من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر مدارس دمشق: حكاية
كان بدمشق الشيخ الصالح ظهير الدين العجمي، وكان سيف الدين تنكيز ملك الأمراء يتتلمذ له ويُعَظِّمه، فحضر يومًا بدار العدل عند ملك الأمراء، وحضر القضاة الأربعة، فحكى قاضي القضاة جمال الدين بن جملة حكايةً، فقال له ظهير الدين: كَذَبْتَ، فأنف القاضي من ذلك وامتعض له، فقال للأمير: كيف يُكَذِّبُني بحضرتك؟ فقال له الأمير: احكم عليه، وسَلَّمَهُ إليه وظَنَّه أنه يرضى بذلك فلا يناله بسوء، فأحضره القاضي بالمدرسة العادلية وضَرَبَهُ مائتي سوط، وطِيفَ به على حمار في مدينة دمشق، ومنادٍ ينادي عليه، فمتى فَرَغَ من ندائه ضَرَبَهُ على ظهره ضربة، وهكذا العادة عندهم، فبلغ ذلك ملك الأمراء فأنكره أشد الإنكار، وأحضر القضاة والفقهاء، فأجمعوا على خطأ القاضي وحُكْمه بغير مذهبه، فإن التعزير عند الشافعي لا يبلغ به الحد، وقال قاضي القضاة المالكية شرف الدين: قد حَكَمْت بتفسيقه، فكتب إلى الملك الناصر بذلك فعَزَلَهُ.
وللحنفية مدارس كثيرة، وأكبرها مدرسة السلطان نور الدين، وبها يحكم قاضي القضاة الحنفية، وللمالكية بدمشق ثلاث مدارس، إحداها الصمصامية، وبها سَكَنَ قاضي القضاة المالكية وقعوده للأحكام، والمدرسة النورية، عَمَرَها السلطان نور الدين محمود بن زنكي، والمدرسة الشرابشية، عمرها شهاب الدين الشرابشي التاجر، وللحنابلة مدارس كثيرة، أعظمها المدرسة النجمية.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع