تجاوز إلى المحتوى

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

ومن ملح النوادر

قال الجاحظ: سمعت رجلاً يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقاً. قال: وأي شيء الزنديق؟ قال: الذي يقطع المزيقة. قلت: وكيف علمت أنه يقطع المزيقة؟ قال: رأيته يأكل التين بالخل.

وهذا كما قال النظام لرجل: أتعرف فلاناً المجوسي؟ قال: أعرفه، ذاك الذي يحلق وسط رأسه مثل اليهود. قال: لا مجوسياً عرفت ولا يهودياً وصفت.

باع مزيد المديني دابة، فلما كان من الغد أتاه النخاسون طمعاً، فلما نظر إليهم قد أقبلوا نحوه قام يصلي فأطال الصلاة، فقالوا له وهم لا يعفرونه: يا عبد الله؛ قد ذهب يومنا، فأطمعهم طول قيامه، وكان أحسن الناس سمتاً وأظهرهم هدياً، فانفتل من صلاته فقال: ما بالكم؟ فقد قطعتم علي صلاتي. فقالوا له: قد ظهر بالدابة عيب. قال: وما عيبه قالوا: يخلع الرسن. قال: لا أعرفه بهذه الصفة؛ فماذا تريدون؟ قالوا: خصلة من ثلاث؛ إما الحطيطة، وإما رد الثمن وأخذ الدابة، وإما اليمين بالله أنك ما تعرف هذا فيه.

فقال: أما الثمن فقد فرقناه، وأما الحطيطة فما تمكننا، وأما اليمين فإني ما حلفت قط على حق ولا على باطل، فاعفوني منها؛ فإنها أصعب الخطط عندي. قالوا: ما من ذلك بد؛ فانطلق بنا إلى الوالي. فقام معهم، فلما بصر به الوالي ضحك، وقال: ما جاء بك أبا إسحاق؟ فقص عليه القصة. فقال: قد أنصفك القوم. فقال: أعز الله الأمير، أحلف وأنا في هذه السن، وضرب يده على لحيته وبكى. وقال: ما حلفت على حق ولا على باطل والتوى. قال: لا بد، فالتوى ساعة؛ ثم قال: أصلح الله الأمير فإن حملت نفسي على اليمين وحلفت وأعنتوني بعد؟ قال: أوجعهم ضرباً، وأحبسهم. فلما سمع ذلك استقبل القبلة وقال: بلغت السماء، وكورت الشمس، ونثرت الكواكب، وشربت البحر، ولطعت ما في المصحف من الذكر الحكيم، وتوليت عاقر الناقة، وسرقت عصا موسى ﵇، ولقيت الله بذنب فرعون يوم قال: أنا ربكم الأعلى؛ وغير ذلك من محرج الأيمان، لقد كان عندي دواب كلها تخلع أرسانها، فكان هذا الحمار يقوم فيعديها عليها ويصلحها بفمه قليلاً قليلاً. فضحك الوالي حتى فحص برجليه، وبهت النخاسون، وعجبوا منه وانصرفوا عنه.

وقال بعض الشعراء:

سألوني اليمين فارتعت منهاكي يغرّوا بذلك الارتياع
ثم أرسلتها كمنحدر السيل تهادى من المحلّ اليفاع
للشاعر المنازي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جمع الجواهر في الملح والنوادر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.