من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر قاسيون ومشاهده المباركة
وقاسيون جبل في شمال دمشق والصالحية في سفحه وهو شهير البركة؛ لأنه مصعد الأنبياء عليهم السلام، ومن مشاهده الكريمة الغار الذي وُلِدَ فيه إبراهيم الخليل عليه السلام، وهو غار مستطيل ضيق عليه مسجد كبير وله صومعة عالية، ومن ذلك الغار رأى الكوكبَ والقمرَ والشمسَ حسبما وَرَدَ في الكتاب العزيز، وفي ظَهْر الغار مقامه الذي كان يخرج إليه، وقد رأيت ببلاد العراق قرية تُعْرَف ببرص (بضم الباء الموحدة وآخرها صاد مهمل) ما بين الحلة وبغداد، يقال: إن مولد إبراهيم عليه السلام كان بها، وهي بمقربة من بلد ذي الكفل عليه السلام وبها قبره، ومن مشاهده بالغرب منه مغارة الدم وفوقها بالجبل دم هابيل بن آدم عليه السلام، وقد أبقى الله منه في الحجارة أثرًا محمرًّا، وهو الموضع الذي قَتَلَهُ أخوه به واجتره إلى المغارة، ويُذْكَر أن تلك المغارة صلى فيها إبراهيم وموسى وعيسى وأيوب ولوط صلى الله عليهم أجمعين، وعليها مسجد مُتْقَن البناء يُصْعَد إليه على دَرَج وفيه بيوت ومرافق للسكنى، ويُفْتَح في كل يوم اثنين وخميس، والشمع والسرج تُوقَد في المغارة، ومنها كَهْف بأعلى الجبل يُنْسَب لآدم عليه السلام، وعليه بناء، وأسفل منه مغارة تُعْرَف بمغارة الجوع، يُذْكَر أنه آوى إليها سبعون من الأنبياء عليهم السلام، وكان عندهم رغيف فلم يَزَلْ يدور عليهم وكُلٌّ منهم يُؤْثِر صاحبه به حتى ماتوا جميعًا صلى الله عليهم، وعلى هذه المغارة مسجد مبنيٌّ والسرج تُوقَد به ليلًا ونهارًا، ولكل مسجد من هذه المساجد أوقاف كثيرة معينة، ويُذْكَر أن فيما بين الفراديس وجامع قاسيون مدفن سبعمائة نبي، وبعضهم يقول: سبعين ألفًا، وخارج المدينة المقبرة العتيقة، وهي مدفن الأنبياء والصالحين، وفي طرفها مما يلي البساتين أرض منخفضة غلب عليها الماء يقال: إنها مدفن سبعين نبيًّا، وقد عادت قرارًا للماء ونزهت من أن يُدْفَن فيها أحد.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع