تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سماعي بدمشق وَمَنْ أجازني من أهلها

سمِعْتُ بجامع بني أمية — عمره الله بذكره — جميع صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري رضي الله عنه، على الشيخ المعمر رحلة الآفاق ملحق الأصاغر بالأكابر شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم بن حسن بن علي بن بيان الدين مقرئ الصالحي المعروف بابن الشحنة الحجازي في أربعة عشر مجلسًا، أولها يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان المعظم سنة ست وعشرين وسبعمائة، وآخرها يوم الإثنين الثامن والعشرين منه بقراءة الإمام الحافظ مؤرخ الشام علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي الإشبيلي الأصل الدمشقي، في جماعة كبيرة كتب أسماءهم محمد بن طغريل بن عبد الله بن الغزال الصيرفي، بسماع الشيخ أبي العباس الحجازي لجميع الكتاب من الشيخ الإمام سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن علي بن المسيح بن عمران الربيعي البغدادي الزبيدي الحنبلي، في أواخر شوال وأوائل ذي القعدة من سنة ثلاثين وستمائة بالجامع المظفري بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق، وبإجازته في جميع الكتاب من الشيخين أبي الحسن محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن الخلف القطيعي المؤرخ، وعلي بن أبي بكر بن عبد الله بن روبة القلانسي العطار البغدادي، ومن باب غيرة النساء ووجدهن إلى آخر الكتاب من أبي المنجا عبد الله بن عمر بن علي بن زيد بن اللتي الخزاعي البغدادي، بسماع أربعتهم من الشيخ سديد الدين أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم السجزي الهروي الصوفي، في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ببغداد، قال: أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الداودي قراءة عليه وأنا أسمع ببوشنج سنة خمس وستين وأربعمائة، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حوية بن يوسف بن أيمن السرخسي قراءة عليه وأنا أسمع في صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفربري قراءة عليه وأنا أسمع سنة ست عشرة وثلاثمائة بفربر، قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه سنة ثمانٍ وأربعين ومائتين بفربر، ومرة ثانية بعدها سنة ثلاث وخمسين، وممن أجازني من أهل دمشق إجازة عامة الشيخ أبو العباس الحجازي المذكور سبق إلى ذلك وتَلَفَّظَ لي به.

ومنهم الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي، ومولده في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وستمائة. ومنهم الشيخ الإمام الصالح عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن النجدي. ومنهم إمام الأئمة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزني الكلي حافظ الحفاظ. ومنهم الشيخ الإمام علاء الدين علي بن يوسف بن محمد بن عبد الله الشافعي، والشيخ الإمام الشريف محيي الدين يحيى بن محمد بن علي العلوي. ومنهم الشيخ الإمام المحدث مجد الدين القاسم بن عبد الله بن أبي عبد الله بن المعلي الدمشقي، ومولده سنة أربع وخمسين وستمائة. ومنهم الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن فلاح بن محمد الإسكندري. ومنهم الشيخ الإمام ولي الله تعالى شمس الدين بن عبد الله بن تمام، والشيخان الأخوان شمس الدين محمد وكمال الدين عبد الله ابنا إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي، والشيخ العابد شمس الدين محمد بن أبي الزهراء بن سالم الهكاري، والشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت محمد بن مسلم بن سلامة الحراني، والشيخة الصالحة رحلة الدنيا زينب بنت كمال الدين أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، كل هؤلاء أجازني إجازة عامة في سنة ست وعشرين بدمشق، ولما استهلَّ شوال من السنة المذكورة خَرَجَ الركب الحجازي إلى خارج دمشق ونزلوا القرية المعروفة بالكسوة، فأخَذْتُ في الحركة معهم، وكان أمير الركب سيف الدين الجوبان من كبار الأمراء، وقاضيه شرف الدين الأذرعي الحوراني، وحج في تلك السنة مدرس المالكية صدر الدين الغماري، وكان سفري مع طائفة من العرب تدعى العجارمة، أميرهم محمد بن رافع كبير القدر في الأمراء، وارتحلنا من الكسوة إلى قرية تُعْرَف بالصنمين عظيمة.

ثم ارتحلنا منها إلى بلدة زرعة، وهي صغيرة من بلاد حوران نزلنا بالقرب منها، ثم ارتحلنا إلى مدينة بصرى وهي صغيرة، ومن عادة الركب أن يقيم بها أربعًا لِيَلْحَقَ بهم من تَخَلَّفَ بدمشق لقضاء مآربه، وإلى بصرى وَصَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعث في تجارة خديجة، وبها مبرك ناقته قد بُنِيَ عليه مسجد عظيم، ويجتمع أهل حوران لهذه المدينة، ويتزود الحاج منها ثم يرحلون إلى بركة زيرة (زيرا) ويقيمون عليها يومًا ثم يرحلون إلى اللجون وبها الماء الجاري، ثم يرحلون إلى حصن الكرك، وهو من أعجب الحصون وأَمْنَعِها وأشهرها ويُسَمَّى بحصن الغراب، والوادي يطيف به من جميع جهاته، وله باب واحد قد نحت المدخل إليه في الحجر الصلد ومدخل دهليزه كذلك، وبهذا الحصن يَتَحَصَّن الملوك وإليه يَلْجَئُون في النوائب، وله لجأ الملك الناصر؛ لأنه وَلِيَ المُلْكَ وهو صغير السن، فاستولى على التدبير مملوكه سلار النائب عنه، فأظهر الملك الناصر أنه يريد الحج ووافقه الأمراء على ذلك فتَوَجَّهَ إلى الحج، فلما وَصَلَ عقبة أيلة لجأ إلى الحصن وأقام به أعوامًا إلى أن قَصَدَهُ أمراء الشام واجتمعت عليه المماليك، وكان قد ولي الملك في تلك المدة بيبرس الششنكير وهو أمير الطعام وتَسَمَّى بالملك المظفر، وهو الذي بنى الخانقاه البيبرسية بمقربة من خانقاة سعيد السعداء التي بناها صلاح الدين بن أيوب، فقصده الملك الناصر بالعساكر ففَرَّ بيبرس إلى الصحراء فتبعته العساكر وقُبِضَ عليه وأُتِيَ به إلى الملك الناصر، فأَمَرَ بقتله فقُتِلَ، وقُبِضَ على سلار وحُبِسَ في جُبٍّ حتى مات جوعًا، ويقال: إنه أكل جيفة من الجوع، نعوذ بالله من ذلك، وأقام الركب بخارج الكرك أربعة أيام بموضع يقال له: الثنية، وتجهزوا لدخول البرية، ثم ارتحلنا إلى معان وهو آخر بلاد الشام، ونزلنا من عقبة الصوان إلى الصحراء التي يقال فيها: داخِلُها مفقود وخارِجُها مولود، وبعد مسيرة يومين نزلنا ذات حج وهي حسيان لا عمارة بها، ثم إلى وادي بلدح ولا ماء به، ثم إلى تبوك وهو الموضع الذي غزاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها عين ماء كانت تَبِضُّ بشيء من الماء، فلما نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأ منها جادت بالماء المعين، ولم يَزَلْ إلى هذا العهد ببركة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومن عادة حجاج الشام إذا وصلوا منزل تبوك أخذوا أسلحتهم وجَرَّدُوا سيوفهم وحملوا على المنزل وضربوا النخيل بسيوفهم، ويقولون: هكذا دَخَلَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وينزل الركب العظيم على هذه العين فيروى منها جميعهم ويقيمون أربعة أيام للراحة وإرواء الجمال واستعداد الماء للبرية المخوفة التي بين العلا وتبوك، ومن عادة السقائين أنهم ينزلون على جوانب هذه العين ولهم أحواض مصنوعة من جلود الجواميس كالصهاريج الضخام يسقون منها الجمال ويملئون الروايا والقرب، ولكل أمير أو كبير حوض يَسْقِي منه جِمَاله وجِمَال أصحابه ويملأ رواياهم وسواهم من الناس يتفق مع السقائين على سقي جمله وملء قربته بشيء معلوم من الدراهم، ثم يرحل الركب من تبوك ويجدُّون السير ليلًا ونهارًا خوفًا من هذه البرية، وفي وسطها الوادي الأخيضر كأنه وادي جهنم — أعاذنا الله منها — وأصاب الحجاج به في بعض السنين مشقة بسبب ريح السموم التي تهبُّ فانتشفت المياه وانتهت شربة الماء إلى ألف دينار ومات مشتريها وبائعها، وكتب ذلك في بعض صخر الوادي، ومن هنالك ينزلون بركة المعظم وهي ضخمة نسبتها إلى الملك المعظم من أولاد أيوب ويجتمع بها ماء المطر في بعض السنين وربما جَفَّ في بعضها، وفي الخامس من أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر حجر ثمود، وهي كثيرة الماء، ولكن لا يَرِدُها أحدٌ من الناس مع شدة عطشهم؛ اقتداءً بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بها في غزوة تبوك فأسرع براحلته وأَمَرَ أن لا يسقى منها أحد، ومن عَجَنَ به أَطْعَمَهُ الجمال، وهنالك ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر منحوتة لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت، إن في ذلك لعبرة، ومبرك ناقة صالح عليه السلام بين جبلين هنالك وبينهما إثر مسجد يصلي الناس فيه، وبين الحجر والعلا نصف يوم أو دونه، والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة، يقيم بها الحجاج أربعًا يتزودون ويغسلون ثيابهم ويدعون بها ما يكون عندهم من فَضْل زاد ويستصحبون قَدْر الكفاية، وأهل هذه القرية أصحاب أمانة وإليها ينتهي تجار نصارى الشام لا يَتَعَدَّوْنها ويبايعون الحجاج بها الزاد وسواه، ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غدر حيلهم الوادي المعروف بالعطاس، وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة، هبت بعض السنين على الركب فلم يَخْلُص منهم إلا اليسير، وتُعْرَف تلك السنة سنة الأمير الجالقي، ومنه ينزلون هدية وهي حسيان ماء بوادٍ يحفرون به فيخرج الماء وهو زعاق، وفي اليوم الثالث ينزلون بظاهر البلد المقدس الكريم الشريف.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.