من «ميزان الذهب في صناعة شعر العرب» لأحمد الهاشمي (ت ١٣٦٢هـ)
الفن الأول: الزجل
قال ابن خلدون: «لما شاع التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلامته، وتنميق كلامه، وتصريع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعرابًا! فاستحدثوا فنًّا سموه ب «الزجل»، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاءونا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة، وأول من أبدع هذه الطريقة الزجلية «أبو بكر بن قزمان»، وإن كانت قِيلت قبله كما سبق القول.»
وقال المُحبي في «خلاصة الأثر»: الزجل في اللغة: الصوت، وسُمِّي زجلًا؛ لأنه يُلتذُّ به، ويفهم مقاطيع أوزانه ولزوم قوافيه، حتى يُغَنَّى ويصوت، ولما كان هذا الفن من وضع العامة اتَّبعوا النغمَ دون مراعاة الوزن، وربما نظموا في سائر البحور الستة عشر، لكن بلغتهم العامية، ويسمون ذلك الشعر الزجلَ، كقول المرحوم الشيخ محمد النجار:
التَّبَصُّرْ فِي الْأُمُور كُلُّهْ مَكَاسِبْوشواهِدُ الحال بِتَحْسِينُهْ أَدِلَّهْ
والنَّصِيحَةُ بَثُّهَا فِي الْخَلْقِ وَاجِبْوَالرُّجُوعُ لِلْحَقِّ دِينْ فِي كُلِّ مِلَّهْ
زِنْ بِمِيزَانِ الْفِكْرِ جَوْهَرْ وُجُودكْوَاعْتَبِرْ فِي نَشْأَتِكْ مَعْنَى الْأُخُوَّهْ
كُلُّنَا مِنْ نَفْسِ وَاحدَة قَدْ خُلِقْنَاوَالتَّفَاوُت فِي الْعُقُول لَا فِي النُّبُوَّهْ
فِيه عُقُول مِثْل الذَّهَب تَأْخُذ عِيَارهاوَعُقُول يُمكن تِعَبَّى بِالْعُبُوَّهْ
وَالْمُرَبِّي الْمَعْرِفَةْ وَالْعَقْلِ قَابِلْوالجهالة في بَنِي الإنسان مُخِلَّهْ
اجتهادك في العمل مهر المعارفوالمعارف مهر تُخْطَبْ به المعالي
والأمور يمكن تجي صدفَهْ ولكنطالع الصدْفَهْ كمان لُهْ بُرج عالي
اجتهِدْ في الزَّرْعِ تُحْصُدْ مَا زرعتهوبقاع البحر غُوصْ لَاجْلِ اللَّآلِي
واطلب المحبوبْ وإنْ عاقك زمانكعن وصاله اتَّخذ للوصْل وَصلهْ
والنّصيحة بثها في الخلق واجبوالرجوع للحق دينْ في كُلِّ مِلَّهْ
هيئة الناس في الوجود هيئة تطالبكبالدخول فيها وكونك عضو منها
ما خُلِقنا عن عبثْ حتَّى نقَضِّيعمرنا في لهو يخلي الحر عنها
لا تبع عاجل بآجل ما ضمنتهواغْنَمِ الفرصة وبع شِينها بزينها
لا تُسَوِّف ينهبك وقتك وتصبحْمَضْحَكَةْ للناس بحالة مضمَحِلَّهْ
اطلب العلم الشريف واخدم رجالهواصحب أهل المعرفة وأهل الفضائل
واتِّخِذْ صنعهْ وكُلْ مِنْ كَسْب يَدَّكْلا تَكُنْ كَلًّا عَلَى أَكْتَافِ الأرامِلْ
والسُّؤال لَوْ كُنت تأخذ ملك كِسْرَىفِيه ذميم برْضُه واسْمُه أَمْر سَافِلْ
رَبِّنا أَنْشَاكْ وأعْطَاكْ عِينْ وعَافيَهْوَخَلَقْ أَعْضَاكْ لِتِشَغِّلهَا بشغلهْ
الوطن حبُّه من الإيمان ويلزمكل واحد على العموم يخدم بلادهْ
للصغير حب الوطن كونه يسلِّملِوَلِيِّ أمْره ويبقى في انقياده
من أجْلِ يتربَّى ويتعَلِّمْ ويعْرَفْكل أشياء في الكِبَر فيها رشاده
يلتقيه بعدين أبوه يقضي مصالحهوإن خدمْ ينفع ويرفع كل خِلَّهْ
والنصيحة بثها في الخلق واجبْوالرجوع للحق دين في كل مِلَّهْ
والكبير حُبه بلاده بَذْل روحهبل وبذل المال وما فيه المنافع
تجتهد في كل حاجة تكون مفيدةمن علوم أو من فنون أو من صنائع
أَو تآليف تنتفع منها الأهاليأو تجارة أو فلاحة أو مزارع
أو سياسة في رئاسة لمنع أشيامن الأمور اللي لنفس الحر ذِلةْ
كل واحد يلزمه لابنه يعلِّمالقراءة والكتابة وكل حاجة
حتى إذا ما قد كبر يطلع مربيلا يكون خبله من أولاد السذاجة
ثانيًا مِنْ خوف إذا فاته شبابهما يلاقي غير أمور أهل السماجة
ثالثًا مِنْ كُونْ طِلِعْ له نجل بعدهبدر مُشْرِق بالكمال بين الأهِلَّةْ
العجب لمَّا يشوف مَرَّة ابن صاحبهفي وظيفة عال وله رتبه سَمِيَّهْ
عندها يعرف مقام العلم وأهلهوالرياضة واللغات الأجنبية
عندها يعرف مقام فتح المدارسفي جهات شَتَّى وتظهر له المزيَّةْ
كم رجال بالعلم قد صارت أعِزةورجال بالجهل قد صارت أَذِلَّةْ
اترك التقليد وعيش عيشة بلادكلحسن التقليد عليك يحكم بأشيهْ
تاخذ الدِّين بالرِّبا وتصبح مفلِّسوالأمور تعطل وكانت قبل ماشيهْ
ينخدش عرضك وكل الناس تذمكوالمذَمة في قبيح العرض فاشيَهْ
والقبح مشيك مع الجاهل بقدركأو مع البطَّال ومن مشيه لِعِلَّهْ
والنصيحة بثها في الخلق واجبوالرجوع للحق دين في كل مِلَّهْ
استمع قول النصيحة واقبل نصيحتهحيث تظهر أنها منه نصيحَهْ
شاور الناس في الأمور وافرز بعقلكمنتهى الأفكار واختار المليحهْ
والقُطِ الحكمة ولو من فم كافرلا تقل له إنها منك قبيحهْ
واخدم الروح خدمة الجسم المدرَّجفي الحرير واعمل بأقوال الأجِلَّهْ
ناس كتير السُّكْر جاب كاسها وكادهاوالديون فوق راسها قدر الجيوشي
تلتقي الواحد بِسِمِّ الشرب يعدَموكمان أهل الديون ما يرحموشي
وإن وقع وقْعه وكان صاحب خِدَامهيترِفتْ والناس كمان ما تخَدِّموشي
يلْحسِ الدُّقَّهْ وأصحابه تدعُّهْوإن مشى يمشي بكآبهْ وبمذلهْ
يا سلام لما ييجي مرة المداينيطلب المبلغ وبيده الكمبيالهْ
تنظر المديون ووشُّه يصير مصابغتتبدل حالته وتبقى شر حالهْ
ينذره بالحجز وإلا يشك غيرهابالزيادة في طمع بيع الوكاله
ما يلاقي له خلاص غير وضع إسمهلو يكون هرَّاب يشمَّع كل فتلهْ
والنصيحة بثها في الخلق واجبوالرجوع للحق دين في كل ملهْ
يا سلام لما تشوف مرة مفلِّسضيَّع اللِّي كان معاه واللِّي حداهْ
يلتقيه صحبه يِزُوغ منه ويهربوكأنه في الحظوظ ما كان معاه
دا ادِّخار المال إلى وقت احتياجهكنز مَخْفِي لو فِضِلْ كان التقاه
شوف بقى لو كان كمان جاهل وعادملاكتسابه قد تزيد فيه المبلَّهْ
الديون بالليل هموم تِعيِّي وتمرِضصاحب الفكرة وذلة بالنهار
والحسد الآخر قبيح وأكبر مصيبهصاحبه لونه تملِّي في اصفرار
يورث البغضاء ويوقع في التغابنبين أصحابه ويجلب كل عا
كلنا يلزم تكون بيننا محبهنكتسب منها محاسن كل خصله
يلزم الناس كلهم يمشوا بحالَهْطيِّبه والكل يبقوا شخص واحد
في مساعي الخير لهم سيره حميدهوالمساعدة والمعاونه والتعاضد
ليه أنا ما مشيش بحاله ترتضيهاكل إخواني وأبقى لهم مساعد
الزمان يا ما بيورِّي الناس عجايبتِقرف الليمون وتضحَّك كل ثكلَه
والنصيحة بثها في الخلق واجبوالرجوع للحق دِين فِي كل مِلَّهْ
ليه أنا أنكر على ذي الفضل فضلهوأرى ذم ابن جنسي فرض عين
البرابره يكرموا ذا الفضل منهمومحمد يندهو له محمدين
يكرموه مع ألف من جنسه وناسهوالواحد ينكرم له ألف عين
البرابره تعرف النفع العموميوترى النفع النصيحه والمعامله
والنصيحة بثها في الخلق واجبوالرجوع للحق دين في كل مِلَّهْ
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع