تجاوز إلى المحتوى

من «البيزرة» لبازيار العزيز بالله (ت ق ٤هـ)

باب من كان مستهتراً بالصيد من الأشراف

إسماعيل بن إبراهيم النبي صلى الله عليهما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وقد رتب الأنصار فنصب خمسين رجلاً منهم في وادٍ وقال ارموا يا بني إسماعيل فقد كان أبوكم رامياً، وكان إسماعيل ﵇ مولعاً بالقنص محباً له، متعباً نفسه فيه، مباشراً لعمل آلات الرمي، ولقد قصده أبوه إبراهيم ﵇ زائراً لينظر إليه فلم يجده بمحله لشغله بالقنص.

وحمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وكان من النجدة على ما خصه الله ﷿ به، حتى قيل له أسد الله، وكان إسلامه عند منصرفه من صيد، وعلى يده صقر، وجاء في الحديث أن حمزة كان صاحب قنص فرجع يوماً من صيده فقالت له امرأة كانت رأت ما نال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله من أذى أبي جهل: يا أبا عُمارة لو رأيت ما صنع أبو الحكم اليوم بابن أخيك، فمضى على حاله، وهو متعلق قوسه في عنقه، حتى دخل المسجد، فألفى أبا جهل فعلا رأسه بقوسه فشجه، ثم قال حمزة: ديني دين محمد أشهد أنه رسول الله ﷺ.

وعدي بن حاتم طيء وعنه الأحاديث المأثورة في محرم الصيد ومحلله لأنه كان يكثر مسألة النبي صلى الله عليه عما يعانيه من ذلك.

وقال بعض من عُذل في مداومة الصيد:

عذلتني على الطراد وقبليحمزة من اراغة الصيد راحا
كاسراً صقرُه عليه ظباءًسانحاتٍ كفى عليها الجناحا
فابتغى ملة النبي وقد كان رأى فيه قبل ذلك جِماحا
ورمى هامة اللعين أبي جهل بقوس فشجه إيضاحا
وعدي بن حاتم اسمح الخلق إلى الصيد لم يزل مرتاحا
إنما الصيد همة ونشاطٌيُعقب الجسمَ صحة وصلاحا
ورجاء ينال فيه سروراًحين يلقى إصابة ونجاحا

ومن خلفاء بني العباس كان أبو العباس السفاح شديد اللهج بالصيد، ناشئاً ومكتهلا، ومن أخباره أنه خرج يوماً متنزهاً نحو الخورنق في يوم من أيام الربيع، ومعه دهم من أهل بيته، وجماعة من خاصته ومواليه فبسط هناك ودعا بغدائه وحضر مائدته عمومته وأبو جعفر المنصور. فبينما هم كذلك يتضاحكون ويأكلون، إذ طلع عليهم أعرابي فوقف بازائهم فسلَّم عليهم بإشارة، فأشار إليه أبو العباس فاستدناه فدنا وقرب منه، فقال له: ادن فأصب من طعامنا فجثا على ركبتيه بعد أن سلم فأكل أكل جائع منهوم مقرور، فلما انتهى اقبل على أبي العباس فقال: بأبي أنت وأمي يا حسن الوجه، انتسب إليّ أعرفك، فتبسم، ثم قال: رجل من اليمن من عبد المدان، قال: أنت والله شريف، ولكني أشرف منك، قال أبو العباس: فانتسب إليه أعرفك، قال: بيت قيس من بني عامر. قال أبو العباس: شريف إلا أنني اشرف منك، قال: كلاّ ما بنو الحرث أشرف من بني عامر إلا أن تكون عارضتني في نسبك، قال: ما عارضتك وأنهم لأحد طرفيّ، قال: فممَّنْ أنت؟ قال: من بني هاشم، قال: رهط رسول الله صلى الله عليه، قال: نعم قال: شريفٌ والله الذي لا إله إلا هو، فما قرابة ما بينك وبين هذا الملك، يعني أبا العباس،

قال: قريبه. قال: بأبي أنت وأمي أهو الحُمَيْمي؟ قال: هو هو قال: فاكتم عليّ حديثاً أحدّث به عنه، قال: أكتم عليك، قال: رأيته وهو غليّم يقعد يرمي في غرض بالحُميْمَة، فيجمع بين نبله في مثل راحتي هذه، ثم ينصرف عن غرضه، فيمر بالطائر فيصرعه بسهمه فما يملك حتى يذبحه بسيفه، ويقطعه ويضرم ناراً أو يستعير نار مَلَّة قد أأضرمرميهما أضرمها أهلها لغدائهم فيرمي بصيده عليها، ويرمي بطرفه إليها لئلا يغلبه أحد على ما فيها، ثم يأكله نتفاً بريشه، مع شظية من لحمه، حتى يأتي على ما فيه ما يشركه فيه عشير ولا خليل. فصاح به داود بن علي: اسكت فض الله ناجذك، إنما تخاطب أمير المؤمنين. فقال أبو العباس لداود: يا عم ما هذه المعاشرة؟ رجل تكلم عن الأنس والانبساط، وقد تحرم بنا، ولزمنا ذمامه، فأرعبته، وأوهنت متنه، وقطعت حديثه، تكلم يا فتى! فلما سمع ما قال داود قال: وكنت أرى في هذا الفتى أمارات خير تدل على أنه سيملك ما بين لابتيها قال وما هي قال: لينُ الجانب، والصفح عن الجاهل، والبذل للنائل، مع مركبّه الكريم، وموضعه من النبوة، فضحك أبو العباس حتى فحص الأرض برجليه وضحك أهل بيته وأمر له بألف دينار وكساه وحمله.

وركب المنصور يوماً في صدره مُشَهّرَة مشمراً من ذيله، وعلى يده بازي حتى عبر الجسر بادياً، وانكفى فعبر الآخر راجعاً، وتبينه الناس فلما عاد واستقر به مجلسه قال للربيع: ما الناس في ركوب

أمير المؤمنين على هذه الحال، قال: عجبوا منها قال: إنه كان لأمير المؤمنين في ذلك مذهب، وهو أنه سيأتي من أبنائنا من يحب الصيد ويتبذل فيه، فأحببت أن يكون مني ما رأيت فمتى فعل مثله منا فاعل بعدي قال الناس: قد ركب المنصور على مثل هذه الصورة.

وكان المهدي محمد بن عبد الله مع ما كان فيه من الحذر والتحفظ والبعد من التبذل مشغوفاً بالصيد لا يكاد يُغِبُّه، وكان مع ذلك مجدوداً فيه لا يحرم، ذكَر ذلك بعض شعرائه في كلمة قال فيها:

يغدو الإمام إذا غداللصيد ميمون النقيبهْ
فتؤوب ظافرة جوارحه واكلبُه الأريبه
بمخالب وبراثنبدماء ما اقتنصت خضيبه
وسهامه لوحوشهوالطير قاصدة مصيبه
وكأنما عرفته فانقادت لدعوته مجيبه

وكان للرشيد حظ من الصيد لا كمداومة المهدي له، واستهتاره به، وكان يرتاح له إذا حضره ارتياحاً شديداً، حتى تحمله الأريحية على ركض فرسه، والشد في أثر الطريدة.

أخبرني بعض ولد عبد الملك صالح الهاشمي عن أبيه عن جده عن عبد الملك قال: كنت احضر مع الرشيد الطرد كثيراً، فحضرت معه يوماً ومعنا حسين الخادم، وكانت الحال بيني وبينه منفرجة، ولا يزال يتتبع هفواتي، ويغري بي الرشيد، فأراغت الكلاب طريدة وأطلقت عليها، وأعطى الرشيد فرسه عنانه ومرّ يشتد في طلبها ولم أتبعه، ولا زدت في عنان فرسي، فرأى ذلك حسين مني فاهتبله وأسرع إلى الرشيد

فقال: لو زاد عبد الملك بن صالح في عنان فرسه حتى يلحق بأمير المؤمنين لم يكن بذلك من بأس فقال الرشيد: استجهلنا أبو عبد الرحمن، ولم ير مساعدتنا على ما نحن فيه، قال: قد فعل ذلك فأمسك الرشيد فضل عنانه متوقفاً عليّ حتى قربت منه، فعاتبني على ما أنكره، فقلت: يا أمير المؤمنين العذر واضح. قال: وما هو؟ قلت: أنا على فرس لا أثق به قال: عذر، وأمر لي بجنيبة فركبتها وتسايرنا غير بعيد، إلى أن أثيرت طريدة أخرى ففعل كفعله الأول، ولزمت حالي الأولى، فأشتد إنكاره وتلوّمعليّ فلحقته، فقال: أقلنا العلة فما استقيلت الزلة، فقلت: يا أمير المؤمنين إذا كنت لا أثق بفرسي وقد بلوته، فأنا بما لم ابْلُه أقل ثقة، فقال: لا ولكن السكينة والوقار افرطا على أبي عبد الرحمن، وكان هذا بعض ما احفظه عليّ. وتوخّى أبو نؤاس في تشبيب قصيدته التي أولها:

خَلق الزمان وشرّتي لم تَخلقِِورُميت عن غرض الشباب بأفوقِ
ولقد غدوتُ بدستبان مُعلُمٍصخب الجلاجل في الوظيف مسبّق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلق الشباب وشرتي لم تخلق»
حرّ صنعناه لتُحكَم كفُّهعمل الرفيقةِ واستلاب الأخرق
يجلو القذى بعقيقتين اكتنّتابذرى سليم الجفن غير مخرّق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلق الشباب وشرتي لم تخلق»
ألقى زآبره وأخلف بزةكانت ذخيرة صانع متنوق
فكأنه متدرع ديباجةًعن قالص التبّان غير مسوّق
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «خلق الشباب وشرتي لم تخلق»
فترى الأوز قريب خطوِ مشيعٍغرثانَ منبسط الشواكل بورق
يعتام جلتها ويقصر شأوهابمؤنّف شاكي الشباه مذلق
حتى رفعنا قدرنا برغامهاواللحم بين مردَّم وموشق

فأفتتحها بذكر الصيد وصفة الجارح، هزاً منه بذلك، وبعثاً من أريحيته لما يعلمه من رأيه في الصيد، وموقعه من قلبه. والرغام التراب بالفتح ومنه أرغم الله أنفه أي ألصقه بالتراب.

وكان محمد الأمين أشد انهماكاً في الصيد وأحرص عليه من كل من تقدمه. وأكثر طرد أبي نواس معمول في جوارح محمد وضواريه مثل قوله:

فأمتع الله به الأميراربي ولا زال به مسرورا

ثم كان المعتصم أكثرهم محالفة للصيد، وأخفهم فيه ركاباً لتوفر همته على الفروسية وما شاكلها، ودخل في بابها، وأكثر مباشرة ذلك بنفسه.

ثم كان المعتضد كالمعتصم في أكثر أموره ومآربه، وأشبه به من سائر (أهل) بيته وبنيه من الخلفاء لمباشرة الحرب والصيد وما أشبههما، ولم يكن ينفك من حرب إلا إلى صيد، ولا من صيد إلا إلى حرب، وكان يخرج لصيد الأسد، فيخيم عليها حتى لا يبقى منها باقية، أخبر عنه نجبة ابن علي نديمه قال: كان يقول كثيراً لما بني (الثريا) أتعلم أن بناءً من ابنية الخلفاء يشبه هذا البناء أو يعادله في محل أو موقع؟ أما تراني قاعداً على سريري، يعرض عليّ وزيري، ويُصاد بين يدي صيد البر

والبحر، وكأني في وسط المتصيد. وما أشبّه ما وقع له من ذلك إلا بقول القائل:

يا حبذا السفح سفح المرج والواديوحبذا أهله من رائح غادي
تزقي فرافيره والعيس واقفةوالضب والنون والملاح والحادي

ولي في نحو هذا المعنى، وكنا نخرج للصيد بمصر في موضع يعرف بدير القُصير، منيف على ذروة جبل المقطم، مطل على النيل، فهو سهلي جبلي بحري:

سلام على دير القُصَير وسفحهفجنَّات حلوان إلى النّخَلاتِ
للشاعر كشاجم، من قصيدة «سلام على دير القصير وسفحه»
منازل كانت لي بهن مآربوكن مواخيري ومنتزهاتي
للشاعر كشاجم، من قصيدة «سلام على دير القصير وسفحه»
إذا جئتها كان الجياد مراكبيومنصرفي في السفن منحدرات
للشاعر كشاجم، من قصيدة «سلام على دير القصير وسفحه»
فأقنص بالأسحار وحشيّ عينهاواقتنص الأنسي في الظلمات
معي كل بسام أغر مهذبعلى كل ما يهوى النديم مؤاتي
ولُحمان مما امسكته كلابناعلينا ومما صيد بالشبكات
للشاعر كشاجم، من قصيدة «سلام على دير القصير وسفحه»
وكأس وابريق ونادي ومزهروساق غرير فاتر اللحظات
كأن قضيب البان عند اهتزازهتعلم من أعطافه الحركات
للشاعر كشاجم، من قصيدة «سلامٌ على دَيْرِ القصيرِ وسُجْفِهِ»
هنالك تصفو لي مشارب لذتيوتصحب أيام السرور حياتي
للشاعر كشاجم، من قصيدة «سلام على دير القصير وسفحه»

ولم يتأخر المكتفي عن (مثل) مذهبه في الصيد، إلا أنه كان أكثر ما يدمنه الصيد بالفهد والعُقاب، هما سَبُعا الضواري والجوارح، ويباشر ذلك بنفسه، ويمتهنها فيه، لشدة الشغف به والارتياح إليه، أخبرني بذلك شهرام وكان خصيصاً به لمعرفته وحسن أدبه. وأخبرني بمثله أبو بكر محمد بن يحيى الصولي. وأخبرني من رآه بظاهر إنطاكية منصرفة مع المعتضد عند أخذه وصيفاً الخادمَ والفهدُ رديفه، وقد التمسه أهلها، للسلام عليه بعد تسليمهم على أبيه، فوجدوه على تلك الحال غير محتشم (منها وانصرفت عنايته إلى الخيل) وكان جمعها واقتناؤها (ومداومة ركوبها) أكبر همة ولذته، ولم يشغف بالصيد ذلك الشغف.

صفة البواشق

وذكر ألوانها وشياتها وأوزانها وصفة الفاره منها

فالأحمر الأسود الظهر جيد صبور على الكد، والأحمر الظهر والبطن رخو ماله جلَد، والأخضر العريض القطب صلب على المواكب. ومنها الأخضر المبرديّ الشية والاسبهرج الذي يشبه لون البزاة، ومنها الأصفر. وأكثر ما رأيناه من أوزانها مائة وثلاثون درهماً وأقله خمسة وتسعون درهماً، وما رأينا منها كبيراً فارهاً والفاره منها الأوسط، وهو افره ما رأيناه ولعبنا به، ولم نصف ما للناس، وإنما ما عندنا وفي ملكنا وصدنا به.

النص من طبعة المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البيزرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.