تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

إفهام من الفتى وفهم من المنصور

وعلى ذكر عاتكة بنت يزيد، قال المدائني: لما حج أبو جعفر المنصور قال للربيع: ابغني فتى من أهل المدينة أديباً ظريفاً عالماً بقديم ديارها، ورسوم آثارها فقد بعد عهدي بديار قومي، وأريد الوقوف عليها؛ فالتمس له الربيع فتىً من أعلم الناس بالمدينة، وأعرفهم بظريف الأخبار، وشريف الأشعار؛ فعجب المنصور منه؛ وكان يسايره أحسن مسايرة، ويحاضره أزين محاضرة، ولا يبتدئه بخطاب إلا على وجه الجواب؛ فإذا سأله أتى بأوضح دلالة، وأفصح مقالة؛ فأعجب به المنصور غاية الإعجاب، وقال للربيع: ادفع إليه عشرة آلاف درهم؛ وكان الفتى مملقاً مضطراً؛ فتشاغل الربيع عنه واضطرته الحاجة إلى الاقتضاء، فاجتاز مع المنصور بدار عاتكة؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ هذا بيت عاتكة بنت يزيد بن معاوية الذي يقول فيه الأحوص بن محمد:

يا بيت عاتكة الذي أتعزّلحذر العدا وبه الفؤاد موكّل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا بيت عاتكة الذي أتعزل»

فقال المنصور: ما هاج منه ما ليس هو طبعه: من أن يخبر بما لم يستخبر عنه، ويجيب بما لم يسأل عنه؟ ثم أقبل يردد أبيات القصيدة في نفسه إلى أن بلغ إلى آخرها وهو:

وأراك تفعل ما تقول وبعضهممذق اللسان يقول ما لا يفعل

فدعا بالربيع وقال له: هل دفعت للمدني ما أمرنا له به؟ فقال: أخرته علة كذا يا أمير المؤمنين، قال: أضعفها له وعجلها.

وهذا أحسن إفهام من الفتى، وأدق فهم من المنصور، ولم أسمع في التعريض بألطف منه.

ولقول الأحوص هذا سبب ذكره عبد الله بن عبيدة بن عمار بن ياسر. قال: خرجت أنا والأحوص بن محمد مع عبد الله بن الحسن إلى الحج، فلما كنا بقديد قلنا لعبد الله بن الحسن: لو أرسلت إلى سليمان بن أبي دباكل الخزاعي، فأنشدنا من رقيق شعره؟ فأرسل إليه، فأنشدنا قصيدةً له يقول فيها:

يا بيت خنساء الذي أتجنّبذهب الزمان وحبّها لا يذهب
أصبحت أمنحت الصدود وإنماقسماً إليك مع الصدود لأجنب
ما لي أحنّ إذا جمالك قرّبتوأصدّ عنك وأنت مني أقرب
لله درّك هل إليك معوّللمتيّم أم هل لودّك مطلب؟
فلقد رأيتك قبل ذاك وإننيلموكّل بهواك لو يتجنّب
إذ نحن في الزمن الرجيّ وأنتممتجاورون، كلاكما لا يرقب
تبكي الحمامة شجوها فتهيجنيويروح عازب همّي وتخصب
وأرى السميّة باسمكم فيزيدنيشوقاً إليك سميّك المتقرب
وأرى العدو يودّكم فأودّهإن كان ينبىء عنك أو يتنسّب
وأحالف الواشين فيك تجمّلاًوهم عليّ ذوو ضغائن دوّب
ثم اتخذتهم عليّ وليجةًحتى غضبت ومثل ذلك يغضب

فلما كان من قابل حج أبو بكر بن عبد العزيز، فلما مر بالمدينة دخل عليه الأحوص بن محمد فاستصحبه ففعل. فلما خرج الأحوص قال له بعض من عنده: ما تريد بنفسك؟ تقدم الشام بالأحوص وفيها من تبعك من بني أبيك وهو من السفه على ما علمت! فلما رجع أبو بكر من الحج دخل عليه الأحوص منتجزاً ما وعده من الصحابة، فدعا له بمائة دينار وأثواب وقال: يا خال؛ إني نظرت فيما ضمنت لك من الصحابة، فكرهت أن أهجم بك على أمير المؤمنين. فقال الأحوص: لا حاجة لي بعطيتك، ولكني سعيت عندك، ثم خرج، فأرسل عمر بن عبد العزيز إلى الأحوص وهو أمير المدينة فلما دخل عليه أعطاه مائة دينار وكساه ثياباً، ثم قال له: يا خال؛ هب لي عرض أخي، قال: هو لك، ثم خرج الأحوص وهو يقول في عروض قصيدة سليمان بن أبي دباكل يمدح عمر:

يا بيت عاتكة الذي أتعزّلحذر العدا وبه الفؤاد موكّل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا بيت عاتكة الذي أتعزل»
هل عيشنا بك في زمانك راجعٌفلقد تفاحش بعدك المتعلّل
أصبحت أمنحك الصدود وإننيقسماً إليك مع الصدود لأميل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا بيت عاتكة الذي أتعزل»
فصددت عنك وما صددت لبغضةأخشى مقالة كاشحٍ لا يغفل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا بيت عاتكة الذي أتعزل»
وتجنّبي بيت الحبيب أزورهأرضي البغيض به حديثٌ معضل
إنّ الزمان وعيشنا ذاك الذيكنّا بلذّته نسرّ ونجذل
ذهبت بشاشته وأصبح ذكرهأسفاً يعلّ به الفؤاد وينهل

حتى انتهى إلى قوله:

فسموت عن أخلاقهم وتركتهملنداك، إنّ الحازم المتوكّل
ووعدتني في حاجتي فصدقتنيووفيت إذ كذبوا الحديث وبدّلوا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «زايلت ما صنعوا إليك برحلة»
ولقد بدأت أريد ودّ معاشرٍوعدوا مواعد أُخلفت إذ حصّلوا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يبكي لما قلب الزمان جديده»
حتى إذا رجع اليقين مطامعييأساً وأخلفني الذين أؤمّل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يبكي لما قلب الزمان جديده»
زايلت ما صنعوا إليك برحلةعجلى وعندك عنهم المتحوّل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «زايلت ما صنعوا إليك برحلة»
وأراك تفعل ما تقول، وبعضهممذق الحديث يقول ما لا يفعل
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «زايلت ما صنعوا إليك برحلة»

فقال عمر بن عبد العزيز: ما أراك أعفيتني مما استعفيك.

والأحوص وإن كان ممن أغار على قصيدة سليمان، فقد أربى عليه في الإحسان، وكان كما قال ابن المرزبان؛ وقد أنشد لابن المعتز قصيدته في مناقضة ابن طباطبا العلوي التي أولها:

دعوا الأُسد تكنس في غابهاولا تدخلوا بين أنيابها

قال: قد أخذه من قول بعض العباسيين:

دعوا الأسد تسكن أغيالهاولا تقربوها وأشبالها

أخذ ساجاً ورده عاجاً، وغل قطيفة، ورد ديباجاً.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.