من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر ابتداء بناء المسجد الكريم
قَدِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا المدينة الشريفة دار الهجرة يوم الإثنين الثالث عشر من شهر ربيع الأول، فنزل على بني عمرو بن عوف، وأقام عندهم ثنتين وعشرين ليلة، وقيل: أربع عشرة ليلة، وقيل: أربع ليال، ثم تَوَجَّهَ إلى المدينة فنزل على بني النجار بدار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وأقام عنده سبعة أشهر حتى بنى مساكنه ومَسْجِدَه، وكان موضع المسجد مربدًا لِسَهْلٍ وسُهَيْلٍ ابني رافع بن أبي عمر بن عاند بن ثعلبة بن غانم بن مالك بن النجار، وهما يتيمان في حجر أسعد بن زرارة رضي الله عنهم أجمعين، وقيل: كانا في حجر أبي أيوب رضي الله عنه، وقيل: إنهما وهباه لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، فبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا المسجد وعمل فيه مع أصحابه وجَعَلَ عليه حائطًا ولم يجعل له سقفًا ولا أساطين وجعله مربعًا طوله مائة ذراع وعَرْضُه مثل ذلك، وقيل: إن عرضه كان دون ذلك، وجعل ارتفاع حائطه قَدْر القامة، فلما اشتد الحر تَكَلَّمَ أصحابه في تسقيفه، فأقام له أساطين من جذوع النخل، وجَعَلَ سقفه من جريدها، فلما أمطرت السماء وكف المسجد فكلم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمله بالطين، فقال: «لا عريش كعريش موسى أو ظلة كظلة موسى والأمر أقرب من ذلك»، قيل: وما ظلة موسى؟ قال صلى الله عليه وسلم : «كان إذا قام أصاب السقف رأسه»، وجعل للمسجد ثلاثة أبواب ثم سَدَّ الجنوبي منها حين حُوِّلَت القبلة، وبقي المسجد على ذلك حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا وحياة أبي بكر رضي الله عنه.
فلما كانت أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه زاد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، وقال: لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا يقول: ينبغي أن نزيد في المسجد، ما زدت فيه، فأنزل أساطين الخشب وجَعَلَ مكانها أساطين اللبن، وجعل الأساس حجارة إلى القامة، وجعل الأبواب ستة منها في كل جهة ما عدا القبلة بابان، وقال في باب منها: ينبغي أن يُتْرَك هذا للنساء، فما ريء فيه حتى لقي الله عز وجل، وقال: لو زدنا في هذا المسجد حتى يبلغ الجبانة لم يزل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأراد عمر أن يُدْخِل في المسجد موضعًا للعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا ورضي الله عنهما فمنعه منه، وكان فيه ميزان يَصُبُّ في المسجد، فنَزَعَه عمر وقال: إنه يؤذي الناس، فنَازَعَهُ العباس وحَكَّمَا بينهما أبيَّ بن كعب رضي الله عنهما، فأتيا داره فلم يأذن لهما إلا بعد ساعة، ثم دخلا إليه فقال: كانت جاريتي تغسل رأسي، فذهب عمر ليتكلم فقال له أُبَيٌّ: دع أبا الفضل يتكلم لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، فقال العباس: خطة خطها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا وبنيتها معه وما وضعت الميزاب إلا ورجلاي على عاتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء عمر فطرحه وأراد إدخالها في المسجد، فقال أُبَيٌّ: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا يقول: «أراد داود عليه السلام أن يبني بيت الله المقدس، وكان فيه بيت ليتيمين فَرَاوَدَهُمَا على البيع فأَبَيَا، ثم رادهما فبَاعَاهُ ثم قَامَا بَالِغَيْنِ فرُدَّ البيع واشتراه منهما ثم رداه كذلك فاستعظم داود الثمن فأوحى الله إليه: إن كُنْتَ تعطي من شيء هو لك فأنت أعلم، وإن كنت تعطيهما من رِزْقِنا، فأَعْطِهِمَا حتى يَرْضَيَا، وإنَّ أغنى البيوت عن مَظْلَمَةٍ بيتٌ هو لي، وقد حَرَّمْتُ عليك بناءه، قال: يا رَبِّ فأَعْطِهِ سليمان فأعطاه سليمان عليه السلام.»
فقال عمر: من لي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا قاله، فخرج أُبَيٌّ إلى قوم من الأنصار فأثبتوا له ذلك، فقال عمر رضي الله عنه: أما إني لو لم أَجِدْ غَيْرَكَ أَخَذْتُ قَوْلَكَ، ولكنني أحببت أن أثبت، ثم قال للعباس رضي الله عنه: والله لا تَرِدُ الميزاب إلا وقدماك على عاتقي، ففعل العباس ذلك، ثم قال: أما إذا أثبتْتَ لي فهي صدقة لله، فهَدَمَهَا عمر وأَدْخَلَهَا في المسجد، ثم زاد فيه عثمان رضي الله عنه وبَنَاهُ بقوة وباشَرَهُ بنفسه، فكان يظل فيه نهاره، وبَيَّضَه وأَتْقَنَ محله بالحجارة المنقوشة ووَسَّعَه من جهاته إلا جهة الشرق منها، وجعل له سواري حجارة مثبتة بأعمدة الحديد والرصاص، وسقفه بالساج، وصَنَعَ له محرابًا، وقيل: إن مروان هو أول من بنى المحراب، وقيل: عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد، ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك، تولى ذلك عمر بن عبد العزيز، فوسَّعَه وحَسَّنَه وبَالَغَ في إتقانه وعَمِلَه بالرخام والساج المُذَهَّب، وكان الوليد بَعَثَ إلى ملك الروم: إني أريد أن أبني مسجد نبينا صلى الله عليه وسلم تسليمًا، فأَعِنِّي فيه، فبعث إليه الفَعَلَة وثمانين ألف مثقال من الذهب، وأَمَرَ الوليدُ بإدخال حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا فيه، فاشترى عمر من الدور ما زاده في ثلاث جهات من المسجد، فلما صار إلى القبلة امتنع عبيد الله بن عبد الله بن عمر من بَيْع دار حفصة وطال بينهما الكلام حتى ابتاعها عمر على أنَّ لهم ما بقي منها، وعلى أن يُخْرِجوا من باقيها طريقًا إلى المسجد وهي الخوخة التي في المسجد، وجَعَلَ عمر للمسجد أربع صوامع في أربعة أركانه، وكانت إحداها مُطِلَّة على دار مروان، فلما حج سليمان بن عبد الملك نَزَلَ بها فأطل عليه المؤذن حين الأذان، فأَمَرَ بهدمها، وجعل عمر للمسجد محرابًا، ويقال: هو من أَحْدَثَ المحراب.
ثم زاد في المهدي بن أبي جعفر المنصور وكان أبوهم بذلك ولم يُقْضَ له، وكتب إليه الحسن بن زيد يُرَغِّبه في الزيارة فيه من جهة الشرق ويقول: إنه إن زِيدَ في شرقيه تَوَسَّطَت الروضة الكريمة المسجد الكريم، فاتهمه أبو جعفر بأنه إنما أراد هَدْمَ دار عثمان رضي الله عنه، فكتب إليه: إني قد عَرَفْتُ الذي أردْتَ فاكْفُفْ عن دار عثمان، وأَمَرَ أبو جعفر أن يُظَلَّلَ الصحن أيام القيظ بستور تُنْشَر على حبال ممدودة على خشب تكون في الصحن لِتُكِنَّ المصلين من الحر، وكان طول المسجد في بناء الوليد مائتي ذراع، فبلغه المهدي إلى ثلاثمائة ذراع، وسوَّى المقصورة بالأرض، وكانت مرتفعة عنها بمقدار ذراعين، وكتب اسمه على مواضع من المسجد، ثم أَمَرَ الملك المنصور قلاوون ببناء دار للوضوء عند باب السلام، فتولى بناءها الأمير الصالح علاء الدين المعروف بالأقمر، وأقامها مُتَّسِعَة الفناء تستدير بها البيوت وأجرى إليها الماء، وأراد أن يبني بمكة — شَرَّفَها الله تعالى — مِثْلَ ذلك فلم يَتِمَّ له، فبناه ابنه الملك الناصر بين الصفا والمروة، وسيُذْكَر إن شاء الله، وقبلة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا قبلة قطع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم تسليمًا أقامها، وقيل: أقامها جبريل عليه السلام، وقيل: كان يشير جبريل له إلى سمتها وهو يقيمها، وروي أن جبريل عليه السلام أشار إلى الجبال فتَوَاضَعَتْ فتَنَحَّتْ حتى بَدَت الكعبة، فكان صلى الله عليه وسلم تسليمًا يبني وهو ينظر إليها عيانًا، وبكل اعتبار فهي قبلة قطع، وكانت القبلة أول ورود النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا المدينة إلى بيت المقدس، ثم حُوِّلَت إلى الكعبة بعد ستة عشر شهرًا، وقيل بعد سبعة عشر شهرًا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع