تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر بعض المشاهد الكريمة بخارج المدينة الشريفة

فمنها بقيع الغرقد، وهو بشرقي المدينة المكرمة، ويُخْرَج إليه على باب يُعْرَف بباب البقيع، فأول ما يَلْقى الخارج إليه على يساره عند خروجه من الباب قبر صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنهما، وهي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، وأم الزبير بن العوام رضي الله عنه، وأمامها قبر إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه، وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء، وأمامه قبر السلالة الطاهرة المقدسة النبوية الكريمة إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا وعليه قبة بيضاء، وعن يمينها تربة عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهو المعروف بأبي شحمة، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه، وقبر عبد الله بن ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما، وبإزائهم روضة يُذْكَر أن قبور أمهات المؤمنين بها رضي الله عنهن، ويليها روضة فيها قَبْرُ العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وهي قبة ذاهبة في الهواء بديعة الإحكام عن يمين الخارج من باب البقيع، ورأس الحسن إلى رجلي العباس عليهما السلام، وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح بديعة الإلصاق مرصعة بصفائح الصفر البديعة العمل، وبالبقيع قبور المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة رضي الله عنهم، إلا أنها لا يُعْرَف أكثرها، وفي آخر البقيع قبر أمير المؤمنين أبي عمر عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعليه قبة كبيرة، وعلى مقربة منه قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب رضي الله عنها وعن ابنها.

ومن المشاهد الكريمة قباء، وهو قبلي المدينة على نحو ميلين منها، والطريق بينهما في حدائق النخل، وبه المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى والرضوان، وهو مسجد مربع فيه صومعة بيضاء طويلة تَظْهَر على البعد وفي وسطه مبرك الناقة بالنبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا يتبرك الناس بالصلاة فيه، وفي الجهة القبلية من صحنه محراب على مسطبة هو أول موضع رَكَعَ فيه النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا، وفي قبلي المسجد دار كانت لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ويليها دور تُنْسَب لأبي بكر وعمر وفاطمة وعائشة رضي الله عنهم، وبإزائه بئر أريس، وهي التي عاد ماؤها عذبًا لما تَفُلَ فيه النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا بعد أن كان أجاجًا، وفيها وَقَعَ الخاتم الكريم من عثمان رضي الله عنه، ومن المشاهد قبة حجر الزيت بخارج المدينة الشريفة، يقال: إن الزيت رشح من حجر هنالك للنبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا، وإلى جهة الشمال منه بئر بضاعة، وبإزائها جبل الشيطان حيث صَرَخَ يوم أحد وقال: قُتِلَ نبيكم، وعلى شفيرِ الخندقِ الذي حَفَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا عند تَحَزُّب الأحزاب حِصْنٌ خرب يُعْرَف بحصن العزاب، يقال: إن عمر بناه لعزاب المدينة، وأمامه إلى جهة الغرب بئر رومة التي اشترى أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه نِصْفها بعشرين ألفًا.

ومن المشاهد الكريمة أُحُد، وهو الجبل المُبَارَك الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا: «إن أحدًا جبل يُحِبُّنا ونُحِبُّه»، وهو بجوار المدينة الشريفة على نحو فرسخ منها، وبإزائه الشهداء المكرمون رضي الله عنهم، وهنالك قبر حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا ورضي الله عنه، وحوله الشهداء المستشهدون في أحد رضي الله عنهم، وقبورهم لقبلي أحد، وفي طريق أحد مسجد يُنْسَب لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومسجد يُنْسَب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه، ومسجد الفتح حيث أُنْزِلَت سورة الفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، وكانت إقامتنا بالمدينة الشريفة في هذه الوجهة أربعة أيام، وفي كل ليلة نبيت بالمسجد الكريم والناس قد حلقوا في صحنه حلقًا وأوقدوا الشمع الكثير وبينهم ربعات القرآن الكريم يتلونه وبعضهم يَذْكُرون الله وبعضهم في مشاهدة التربة الطاهرة — زادها الله طيبًا — والحداة بكل جانب يترنمون بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، وهكذا دَأَبَ الناس في تلك الليالي المباركة ويجودون بالصدقات الكثيرة على المجاورين والمحتاجين، وكان في صحبتي في هذه الوجهة من الشام إلى المدينة الشريفة رجل من أهلها فاضل يُعْرَف بمنصور بن شكل وأضافني بها واجتمعنا بعد ذلك بحلب وبخارى، وكان في صحبتي أيضًا قاضي الزيدية شرف الدين قاسم بن سنان، وصَحِبَنِي أيضًا أحد الصلحاء الفقراء من أهل غرناطة يُسَمَّى ب «عَلِيِّ بن حجر الأموي».

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.