبرذون للبرذون، والحمار للحمار شكل واحد. وعداوة الذّئب خلاف ذلك. والشّاة أشدّ فرقا منه منها من الأسد والنمر والببر، وهي أقوى عليها من الذّئب. وفرق الدّجاج من ابن آوى أشدّ من فرقها من الثّعلب، والحمام أشدّ فرقا من الشاهين منه من الصّقر والبازي.
وأسباب عداوات النّاس ضروب: منها المشاكلة في الصناعة، ومنها التقارب في الجوار، ومنها التقارب في النّسب، والكثرة من أسباب التّقاطع في العشيرة والقبيلة، والسّاكن عدو للمسكن، والفقير عدوّ للغني وكذلك الماشي والراكب، وكذلك الفحل والخصيّ، و «بغضاء السّوق موصولة بالملوك»، وكذلك [المعتق عن دبر]، والموصى له بالمال الرغيب، وكذلك الوارث والموروث، ولجميع هذا تفسير ولكنه يطول.
وذكر صاحب المنطق عداوة الغراب للحمار، والنّحويون ينشدون في ذلك قول الشّاعر:
عاديتنا لا زلت في تبابعداوة الحمار للغراب
ولا أدري من أين وقع هذا إليهم.
وذكر أيضا عداوة البوم للغراب. وكذلك عصفور الشّوك للحمار، وفي هذا كلام كثير قد ذكرنا بعضه في أوّل كتابنا هذا من الحيوان.
ثم رجعنا إلى الإخبار عن الأمثال.
قال»
: وأكيس الأقوام من لا يلتمس الأمر بالقتال ما وجد عن القتال مذهبا؛ فإن القتال إنما النفقة فيه من الأنفس، وسائر الأشياء إنما النّفقة فيها من الأموال. فلا يكوننّ قتال البوم من رأيك، فإنّ من يراكل الفيل يراكل الحين.
قال: فأجابه الجرذ فقال: إنّه ربّ عداوة باطنة ظاهرها صداقة، وهي أشدّ ضررا من العداوة الظاهرة، ومن لم يحترس منها وقع موقع الرّجل الذي يركب ناب الفيل المغتلم ثمّ يغلبه النّعاس.
قال: واعلم أنّ كثيرا من العدوّ لا يستطاع بالشدّة والمكابرة حتى يصاد بالرّفق والملاينة، كما يصاد الفيل الوحشيّ بالفيل الأهليّ.
وقال: إنّ العشب كما رأيت في اللّين والضّعف، وقد يجمع منه الكثير فيصنع منه الحبل القويّ الذي يوثق به الفيل المغتلم.
قال: وقالوا: نريد أحبّ بنيك إليك، وأكرمهم عليك، ونريد كال الكاتب صاحب سرّك، والسيف الذي لا يوجد مثله، والفيل الأبيض الذي لا تلحقه الخيل الذي هو مركبك في القتال. ونريد الفيلين العظيمين اللذين يكونان مع الفيل الذّكر.
وقد سمعنا في هذا الحديث والإخبار عن أيام القادسيّة ويوم جسر مهران، وقسّ النّاطف، وجلولاء، ويوم نهاوند، بالفيل الأبقع، والفيل الأسود، والفيل الأبيض، والناس لم يروا بالعراق فيلا أوبر، ولا فيلا أشعر.
والفيلة التي كانت مع الفرس، حكمها حكم الفيلة التي كانت عند أمير المؤمنين المنصور، وعند سائر الخلفاء من بعده، وكلها جرد مغضّبة، ولم نلق أحدا رآها وحشيّة قبل أن تصير في القرى والمواضع التي يذكرها.
وقد علمنا أنّ الطائر الصّيود من الجوارح، لو أقام في بلاده مائة عام لم يحدث لمنسره زوائد، وعير العانة إذا أقام في غير بلاده احتاج إلى الأخذ من حافره، وإلى أن يختلف به إلى البيطار، والطائر الوحشيّ من هذه المغنّيات والنوائح، لو أقام عندنا دهرا طويلا لم يصوّت إذا أخذناه وقد كرّز. وكذلك المزاوجة والتعشيش والتّفريخ.
قال: وكلّ ملك كان يصل إلى أن تكون عنده فيلة فإنّه كان لا يدع الاستكثار منها والتجمل بها، والتّهويل بمكانها عنده، ولا يدع ركوبها في الحروب، وفي الأعياد، وفي يوم الزّينة.
وقد كانت عند حمير والتبابعة والمقاول والعباهلة من ملوكهم، وأبي اليكسوم من ملوك الحبشة، وعند ملوك سبأ، مقرّبة مكرّمة. يدلّ على ذلك الأشعار المعروفة،
والأخبار الصحيحة. ألا ترى أن الأعشى ذكر مأرب وملوك سبأ وسيل العرم، فقال:
ففي ذاك للمؤتسي أسوةومأرب عفّى عليها العرم
رخام بنته له حميرإذا جاء ماؤهم لم يرم
فأروى الحروث وأعنابهاعلى ساعة ماؤهم قد قسم
وطار الفيول وفيّالهابتيهاء فيها سراب يطمّ
وكان الأقيبل القينيّ مع الحجاج يقاتل ابن الزّبير، فلما رأى البيت يرمى بالمنجنيق أنشأ يقول:
ولم أر جيشا غرّ بالحجّ قبلناولم أر جيشا مثلنا كلّهم خرس
دلفنا لبيت الله نرمي ستورهبأحجارنا نهب الولائد للعرس
دلفنا لهم يوم الثلاثاء من منىبجيش كصدر الفيل ليس له رأس
فلما فزع وعاذ بقبر مروان، وكتب له عبد الملك كتابا إلى الحجّاج يخبره فيه، وفوّض الأمر إليه، قال:
وقد علمت لو انّ العلم ينفعنيأنّ انطلاقي إلى الحجّاج تغرير
مستحقبا صحفا تدمى طوابعهاوفي الصّحائف حيّات مناكير
لئن رحلت إلى الحجّاج معتذراإنّي لأحمق من تخدي به العير
وكلّ حيوان في الأرض ذو لسان فأصل لسانه إلى داخل، وطرفه إلى خارج؛ إلّا الفيل، فإنّ طرف لسانه إلى داخل، وأصله إلى خارج.
وتقول الهند: إنّ لسان الفيل مقلوب، ولولا أنّه مقلوب ثمّ لقن الكلام لتكلم.
وكلّ سمك يكون في الماء العذب فإنّ له لسانا ودماغا، إلّا ما كان منها في الماء الملح، فإنّه ليس لسمك البحر لسان ولا دماغ.
وكلّ شيء يأكل بالمضغ دون الابتلاع فإنّه إنما يحرّك فكه الأسفل، إلّا التمساح فإنّه إنّما يحرّك فكّه الأعلى.
وكلّ ذي عين من ذوات الأربع من السّباع والبهائم الوحشية والأهلية، فإنما الأشفار لجفونها الأعالي إلّا الإنسان، فإنّ الأشفار للأعالي والأسافل.
وكلّ حيوان ذي صدر فإنّه ضيّق الصّدر، إلّا الإنسان فإنّه واسع الصّدر وليس لشيء من ذكورة جميع الحيوان وإناثها ثدي في صدره إلا الإنسان والفيل. وقال ابن مقبل:
وليلة مثل ظهر الفيل غيّرهاطلس النّجوم إذا اغبرّ الدياميم
والفيل أضخم الحيوان وهو مع ضخمه أملح وأظرف وأحكى وهو يفوق في ذلك كلّ خفيف الجسم، رشيق الطبيعة.
وإنّما الحكاية من جميع الحيوان في الكلب والقرد والدّبّ والشّاة المكّيّة.
وليس عند الببغاء إلّا حكاية صور الأصوات، فصار مع غلظه وضخمه وفخامته أرشق مذهبا، وأدقّ ظرفا، وأظهر طربا. وهذا من أعجب العجب. وما ظنّكم بعظم خلق ربّما كان في نابيه أكثر من ثلاثمائة منّ.
فقال من يعارضهم: قد أجمعوا على أنّ أعظم الحيوان خلقا السمكة والسرطان.
وحكوا عن عظم بعض الحيّات، حتى ألحقوه بهما، وأكثروا في تعظيم شأن التّنّين؛ فليس لكم أن تدّعوا للفيل ما ادّعيتم.
قال صاحب الهند والمعبّر عن خصال الفيل: أمّا الفيل وعلوّ سمكه، وعظم جفرته، واتّساع صهوته، وطول خرطومه، وسعة أذنه، وكبر غرموله، مع خفّة وطئه، وطول عمره، وثقل حمله، وقلة اكتراثه لما وضع على ظهره، فقد عاين ذلك من الجماعات من لا يستطيع الردّ عليها إلّا جاهل أو معاند. وأمّا ما ادّعيتم من عظم الحيّة وأنّا متى مسحنا طولها وثخنها، وأخذنا وزنها كانت أكثر من الفيل، فإنّا لم نسمع هذا إلا في أحاديث الرقّائين، وأكاذيب الحوّائين، وتزيّد البحريّين.
وأما التنّين فإنّما سبيل الإيمان به سبيل الإيمان بعنقاء مغرب. وما رأيت مجلسا قطّ جرى فيه ذكر التنّين إلّا وهم ينكرونه ويكذّبون المخبر عنه، إلّا أنا في الفرط ربّما رأينا بعض الشاميّين يزعم أنّ التّنّين إعصار فيه نار يخرج من قبل البحر في بعض الزّمان، فلا يمرّ بشيء إلّا أحرقه، فسمّى ذلك ناس «التّنّين»، ثمّ جعلوه في صورة حيّة.
وأما السّرطان فلم نر أحدا قط ذكر أنّه عاينه، فإن كنّا إلى قول بعض البحريّين نرجع، فقد زعم هؤلاء أنّهم ربما قربوا إلى بعض جزائر البحر، وفيها الغياض والأودية واللّخاقيق، وأنّهم في بعض ذلك أوقدوا نارا عظيمة، فلما وصلت إلى ظهر السرطان هاج بهم وبكلّ ما عليه من النّبات، حتّى لم ينج منهم إلا الشريد.
وهذا الحديث قد طمّ على الخرافات والتّرّهات وحديث الخلوة.
وأمّا السّمك فلعمري إنّ السمكة التي يقال لها «البال» لفاحشة العظم. وقد عاينوا ذلك عيانا، وقتلوه يقينا. ولكن أحسبوا أنّ الشّأن في البال على ما ذكرتم، فهل علمتم أن فيه من الحسّ والمعرفة، واللّقن والحكاية، والطّرب وحسن المواتاة وشدّة القتال، والتمهّد تحت الملوك، وغير ذلك من الخصال، كما وجدنا ذلك وأكثر منه في الفيل.
وهل رغبت في صيده الملوك واحتالت له التجار، أو تمنّى الظّفر بأجزائه بعض الأطبّاء. وهل يصلح لدواء أو غذاء أو لبس، إنّما غاية البحريّين أن يسلموا من عبثه إن هجموا عليه نائما أو غافلا، حتّى ينفر ويفزع وينبّه بقرع العصا، واصطكاك الخشب.
وإنما قدّمنا خصال الفيل على خصال الحيوان الذي في كفّه ومنقاره الصنعة العجيبة، أو يكون فيه من طريف المعرفة، وغريب الحس، وثقوب البصر، أو بعض ما فيه من الجمال والحسن، ومن التفاريج ومن التّحاسين، والوشي والتلاوين، بالتأليف العجيب، والتّنضيد الغريب، أو بعض ما في حنجرته من الأصوات الملحّنة، والمخارج الموزونة، والأغاني الدّاخلة في الإيقاع، الخارجة من سبيل الخطأ، ممّا يجمع الطّرب والشّجا، ومما يفوق النوائح ويروق كلّ مغنّ، حتى يضرب بحسن تخريجه وصفاء صوته وشجا مخرجه المثل، حتى يشبّه به صوت المزمار والوتر.
وأما بعض ما يعرف بالمكر والحيل، والكيس والرّوغان، وبالفطنة وبالخديعة، والرّفق والتكسّب، والعلم بما يعيشه والحذر ممّا يعطبه، وتأتّيه لذلك وحذقه به؛ وأمّا بعض ما يكون في طريق الثّقافة يوم الثّقافة والبصر بالمشاولة، والصّبر على المطاولة، والعزم والرّوغان، والكرّ والجولان، ووضع تلك التدابير في مواضعها حتى لا تردّ له طعنة ولا تخطئ له وثبة، وأما بعض ما يعرف بالنّظر في العاقبة وبإحكام شأن المعيشة والأخذ لنفسه بالثقة، وبالتقدّم في حال المهلة والادّخار ليوم الحاجة، والأجناس التي تدّخر لأنفسها ليوم العجز عن الطلب والتكسّب- فمثل الذّرّة، والنملة، والجرذ والفأرة، وكنحو العنكبوت والنّحل.
فإذا كان ليس للفيل إلا عظمه وإن كان العظم قد يدخل في باب من أبواب المفاخرة، فلا ينبغي لأحد أن يناهد به الأبدان التي لها الخصال الشّريفة، ويناضل به ذوات المفاخر العظيمة. فما ظنّك ببدن قد جمع مع العظم من الخصال الشريفة ما يفني الطّوامير الكثيرة، ويستغرق الأجلاد الواسعة. وقد علمت أنّ من جهل هذه السمكة بما يعيشها ويصلحها أنّها شديدة الطّلب والشّهوة لأكل العنبر. والعنبر أقتل للبال من الدّفلى للدوابّ، فإذا أصابوه ميّتا استخرجوا من جوفه عنبرا كثيرا فاسدا.
وما فيه من النفع إلّا أنّ دهنه يصلح لتمرين سفن البحريين.
فسمعني غانم العبد يوما وأنا أحكي هذا الكلام، وكان من أموق الناس وأرقعهم رقاعة، مع تيه شديد وعجب ورضا عن نفسه، وسخط على النّاس. فمن حمقه أنه هنديّ وهو يتعصّب على الفيل، فقال لي: ما تقول الهند في الحوت الذي يحمل الأرض، أليس أعمّ نفعا وأعلى أمرا؟ قلت له: يا هالك، إنّ مدار هذا الكلام إنما يقع على الأقسام الأربعة من بين جميع الحيوان المذكورة في الماء وفي الأرض وفي الهواء، كالذي ينساح من أجناس الحيّات والدّيدان، وكالذي يمشي من الدوابّ والنّاس، وكالذي يطير من أحرار الطير وبغاثها وخشاشها وهمجها، وكالذي يعوم كالسّمك وكلّ ما يعايش السمك.
فأمّا الحوت الذي تكون الأرض على ظهره فقد علمنا أنّ في الملائكة من هو أعظم من هذا الحوت مرارا. ولولا مكان من قد حضرنا لكان ممن لا يستأهل الجواب، وهذا مقدار معرفته.
قالوا: والفيل أقوى من جميع الحيوان إن حمّل الأثقال. ومن قوة عظمه وعصبه أنّه يمرّ خلف القاعد مع عظم بدنه، فلا يشعر بوطئه، ولا يحسّ بممرّه لاحتمال بعض بدنه لبعض. وهذه أعجوبة أخرى.
وليس في حوامل إناث الحيوان أطول مدّة حبل من الفيل. والكر كدّن، فإنه مذكور في هذا الباب، والفيل يزيد عليه في قول بعضهم.
فأمّا الهند ففتنتهم بالكر كدّن أشدّ من فتنتهم بالفيل.
فأما ما كان دون ذلك من أجناس الحيوان فأطولها حملا الحافر والخفّ، ولا يزيدان على السّنة إلا أن تسحب الأنثى وتجرّ أيّاما. فأمّا الظّلف فعلى ضربين، فما كان منها من البقر فإنّ مدّة حملها وحمل النساء تسعة أشهر، وما كان من الغنم فإنّ حملها خمسة أشهر.
وقد ذكرنا حال أجناس الحيوان في ذلك فيما سلف من كتابنا هذا.
قالوا: والفيلة هولها في العين، فاحذر أن تتخذ ظهورها كالمناظر والمسالح والأرصاد.
وللفيل قتال وضرب بخرطومه، وخبط بقوائمه. وكانت الأكاسرة ربما قتلت الرّجل بوطء الفيلة، وكانت قد دربّت على ذلك وعلّمته، فإذا ألقوا إليها الرّجل تركت العلف وقصدت نحوه فداسته. ولذلك أنشد العباس بن يعقوب العامريّ، لناهض بن ثومة العامري قوله:
أنا الشّاعر الخطّار من دون عامروذو الضّغم إذ بعض المحامين ناهش
بخبط كخبط الفيل حتى تركتهأميما به مستدميات مقارش
وأنشد الأصمعي وأبو عمرو لتميم بن مقبل:
بني عامر ما تأمرون بشاعرتخيّر آيات الكتاب هجائيا
أأعفو كما يعفو الكريم فإنّنيأرى الشّعب فيما بيننا متدانيا
أم اخبط خبط الفيل هامة رأسهبجرد فلا أبقي من الرأس باقيا
وكانت الأكاسرة- وهي الكسور - تؤدّبها وتعوّدها وطء الناس وخبطهم إذا ألقي تحت قوائمها بعض أهل الجنايات، فكان ممن رمي به تحت أرجل الفيلة النّعمان بن المنذر. وقال في ذلك الشاعر:
إنّ ذا التّاج لا أبا لك أضحىوذرى بيته بجوز الفيول
إنّ كسرى عدا على الملك النّعمان حتّى سقاه أمّ البليل»
وذكر الهيثم بن عديّ، عن أبي يعقوب الثّقفيّ، عن عبد الملك بن عمير قال:
رأيت في ديوان معاوية بعد موته كتابا من ملك الصين فيه: «من ملك الصّين الذي على مربطه ألف فيل، وبنيت داره بلبن الذهب والفضة، والذي تخدمه بنات ألف ملك، والذي له نهران يسقيان الألوّة. إلى معاوية».
قالوا: ولمّا أراد كسرى قتل زيوشت المغنّي، لقتله فهلبذ المغني، وأمر أن يرمى به تحت الفيلة وقال: قتلت أحسن النّاس غناء، وأجودهم إمتاعا للملك؛ حسدا له. فلمّا سحبوه نحو الفيلة التفت إلى كسرى وقال: إذا قتلت زيوشت المغني، وقد قتل زيوشت فهلبذ فمن يطربك؟ فقال كسرى: المدة التي بقيت لك هي التي أنطقتك، خلّوا سبيله.
وقال صفوان بن صفوان الأنصاريّ، وكان عند داود بن يزيد بالمولتان: الهند تؤدّب الفيلة بأنواع من التّأديب، وبضروب من التقويم، فمنها آداب الحروب، حتى ربّما ربطوا السّيف الهذام الرّغيب، الشّديد المتن، الحديد الغرب، التّام الطول، الطّويل السّيلان، في طرف خرطوم الفيل، وعلموه كيف يضرب به قدما، يمينا وشمالا، وكيف يرفعه بخرطومه حتى يكون فوق رؤوس الفيّالين القعود على ظهره.
قال: وأنشدني هارون بن فلان المولى، مولى الأزد، قصيدته التي ذكر فيها خروجه في الحرب إلى فيل في هذه الصفة، فمشى إليه، فلما كان حيث يناله السّيف وثب وثبة أعجله بها عن الضّربة، ولصق بصدر الفيل، وتعلّق بأصول نابيه- وهما عندهم قرناه- فجال به الفيل جولة كاد يحطمه من شدّة ما جال به، وكان رجلا شديد الخلق، رابط الجأش. قال: فاعتمدت وأنا في تلك الحال- وأصول الأنياب جوف- فانقلعا من أصلهما، وأدبر الفيل، وصار القرنان في يديّ، وكانت الهزيمة وغنم المسلمون غنائم كثيرة. وقلت في ذلك:
مشيت إليه وادعا متمهّلاوقد وصلوا خرطومه بحسام
فقلت لنفسي: إنّه الفيل ضارببأبيض من ماء الحديد هذام
فإن تنكلي عنه فعذرك واضحلدى كلّ منخوب الفؤاد عبام
وعند شجاع القوم أكلف فاحمكظلمة ليل جلّلت بقتام
[ولما رأيت السيف في رأس هضبةكما لاح برق من خلال غمام]
فناهشته حتى لصقت بصدرهفلما هوى لازمت أيّ لزام
وعذت بقرنيه أريد لبانهوذلك من عادات كلّ محامي
فجال وهجّيراه صوت مخضرموأبت بقرني يذبل وشمام
وقال هارون:
ولمّا أتاني أنّهم يعقدونهبقائم سيف فاضل الطّول والعرض
مررت ولم أحفل بذلك منهمإذا كان أنف الفيل في عفر الأرض
وحين رأيت السّيف يهتزّ قائماويلمع لمع الصّبح بالبلد المفضي
وصار كمخراق بكفّ حزوّريصرّفه في الرّفع طورا وفي الخفض
فأقبل يفري كلّ شيء سما لهوصرت كأنّي فوق مزلقة دحض
وأهوي لجاري فاغتنمت ذهولهفلاذ بقرنيه أخو ثقة محض
فجال وجال القرن في كفّ ماجدكثير مراس الحرب مجتنب الخفض
فطاح وولّى هاربا لا يهيدهرطانة هنديّ برفع ولا خفض
والهند تزعم أنّ نابي الفيل يخرجان مستبطنين حتى يخرقا الحنك ويخرجا أعقفين، وإنما يجعلهما نابين من لا يفهم الأمور. قالوا: والدّليل على ذلك أنّ لهما أصلين في موضع مخارج القرون، يوجد ذلك عند سلخ جلده، ولأنّ القرن لا يكون إلّا مصمت الأعلى مجوّف الأسفل وكذلك صفة هذا الذي يسمّيه من لا علم له نابا. ومع ذلك إنّا لا نجد الفيل يعضّ كعضّ الأسد للأكل، ولا كعضّ الجمل الصّؤول للقتل، ولا كعضّ الأفعى لإخراج السمّ، ولا تراه يصنع به ويستعمله إلّا على شبيه بما تستعمله ذوات القرن عند القتال والغضب.
فقال لهم بعض من يردّ عليهم: أمّا قولكم إنّ القرن لا يكون إلّا مجوّف الأصل، فهذا قرن الأيّل مصمت من أوّله إلى آخره، وهو ينصل في كلّ سنة، فإذا نبت حديثا لم يظهر حتى يستحكم في يبسه وصلابته. وإذا علم أنه قد بلغ ذلك ظهر. وأكثر القرون الجوف يكون في أجوافها قرون، وليس ذلك لقرن الفيل.
قالوا: ولم نجد هذا القرن في لون القرون، ووجدناه بسائر أسنانه وأضراسه أشبه، للبياض واليبس. وليس كذلك صفة القرون.
وتقول الهند: فم الأيّل صغير، وهو أفقم، ولا يجوز أن يكون مثل ذلك اللّحي والفكّ ينبت فيه ومنه نابان يكون فيهما ثلاثمائة منّ. وقد رأيت قرونا كثيرة الأجناس، بيضا، وبرشا، وصهبا. وهذه أيضا من أعاجيب الفيل.
وقرن الكركدّن أغلظ من مقدار ذراع، وليس طوله على قدر غلظه، وهو أصلب وأكرم من قرني الفيل.
ويقال: إنّ أكبر أيور الحيوان أير الفيل، وأصغرها قضيب الظبي. وقضيب البطّ لا يذكر مع هذه الأشكال، وليس شيء على قدره ومقدار جسمه أعظم أيرا من البغل.
وقد علمنا أنّ للضب أيرين، وكذلك الحرذون والسّقنقور، وعرفنا مقدار ذلك، ولكنّه لا يدخل في هذا الباب لضعف لا يخفى.
ولو لم يكن من أعاجيب الفيل إلّا خرطومه الذي هو أنفه وهو يده، وبه يوصل الطعام والشّراب إلى جوفه، وهو شيء بين الغضروف واللحم والعصب، وبه يقاتل ويضرب، ومنه يصيح، وليس صياحه في مقدار جرم بدنه. ويضرب به الأرض ويرفعه في السّماء ويصرّفه كيف شاء، وهو مقتل من مقاتله. والهند تربط في طرفه سيفا شديد المتن فيقاتل به، مع ما في ذلك من التهويل على من عاينه.
وهو مع عظم بدنه جيّد السّباحة إلّا أنه يخرج خرطومه ويرفعه في الهواء صعدا لأنّه أنفه. ألا ترى أنّ الجاموس يغيب جميع بدنه في الماء إلّا منخريه.
والبعير قبيح السّباحة: لأنه لا يسبح إلّا على جنبه فهو في ذلك بطيء ثقيل.
والبعير مما يخاير بينه وبين الفيل، فلذلك ذكرناه.
وقد علمنا أنّ الإنسان يغرق في الماء ما لم يتعلّم السّباحة. فأمّا الفرس الأعسر والقرد فإنّهما يغرقان البتّة، والعقرب تقوم وسط الماء لا طافية ولا لازقة بالأرض.
وأشراف السّباع وساداتها وكبارها ورؤساؤها ثلاثة: الكركدّن والفيل والجاموس. قال: ولعلّ بعض من اعتاد الاعتراض على الكتب يقول: وأين الخيل والإبل، وفيها من خصال الشّرف والمنافع والغناء في السّفر والحضر، وفي الحرب والسّلم، وفي الزّينة والبهاء، وفي العدّة والعتاد، ما ليس عند الكركدّن ولا عند الفيل ولا عند الجاموس.
قال القوم: ليس إلى هذا الباب ذهبنا، ولا إليه قصدنا، ولا ذلك الباب ممّا يجوز أن ندخله في هذا الباب. ولكنّا ذهبنا إلى المحاماة والدّفع عن الأنفس والقتال دون الأولاد، وإلى الامتناع من الأضداد بالحيلة اللطيفة، وبالبطش الشديد، وليس عند الخيل والإبل إذا صافت الأسد والنّمور والببور، ما عند الجاموس والفيل. فأمّا الكركدّن فإن كلّ شيء من الحيوان يقصّر عن غايته التقصير الفاحش.
وما أكثر من ينكر أن يكون في الدنيا حيوان يسمّى الكركدّن، ويزعمون أنّ هذا وعنقاء مغرب سواء، وإن كانوا يرون صورة العنقاء مصوّرة في بسط الملوك، واسمها عندهم بالفارسيّة «سيمرك» كأنه قال: هو وحده ثلاثون طائرا، لأنّ قولهم بالفارسية «سي» هو ثلاثون بالعربية، ومرغ بالفارسيّة هو الطائر بالعربية. والعرب إذا أخبرت عن هلاك شيء وبطلانه قالت: «حلّقت به في الجوّ عنقاء مغرب». وفي بعض الحديث: «أنّ بعض الأمم سألوا نبيّهم وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفعل كذا وتفعل كذا، أو تلقي في فم العنقاء اللّجام، وتردّ اليوم أمس».
قال أبو السّريّ الشّميطي، وهو معدان المكفوف المديبريّ:
يا سميّ النبيّ والصادق الوعد وجدّ الصبيّ ذي الخلخال
صاحب التّومة التي لم يشنهابعد حرس مثاقب اللآل
مهدته العنقاء وهي عقيمربّ مهد يكون فوق الهلال
يوم تصغي له النّعامة والأحناش طرّا لشدّة الزّلزال
فأهل هذه النّحلة يثبتون العنقاء، ويزعمون أنها عقيم.
وقال زرارة بن أعين، مولى بني أسعد بن همام، وهو رئيس الشميطيّة وذكر هذا الصبي الذي تكفله العنقاء، فقال:
وأوّل ما يحيا نعاج وأكبشولو شاء أحيا ربها وهو مذنب
ولكنّه ساعى بأمّ وجدّةوقال سيكفيني الشقيق المقرّب
وآخر برهاناته قلب يومكموإلجامه العنقاء في العين أعجب
يصيف بساباط ويشتو بآمدوذلك سرّ لو علمناه معجب
أماع له الكبريت والبحر جامدوملّكه الأبراج والشّمس تجنب
فيومئذ قامت شماط بقدرهاوقام عسيب القفر يثني ويخطب
وقام صبيّ دردق في قماطهعليهم بأصناف اللّسانين معرب
فثّبت زرارة بن أعين قول أبي السّريّ في العنقاء، وزادنا تثبيت الكبريت الأحمر ولا أعلم في الأرض قوما يثبّتون العنقاء على الحقيقة غيرهم.
قال: والذي يثبت الكركدّن أن داود النبي ﷺ ذكره في الزّبور حتّى سمّاه.
وقد ذكره صاحب المنطق (في كتاب الحيوان) إلّا أنه سمّاه بالحمار الهنديّ، وجعل له قرنا واحدا في وسط جبهته. وكذلك أجمع عليه أهل الهند كبيرهم وصغيرهم.
وإنما صار الشكّ يعرض في أمره من قبل أنّ الأنثى منها تكون نزورا، وأيام حملها ليست بأقل من أيام حمل الفيلة فلذلك قلّ عدد هذا الجنس.
وتزعم الهند أنّ الكركدّن إذا كانت ببلاد، لم يرع شيء من الحيوان شيئا من أكناف تلك البلاد، حتى يكون بينه وبينها مائة فرسخ من جميع جهات الأرض؛ هيبة له، وخضوعا له، وهربا منه.
وقد قالوا في ولدها وهو في بطنها قولا لولا أنّه ظاهر على ألسنة الهند لكان أكثر النّاس، بل كثير من العلماء، يدخلونه في باب الخرافة وذلك أنهم يزعمون أنّ أيام حملها إذا كادت أن تتم، وإذا نضجت وسحبت وجرّت وجرى وقت الولادة، فربما أخرج الولد رأسه من ظبيتها فأكل من أطراف الشجر، فإذا شبع أدخل رأسه، حتّى إذا تمّت أيامه وضاق به مكانه وأنكرته الرّحم، وضعته مطيقا قويّا على الكسب والحضر والدفع عن نفسه، بل لا يعرض له شيء من الحيوان والسّباع.
وقد زعم صاحب المنطق أنّ ولد الفيل يخرج من بطن أمّه نابت الأسنان، لطول لبثه في بطنها.
وهذا جائز في ولد الفيل غير منكر، لأن جماعة نساء معروفات الآباء والأبناء، قد ولدن أولادهنّ ولهم أسنان نابتة. كالذي رووا في شأن مالك بن أنس، ومحمد بن عجلان وغيرهما.
وقد زعم ناس من أهل البصرة أنّ خاقان بن عبد الله بن الأهتم استوفى في بطن أمّه ثلاثة عشر شهرا، وقد مدح بذلك وهجي، وليس هذا بالمستنكر، وإن كنت لم أر قطّ قابلة تقرّ بشيء من هذا الباب وكذلك الأطبّاء. وقد رووه كما علمت، ولكنّ العجب كلّ العجب ما ذكروا من إخراج ولد الكركدّن رأسه واعتلافه، ثم إدخاله رأسه بعد الشّبع والبطنة. ولا بدّ- أكرمك الله- لما أكل من نجو فإن كان بقي ذلك الولد يأكل ولا يروث فهذا عجب، وإن كان يروث في جوفها فهذا أعجب.
وإنما جعلناه يروث حيث سمّوه حمارا، وهذا ممّا ينبغي لنا أن نذكره في خصال الحمير إذا بلغنا ذلك الباب.
ولا أقرّ أنّ الولد يخرج رأسه من فرج أمّه حتى يأكل شبعه، ثمّ يدخل رأسه من فرج أمّه، ولست أراه محالا ولا ممتنعا في القدرة، ولا ممتنعا في الطبيعة، وأرى جوازه موهوما غير مستحيل، إلّا أنّ قلبي ليس يقبله، وليس في كونه ظلم ولا عبث ولا خطأ ولا تقصير في شيء من الصفات المحمودة، ولم نجد القرآن ينكره، ولا الإجماع يدفعه، والله هو القادر دون خلقه، ولست أبتّ بإنكاره وإن كان قلبي شديد الميل إلى ردّه، وهذا ممّا لا يعلمه النّاس بالقياس، ولا يعرفونه إلّا بالعيان الظاهر، والخبر المتظاهر.
وليس الخبر عنه مثل الخبر عن الدّسّاس التي تلد ولا تبيض. وإنما أنكر ذلك ناس لأنّ الدّسّاس ليس بأشرف كالخفّاش، بل هو من الممسوح كسائر الطير.
وكاللواتي يبضن من ذوات الأربع من المائيّات والأرضيّات.
وليس الخبر عن الكركدّن أيضا كالخبر عن الدّلفين أنّها تلد وعن اللّخم مثل ذلك، وأنّ الكوسج يتولّد من بين اللّخم وسمكة أخرى، وهذا كلّه غير مستحيل، إلّا
أنّي لا أجعل الشيء الجائز كونه كالشيء الذي تثبّته الأدلّة ويخرجه البرهان من باب الإنكار. والواجب في مثل هذا الوقف، وإن كان القلب إلى نقض ذلك أميل.
والميل أيضا يكون في طبقات، وكذلك الظن قد يكون داخلا في باب الإيجاب، وربّما قصّر عن ذلك شيئا.
وقد زعم ناس من أهل العلم أنّ السّمك كلّه يلد، وأنهم إنما سمّوا ذلك الحبّ بيضا على التشبيه والتمثيل، لأنّه لا قشر له هناك ولا محّ ولا بياض، ولا غرقئ؛ وأنّ السمكة لا تخرج أبدا إلّا فارغة البطن أو محشوّة، ولم نر الحبّ الذي بقرب مبالها أعظم، ولم نرها ألقت إحدى تلك الطّوامير وبقّت الأخرى. وإنما غلط في ذلك ناس من قبل ضيق السبيل والمسلك، فظنوا أنّ خرق المبال يضيق عن عظم ذلك الجسم العظيم المجتمع من الحبّ الصغار. قالوا: فإنما تخرج تلك الطوامير واحدا فواحدا، وأوّلا فأولا.
وما ذلك بأعجب ولا أضيق من حياء الناقة والسّقب والحائل يخرجان منه خروجا سلسا إذا أذن الله بذلك. وكذلك المرأة وولدها، والفيلة، والجاموسة، والرّمكة، والحجر والأتان، والشاة في ذلك كلّه مثل السمكة.
وقالوا: لا بدّ للبيض من حضن، ومتى حضنت السمكة بيضها لا تلتفت إلى بيضها وفراخها.
والعوامّ تضرب المثل في الشدّة والقوّة بالكركدّن، وتزعم أنه ربما شطح الفيل فرفعه بقرنه الواتد في وسط جبهته، فلا يشعر بمكانه ولا يحسّ به حتّى ينقطع على الأيّام».
وهذا القول بالخرافة أشبه.
وأعجب من القول في ولد الكركدّن ما يخبرنا به ناس من أهل النظر والطبّ
وقراءة الكتب، وذلك أنّهم يزعمون أنّ النمرة لا تضع ولدها أبدا إلّا وهو متطوّق بأفعى، وأنها تعيش وتنهش، إلّا أنها لا تقتل. ولو كنت أجسر في كتبي على تكذيب العلماء ودرّاسي الكتب، لبدأت بصاحب هذا الخبر.
وليس هذا عندي كزعمهم أنّ الأفعى تلد وتبيض، لأنّ تأويل ذلك أنّ الأفعى تتعضّل بيضها، فإذا طرّقت بالبيض تلوّت فحطمته في جوفها، ثم ترمي بتلك القشور والخراشيّ أوّلا فأولا، كما لا بدّ لكلّ ذات حمل أن تلقي مشيمتها.
ويزعم كثير من الأعراب أنّ الكمأة تتعفّن، ويتخلّق منها أفاعي. فهذا الخبر وإن كنت لا أتسرّع إلى ردّه فإنّي على أصحابه ألين كنفا.
وأمّا قرن الكركدّن فخبّرني من رآه ممّن أثق بعقله، وأسكن إلى خبره، أنّ غلظ أصله وسعة جسمه يكون نحوا من شبرين، وليس طوله على قدر ثخنه. وهو محدّد الرأس، شديد الملاسة، ملموم الأجزاء مدمج، ذو لدونة وعلوكة في صلابة، لا يمتنع عليه شيء. ويجهز من عندنا بالبصرة إلى الصين؛ لأنّه يقع إلينا قبلهم، فإذا قطعوه ظهرت في مقاطعه صور عجيبة. وفيه خصال غير ذلك، لها يطلب.
وقد كنا نزعم أنّ الهواء للعقاب، والماء للتمساح، والغياض للأسد حتى زعم أصحابنا أنّ في نيل مصر خيولا تأكل التماسيح أكلا ذريعا وتقوى عليها قوة ظاهرة، وتغتصبها أنفسها فلا تمتنع عليها، وعارضوا من أنكر خيل الماء، بخنازير الماء وبكلاب الماء، وبدخّس الماء.
ولم أجدهم يشكّون أن بعض الحيوان الذي يكون في البحر ممّا ليس بسمك وهو يعايش السمك- وقد ذهب عنّي اسمه- أنّه متى أبصر غريقا عرض له وصار تحت بطنه وصدره، فلا يزال كالحامل له والمزجي والمعين، حتى يقذف به إلى حزيرة، أو ساحل، أو جبل.
وأصناف سمك البحر، وأجناس ما يعايش سمك البحر لا تكون في أوساط اللّجج وفي تلك الأهواز العظام، مثل لجّة سقوطرا، وهركند، وصنجى. وكذلك أهل البحر إذا عاينوا نباتا أو طيرا، أيقنوا بقرب الأرض إلّا أنّ ذلك القريب قد سمّي بعيدا، فلذلك سلم ذلك الغريق بمعونة ذلك الحيوان.
فأمّا الأسد والببر فمتسالمان، وأما الأسد والنمر فمتعاديان والظّفر بينهما سجال. والنّمر وإن كان ينتصف من الأسد فإنّ قوّته على سائر الحيوان دون قوّته على الأسد، وبدنه في ذلك أحمل لوقع السّلاح، ولا يعرض له الببر، وقد أيقنا أنّهما ليسا من بابته، فلا يعرض لهما، لسلامة ناحيته وقلة شرّه، وهما لا يعرضان له لما يعرفان من أنفسهما من العجز عنه. وأمّا البهائم الثلاث اللواتي ذكرناها فإنّها فوق الأسد والنمر.
والببر هنديّ أيضا مثل الفيل، وأمّا الكركدّن فلا يقوم له سبع ولا بهيمة، ولا يطمع فيه، ولا يروم ذلك منه.
وأمّا الجاموس والأسد فخبّرني محمد بن عبد الملك أنّ أمير المؤمنين المعتصم بالله، أبرز للأسد جاموسين فغلباه، ثم أبرز له جاموسة ومعها ولدها فغلبته وحمت ولدها منه، وحصّنته، ثم أبرز له جاموسا وحده فواثبه ثم أدبر عنه.
هذا وفي طبع الأسد الجرأة عليه، لأنّه يعدّ الجاموس من طعامه، والجاموس يعرف نفسه بذلك، فمع الأسد من الجرأة عليه على حسب ذلك ومع الجاموس من الخوف على قدر ذلك. وفي معرفة الأسد أنّ له في فمه من السّلاح ما ليس لشيء سواه، وفي معرفة الجاموس بعدم ذلك السّلاح منه، فمعه من الجرأة عليه بمقدار ما مع الجاموس من التهيّب له، فيعلم أنّه قد أعطي في كفّه ومخالبه من السلاح ما ليس لشيء سواه. ويعلم الأسد والجاموس جميعا أنّه ليس في فم الجاموس ويده وظلفه من السّلاح قليل ولا كثير، فمع الأسد من الجراءة عليه، ومع الجاموس من الخوف منه، على حسب ذلك. ويعلم الأسد أنّ بدنه يموج في إهابه، وأنّ له من القوّة على
الوثوب والضّبر والحضر، والطّلب والهرب، ما ليس في الجاموس، بل ليس ذلك عند الفهد في وثوبه، ولا عند السّمع في سرعة مرّه، ولا عند الأرنب في صعداء ولا هبوط، ولا يبلغه نقزان الظّبي إذا جمع جراميزه، ولا ركض الخيل العتاق إذا أجيد إضمارها. والجاموس يعرف كلّ ذلك منه.
ومع الجاموس من النّكوص عنه بقدر ما مع الأسد من الإقدام عليه، ويعلم أنّه ليس له إلّا قرنه وأنّ قرنه ليس في حدّة قرون بقر الوحش، فضلا عن حدّة أطراف مخالب الأسد وأنيابه وأن قرنه مبتذل، لا يصان عن شيء. ومخالب الأسد في أكمام وصوان.
وإذا قوي الجاموس مع هذه الأسباب المجبّنة على الأسد مع تلك الأسباب المشجّعة حتى يقتله أو يعرّد عنه، كان قد تقدّمه تقدّما فاحشا، وقد علاه علوّا ظاهرا. فلذلك قدّمنا الجاموس وهو بهيمة، وقدّمنا رؤساء البهائم على رؤساء السباع.
هذا سوى ما فيها من المرافق والمنافع والمعاون.
والجاموس أجزع خلق الله من عضّ جرجسة وبعوضة، وأشدّه هربا منهما إلى الماء. وهو يمشي إلى الأسد رخيّ البال، رابط الجأش، ثابت الجنان. فأمّا الفيل فلم يولّد الناس عليه وعلى الكركدّن ما ولّدوا من إفراط القوّة والنّجدة والشّهامة، إلّا والأمر بينهما متقارب عندهم.
والهند أصحاب الببور والفيول، كما أنّ النّوبة أصحاب الزّرافات دون غيرهم من الأمم. وأهل غانة إنما صار لباسهم جلود النمور لكثرة النمور بها. إلا أنّها على حال موجودة في كثير من البلدان.
وقد ذكروا بأجمعهم قوّة الفيل الوحشيّ على الأسد، وقالوا في الفيلة الأهليّة إذا لقيت عندنا بالعراق الأسد وجمعنا بينهما. قالوا: أما واحدة فإنّ ذكور الفيلة لا تكاد تعيش عندكم، وأنيابها التي هي أكبر سلاحها لا تنبت في بلادكم، ولا تعظم ولا تزيد على ما كانت عليه ما أقامت في أرضكم، وهي أيضا لا تتناتج عندكم، وذلك
من شدّة مخالفة البلدة لطبائعها ونقضها لقواها. وإنما أسرع إليها الموت عندكم للذي يعتريها من الآفات والأعراض في دوركم، فاجتمعت عليها خصال، أوّل ذلك أنها مع الوحش وفي صميم بلادها أجرأ وأقوى، وأشهم نفسا وأمضى، فلمّا اصطدناها بالحيل، وصيّرناها مقصورة أهليّة بعد أن كانت وحشيّة وفي غير غذائها، لأنّها كانت تشرب إذا احتاجت، وتأكل إذا احتاجت وتأخذ من ذلك على مقادير ما تعرف من موقع الحاجة، فلما صارت إلى قيام العبيد عليها، والأجراء بشأنها، والوكلاء بما يصلحها دخل ذلك من النقض والخور، والخطأ والتقصير، على حسب ما تجد في سائر الأشياء، ثم لم نرض بذلك حتّى نقلناها من تلك البلدة على إنكارها لتلك اللدة، فصيّرناها إلى الضدّ بعد أن كانت في الخلاف.
وقد علمنا أنّ سبيلها سبيل سائر الحيوان، فإنّ الإبل تموت ببلاد الروم وتهلك وتسوء حالها، والعقارب تموت في مدينة حمص، والتماسيح تموت إن نقلت إلى دجلة والفرات، والنّاس يصيبهم الجلاء فيموتون ويتهافتون. وقد علمنا أنّ الزّنج إذا أخرجوا من بلادهم فما يحصل بالبصرة عندنا منهم إلّا اليسير. وكذلك لو نقلوا إليكم بزر الفلفل والسّاج والصّندل والعود، وجميع تلك الأهضام، فما امتناع نبات العاج ببلادكم إلّا كامتناع نبات الآبنوس، وإن كان ينبت في حيوان والآخر في أرض.
فلا يفتخرنّ مفتخر في الأسد في هذه البلدة إذا قاوم الفيل. والأسد هاهنا في بلاده وفي الموضع الذي تتوفّر أموره عليه، لأنّ أسد العراق هي الغاية، وأقواها أسد السّواد ثم أسد الكوفة. ولأنّ الفيلة عندكم أيضا ترى عندكم السّنانير، وقد جعل الله في طبع الفيل الهرب من السّنّور والوحشة منه، كما أنّ بعض شجعانكم يمشي إلى الأسد، ويقبض على الثّعبان، ولا يستطيع النّظر إلى الفأر والجرذان، حتى يهرب منها كلّ الهرب، ويعتريه من النّفضة واصفرار اللّون ما لا يعتري المصبور على السّيف وهو يلاحظ بريقه عند قفاه.
وذكر عليّ بن محمد السميري قال: بينما عبد الله بن خازم السّلميّ عند عبيد
الله بن زياد، إذ أدخل على عبد الله جرذ أبيض ليعجّب منه، فأقبل عبيد الله على عبد الله فقال: هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا الجرذ قط؟ وإذا عبد الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ، واصفرّ حتى صار كأنّه جرادة ذكر، فقال عبيد الله: أبو صالح يعصي الرّحمن، ويتهاون بالشيطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي إلى الأسد، ويلقى الرّماح بوجهه، وقد اعتراه من جرذ ما ترون؟! أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير.
وإذا عاين الفيل الأسد رأى فيه شبه السّنّور، فيظنّ أنه سنّور عظيم فلا يبلغ منه مقدار تلك المناسبة، وذلك الشّبه، ومقدار ذلك الظنّ ما يبلغ رؤية السّنّور نفسه.
وليس هربه منه من جهة أنّه طعام له، وأنّه إن ساوره خافه على نفسه، وإن كان في المعنى يرجع إلى أنّه طعام لصغار السّباع وكبارها. وهل قتل أسد قطّ فيلا، ومتى أكله؟! وإنّه مع ذلك لربّما ركله الرّكلة، فإمّا أن يقتله، وإمّا أن يذهب عنه هاربا في الأرض، وإمّا أن يجليه.
وأيّة حجّة على الفيل في أن يرى سنورا فينفر منه؟! فالأسد يشار إليه بشعلة من نار، أو يضرب له بالطّست فيهرب منه، فإنما هذا كنحو تفزّع الفرس من كلّ شيء يراه في الماء وهو عطشان فيأباه.
ويزعم ناس من أصحاب الخيل أنّ الفرس ليس يضرب بيديه في الماء الصافي ليثوّره، لأنّ الماء الكدر أحبّ إليه، وما هو إلا كالثّور الذي يحبّ الصافي ويختاره، ولكنه إذا وقف على الماء الصافي رأى فيه ظلّه وظلّ غيره من الأشخاص، فيفزعه ذلك، فلمعرفته بأنّ الماء الكدر لا تتصوّر فيه الصّور يضرب بيديه. هذا قول هؤلاء. وأمّا صاحب المنطق وغيره ممّن يدّعي معرفة شأن الحيوان فإنّه يزعم أنّ الفرس بالماء الكدر أشدّ عجبا منه بالماء الصافي، كما أنّ الإبل لا يعجبها الماء إلّا أن يكون غليظا، وذلك هو الماء النّمير عندهم. وإنّما تصلح الإبل عندهم على الماء الذي تصلح عليه الخيل.
ويزعم من أقام ببلاد السّودان أنّ الذين يسكنون شاطئ النيل من الحبشة
والنّوبة، أنهم يشربون الماء الكدر، ويأكلون السّمك النّيء فيعتريهم طحال شديد، فإذا شدّوا على بطونهم ضرسا من أضراس خيل الماء وجدوه صالحا لبعض ما يعرض من ذلك. ويزعمون أن أعفاج هذا الفرس تبرئ من الصّرع الذي يكون في الأهلّة.
وقال بعض من ينصر الأسد: إن الأسد في الهند أضعف، بل هي ضعيفة جدّا، والفيل في بلادهم أقوى، والوحشي منها أجرأ، والمغتلم لا يقوم له إلا الكركدّن؛ وإنه ليهجم عليه فيحجم عنه حتى تذهب عنه سكرة الغلمة، فيرجع إلى معرفة حال الكركدّن فلا يطور طواره، ولا يحلّ بأداني أرضه.
وأما الفيل فإذا كان غير هائج والأسد في غير أيّام هياجه ثم يكون الأسد عراقيّا ويكون سواديّا ويكون من أجمة أبزيقيا فإنّ الفيل لا يقوم له.
وقال صاحب الفيل: الفيل لا يعاين أسدا أبزيقيّا حتى تفسخه البلدة، وتهدمه الوحشة، ويمرضه الغذاء، ويفسده الماء. وهو لا يصل إلى ذلك المكان حتى يجمع بينه وبين ذلك الأسد، وحتى يسمع تجاوب السّنانير وتضاغيها - وهو أسمع من قراد- فيغبّ ذلك في صدره، وتتزايد تلك الوحشة في نفسه، فمتى رأى أسدا قائما فربّما دعته الوحشة منه، والبغض المجعول فيه، إلى الصّدود والذّهاب عنه.
فيظنّ كثير من الناس أنّ ذهابه هرب، وأنّ صدوده جبن، وإنّما هو من الوحشة منه، والكراهة لمنظرته. وربّما اضطرّه الأسد بخرقه حتى ينقض حلمه، ويغلب وقاره، فيخبطه خبطة لا يفلح بعدها أبدا.
قال صاحب الفرس: زعمتم أنّ الأسد في الأرض كالعقاب في الهواء، وكالتمساح في الماء، وأنّ تمساحا وأسدا اعتلجا على شريعة فقتل كلّ واحد منهما
صاحبه، وكأنّ التمساح ضرب الأسد بذنبه في الشريعة، وضغم الأسد رأسه فماتا جميعا.
قال: والفرس المائيّ بالنّيل يقتل التّماسيح ويقهرها ويأكلها ولا يساجلها الحرب، ولا تقع بينهما مغالبة ومجاذبة، وتكون الأيام بينهما دولا. فهذه فضيلة ظاهرة على الأسد، وشرف فرس الماء راجع إلى فرس الأرض، فإن كان فرس الأرض لا يقوى على الأسد ولا على النّمر ولا على الببر، فإن ابن عمّه وشكله في الجنس قد قوي على التّمساح وهو رئيس سكان الماء.
قالوا: أمّا واحدة فإن التمساح ليس برئيس سكان الماء إلا أن تريد بعض سكان الأودية والأنهار والخلجان والبحيرات في بعض المياه العذبة. والكوسج واللّخم والسّرطان والدّلفين وضروب من السباع مما يعايش السّمك ليس التمساح من بابه.
وعلى أن التمساح إنما يأكله ذلك الفرس وهو في الماء، وليس للتمساح في جوف الماء كبير عمل إلا أن يحتمل شيئا بذنبه ويحتجنه إليه، ويدخله الماء، وربّما خرج إلى الأرض للسّفاد ولحضن البيض، فلا يكون على ظهر الأرض شيء أذلّ منه.
وذلّه على ظهر الأرض شبيه بذلّ الأسد في وسط الماء الغمر. ولعمري أن لو عرض له هذا الفرس في الشرائع فغلبه لقد كان ذلك من مفاخره، فلذلك لم تذكر الخيل في باب الغلبة، والقتال والمساجلة، والانتصاف من الأعداء.
والفرس قد يقاتل الفرس في المروج إذا أراد أن يحمي الحجور، كما يحمي العير العانة ويقاتل دونها كلّ عير يريد مشاركته فيها، وهذا شيء يعرض لجميع الفحولة في زمن الهيج.
وقد يصاول الجمل الجمل فربّما قتل أحدهما صاحبه، ولكنّ هذه الفحولة لا تعرض لشيء من الحيوان في غير هذا الباب.
وإن أراد الفرس أسد، فليس عنده من إحراز نفسه وقتل عدوّه ما عند الجاموس، فإن فضله الجاموس بقرنيه، فإن السّلاح الذي في فم الفرس لو استعمله لكان سلاحا، ولو استدبر الأسد فركله ورمحه وعضّه بفيه، لكان ذلك ممّا يدفع عنه ويحمي لحمه.
وليس للجاموس في أظلافه وفي يديه ورجليه وفي فمه سلاح، فقد دلّت الحال على أنّ مدار الأمر إنّما هو في شجاعة القلب.
وفي هذا القياس أنّ الصّقر إنّما يواثب الكركيّ لمكان سلاحه دون شجاعة القلب التي يقوى بها الضّعيف، وبخلافها يضعف القويّ.
وسأقرّب ذلك عندك ببعض ما تعرفه، لا نشكّ أنّ الهرّ أقوى من الهرّة في كلّ الحالات، حتى إذا سفدها فحدثت بينهما بغضاء ومطالبة حدثت للهرّة شجاعة وللهرّ ضعف، فصارت الهرّة في هذه الحال أقوى منه، وصار الهرّ أضعف. ولولا أنّه يمعن في الهرب غاية الإمعان ثمّ لحقته، لقطّعته وهو مستخذ.
ومثل ذلك أنّ الجرذ يخصى ويرمى به في أنابير التّجّار وفي الأقرحة والبيادر، فلا يدع جرذا ضخما قد أعيا الهرّ وابن عرس إلّا قتله، وإن كان أعظم منه وأشدّ.
والخصيّ من كلّ شيء أضعف قوّة من الفحل إلّا الجرذ، فإنه إذا خصي أحدث له الخصاء شجاعة وجراءة، وأحدثت له الشّجاعة قوّة وأحدث علم الجرذان بحال الخصاء لها جبنا، وأحدث الجبن لها ضعفا.
والرّجل الشّديد الأسر قد يفزع فتنحلّ قواه، ويسترخي عصبه حتّى يضربه الصبيّ. والذّئب القويّ من ذئاب الخمر يكون معه الذئب الضعيف من ذئاب البراري، فيصيب القويّ خدش يسير، فحين يشمّ ذلك الذئب الضعيف رائحة الدّم وثب عليه، فيعتري ذلك القويّ عند ذلك من الضّعف بمقدار ما يعتري الضعيف من القوّة حتى يأكله كيف شاء.
والأسد الذي يعتريه الضّعف في الماء الغمر حتّى يركب ظهره الصبيّ ثم يقبض على أذنيه فيغطه كيف شاء.
وقد يفعل به ذلك غلمان السّواد وشاطئ الفرات، إذا احتملت المدود الأسد لا تملك من أنفسها شيئا، وهو مع ذلك يشدّ على العسكر حتى يفرقه فرق الشّعر، ويطويه طيّ السّجل؛ ويهارش النمر عامّة يومه لا يقتل أحد هما صاحبه، وإن كان الجمل الهائج باركا أتاه فضرب جنبه ليثني إليه عنقه، كأنه يريد عضّه فيضرب بيساره إلى مشفره فيجذبه جذبة يفصل بها بين دأيات عنقه، وإن ألفاه قائما وثب
وثبة فإذا هو في ذروة سنامه، فعند ذلك يصرّفه كيف شاء، ويتلعّب به كيف أحبّ.
ونحن لا نشكّ أنّ للفرس تحت الفارس غناء في الحرب لا يشبهه غناء، ولذلك فضّل في القسم. وإنما ذلك بتصريف راكبه له، وقتاله عليه. فأمّا هو نفسه فإنه إذ كان أوفر سلاحا من الجاموس وخام عن قرنه، واستسلم لعدوّه؛ فإنّه من ها هنا لا يقدم على غيره. ولم يكن الله ليجعل انحصار جميع أقسام الخير في شخص واحد، ولكن لمّا أن كان الفرس عليه تقاتل الأنبياء وأتباع الأنبياء، ملوك الكفّار وأتباع ملوك الكفار حتّى يقمع الله الباطل ويظهر الحقّ؛ فلذلك قدّمناه على جميع البهائم والسّباع، وإنما نقدّمه على الوجه الذي قدّمه الله فيه.
واعترض على أصحاب فرس الماء معترضون فقالوا: الفرس لا يكون إلّا بهيمة، والبهائم لا تصيد وتأكل صيدها، وإنما طعام الفرس النّبات وليس اللّحم لها بطعام.
وقال النمر بن تولب:
والخيل في إطعامها اللّحم ضررنطعمها اللّحم إذا عزّ الشّجر
في كلمته التي يقول فيها:
الله من آياته هذا القمر
وقد تعلف في تلك الحالات اللّحم اليابس وهسيس السّمك. فأمّا الهسيس فلخيول أهل الأسياف خاصّة.
قيل لهؤلاء المعترضين على فرس الماء: وقد يكون في الخلق المشترك وغير المشترك ما يأكل اللّحم والحبّ. فالمشترك مثل الإنسان الذي يأكل الحيوان والنبات. وهذا العصفور من الخلق المشترك لأنّه يأكل الحبّ، ويصطاد النمل الطّيار
والأرضة فيأكلها، ويأكل اللّحم، والدّجاج تأكل اللّحم والدّيدان، وتحسو الدّم وتلقط الحبّ. والغراب لا يدع شيئا إلّا أكله.
وما خرج من حدّ المشترك وهو كنحو الذّئب والضّبع، وكنحو الشّاهين والصّقر، فإنّ هذه وأشباهها لا تعرف إلا اللّحم. والحمام وضروب من الطير لا تعرف إلّا الحبّ والنّبات. والمشترك أجمع مما هو غير مشترك.
والسّمكة تأكل الطّين والنّبات، وتأكل الجيف التي تصيب في الماء، وتصاد بضروب من الحيوان تجعل لها في الشّصوص، ثم ينصبون لكلّ ضرب من السّمك بضرب من الطّعم.
والجرّيّ يأكل الجرذان ويصيدها، وهو آكل لها من السّنانير والحيّات والكلاب السّلوقية، ويأكل الجرّيّ جميع جيف الموتى. والسّمك يأكل السّمك ويأكل من كلّ حبّ ونبات يسقط في الماء.
وإن استفهم مستفهم، أو اعترض معترض فقال: وكيف يأكل الجرّيّ الجرذان، والجرذان أرضيّة بيوتيّة، والجرّيّ مائي؟ قيل له: يخبّرنا جميع من يبيت في السّفن وفي المشارع، في فيض البصرة عندنا، أنّ جرذان الأنابير تخرج أرسالا باللّيل كأنّها بنات عرس، والجرّيّ قد كمن لهنّ وهو فاتح فاه، فإذا دنا الجرذ من الماء فعبّ فيه التهمه ليس دون ذلك شيء، بشجر فم واسع»
يدخل في مثله الضبّ الهرم. وإنما يضع بخطمه على الشّريعة.
وسنذكر شيئا من الطّرف والحكم والأشعار، إذ كنّا قد ذكرنا من الكلام في الحيوان صدرا صالحا، وأبوابا جامعة، ثم نعود في ذكر الفيل إن شاء الله، والله الموفّق.
قال الشّاعر:
ونحن أناس لا حجاز بأرضنامع الغيث ما نلقى ومن هو غالب
وإن قصرت أسيافنا كان وصلهاخطانا إلى أعدائنا فنضارب
ترى كلّ قوم ينظرون إليهموتقصر عمّا يبلغون الذّوائب
مثل قول الآخر:
لكلّ أناس سلّم يرتقى بهوليس إلينا في السّلاليم مطلع
ومنزلنا الأعلى حجاز لمن بهوكلّ حجاز إن هبطناه بلقع
وينفر منا كلّ وحش وينتميإلى وحشنا وحش البلاد فيربع
وقال حسّان بن ثابت:
وندمان صدق تقطر الخير كفّهإذا راح فضفاض العشيّات خضرما
وصلت به كفّي وخالط شيمتيولم أك عضّا في الندامى ملوّما
لنا حاضر فعم وباد كأنّهشماريخ رضوى عزّة وتكرّما
ولدنا بني العنقاء وابني محرّقفأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
لنا الجفنات الغرّ يلمعن في الضّحىوأسيافنا يقطرن من نجدة دما
وقال أعرابيّ غزليّ:
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا لهببعض الأذى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزلبه سكتة حتّى يقال مريب
وقال أعرابيّ من هذيل:
رعاك ضمان الله يا أمّ مالكولله أن يسقيك أولى وأوسع
يذكّرنيك الخير والشرّ والذيأخاف وأرجو والذي أتوقّع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع