من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر المجاورين بالمدينة الشريفة: حكاية
جَاوَرَ الشيخ أبو مهدي بمكة سنة ثمانٍ وعشرين وخرج إلى جبل حراء مع جماعة من المجاورين، فلما صعدوا الجبل ووصلوا لمتعبَّد النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا ونزلوا عنه تَأَخَّرَ أبو مهدي عن الجماعة، ورأى طريقًا في الجبل فظَنَّه قاصرًا، فسلك عليه ووصل أصحابه إلى أسفل الجبل، فانتظروه فلم يأتِ فتَطَلَّعُوا فيما حولهم فلم يَرَوْا له أثرًا، فظنوا أنه سبقهم فمضوا إلى مكة شرفها الله تعالى، ومَرَّ عيسى على طريقه فأفضى به إلى جَبَل آخر وتاه عن الطريق وأَجْهَدَهُ العطش والحر وتمزقت نعله، فكان يقطع من ثيابه ويلف على رجليه إلى أن ضَعُفَ عن المشي واستظل بشجرة أم غيلان، فبعث الله أعرابيًّا على جَمَلٍ حتى وَقَفَ عليه فأَعْلَمَهُ بحاله فأركبه وأوصله إلى مكة وكان على وسطه هميان فيه ذَهَبٌ فسلمه إليه وأقام نحو شهر لا يستطيع القيام على قدميه وذَهَبَتْ جلدتهما ونبتَتْ لهما جلدة أخرى، وقد جرى مثل ذلك لصاحب لي أَذْكُرُه إن شاء الله، ومن المجاورين بالمدينة الشريفة أبو محمد الشروي من القراء المحسنين، وجاوَرَ بمكة في السنة المذكورة، وكان يقرأ بها كتاب الشفاء للقاضي عياض بعد صلاة الظهر وأَمَّ في التراويح بها. ومن المجاورين الفقيه أبو العباس الفاسي مدرس المالكية بها، وتزوَّجَ ببنت الشيخ الصالح شهاب الدين الزرندي.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع