من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية أدهم: حكاية (٣)
أخبرني بعض الصالحين الذين لقيتهم به، قال: كنا بهذا الجبل مع جماعة من الفقراء أيام البرد الشديد، فأوقدنا نارًا عظيمة وأحدَقْنا بها، فقال بعض الحاضرين: يصلح لهذه النار ما يشوى فيها، فقال أحد الفقراء ممن تزدريه الأعين ولا يُعْبأ به: إني كنت عند صلاة العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم، فرأيت بمقربة منه حمار وحْش قد أَحْدَقَ الثلج به من كل جانب، وأظنه لا يقدر على الحراك، فلو ذَهَبْتُم إليه لَقَدَرْتُم عليه وشويتم لحمه في هذه النار، قال: فقمنا إليه في خمسة رجال فلقيناه كما وصف إلينا، فقبضناه وأتينا به أصحابنا وذبحناه وشوينا لحمه في تلك النار، وطلبنا الفقير الذي نَبَّهَ عليه فلم نَجِدْهُ ولا وَقَعْنَا له على أَثَرٍ، فطال عَجَبُنا منه، ثم وَصَلْنا من جبل لبنان إلى مدينة بعلبك، وهي حسنة قديمة من أطيب مدن الشام تحدق بها البساتين الشريفة والجنات المنيفة، وتخترق أرضها الأنهار الجارية، وتضاهي دمشق في خيراتها المتناهية، وبها من حب الملوك ما ليس في سواها، وبها يُصْنَع الدِّبس المنسوب إليها، وهو نوع من الرُّب يصنعونه من العنب، ولهم تربة يضعونها فيه فيجمد وتُكْسَر القلة التي يكون بها فيبقى قطعة واحدة، وتُصْنَع منه الحلواء ويُجْعَل فيها الفستق واللوز ويسمونها حلواء بالملبن ويسمونها أيضًا بجلد الفرس، وهي كثيرة الألبان وتُجْلَب منها إلى دمشق، وبينهما مسيرة يوم للمجد، وأما الرفاق فيخرجون من بعلبك فيبيتون ببلدة صغيرة تُعْرَف بالزبداني كثيرة الفواكه ويغدون منها إلى دمشق، ويصنع ببعلبك الثياب المنسوبة إليها من الإحرام وغيره، ويُصْنَع بها أواني الخشب وملاعقه التي لا نظير لها في البلاد، وهم يُسَمُّون الصحاف بالدسوت، وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صحفة أخرى تَسَعُ في جوفها وأخرى في جوفها إلى أن يبلغوا العشرة يُخَيَّل لرائيها أنها صحفة واحدة، وكذلك الملاعق يصنعون منها عشرة واحدة في جوف واحدة يصنعون لها غشاء من جلد ويمسكها الرجل في حزامه، وإذا حضر طعامًا مع أصحابه أخرج ذلك، فيظن رائيه أنها ملعقة واحدة، ثم يخرج من جوفها تسعة.
وكان دخولي لبعلبك عشية النهار، وخَرَجْتُ منها بالغدو لفرط اشتياقي إلى دمشق، ووصَلْتُ يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين إلى مدينة دمشق الشام، فنزلْتُ منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية، ودمشق هي التي تَفْضُل جميع البلاد حُسْنًا وتَتَقَدَّمُها جمالًا، وكل وَصْف وإن طال فهو قاصر عن محاسنها، ولا أبدع مما قاله أبو الحسين بن جبير رحمه الله تعالى في ذِكْرها، قال: وأما دمشق فهي جنة المشرق، ومَطْلع نورها المُشرق، وخاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها، وعروس المدن التي اجتليناها، قد تَحَلَّتْ بأزاهير الرياحين، وتَجَلَّتْ في حلل سندسية من البساتين، وحَلَّتْ موضع الحُسْن بالمكان المكين، وتزينَتْ في منصتها أَجْمَلَ تزيين، وتشرفَتْ بأن آوى المسيح عليه السلام وأمه منها إلى ربوة ذات قرار ومعين، ظل ظليل، وماء سلسبيل، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل، تتبرج لناظريها بمجتلًى صقيل، وتناديهم: هَلُمُّوا إلى معرس للحُسْن ومَقِيل، وقد سئمتْ أرضُها كثرة الماء، حتى اشتاقت إلى الظماء، فتكاد تناديك بها الصم الصلاب، ارْكُضْ برجْلِك هذا مغتسل بارد وشراب، وقد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر، وامتدت بشرقيِّها غوطتها الخضراء امتداد البصر، وكل موضع لحظت بجهاتها الأربع نضْرَتَه اليانعة قيد البصر، ولله صِدْق القائلين عنها: إن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها، وإن كانت في السماء فهي تساميها وتحاذيها، قال ابن جزي وقد نَظَمَ بعض شعرائها في هذا المعنى، فقال (خفيف):
إن تَكُنْ جنةُ الخلودِ بأرضٍفدمشق ولا تكون سِوَاهَا
أو تَكُنْ في السماء فهْي عَلَيْهَاقد أَبَدَّتْ هواءها وهواها
بلد طيب ورب غفورفاغتنمها عشيةً وضحاها
وذكرها شيخنا المحدث الرحَّال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر بن حسان القيسي الوادي أشي نزيل تونس، ونص كلام ابن جبير، ثم قال: ولقد أَحْسَنَ فيما وَصَفَ منها وأجاد، وتَوَّقَ الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد، هذا وإن لم تكن له بها إقامة، فيُعْرِب عنها بحقيقة علامة، ولا وصف ذهبيات أصيلها، وقد حان من الشمس غروبها، ولا أزمان جفولها المنوعات، ولا أوقات سرورها المنبهات، وقد اختص من قال: أَلْفَيْتُها كما تصف الألسن، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، قال ابن جزي: والذي قالَتْه الشعراء في وَصْف محاسن دمشق لا يُحْصَر كَثْرَةً، وكان والدي رحمه الله كثيرًا ما يُنْشِد في وَصْفها هذه الأبيات، وهي لشرف الدين بن محسن رحمه الله تعالى (طويل):
دمشق بنا شَوْقٌ إليها مبرحوإن لَجَّ واشٍ أو أَلَحَّ عذولُ
بلاد بها الحصباء دُرٌّ وتربهاعبير وأنفاس الشمال شمولُ
تَسَلْسَلَ فيها ماؤها وهْو مطلقوصح نسيم الروض وهْو عليل
وهذا من النمط العالي من الشعر، وقال فيها عرقلة الدمشقي الكلبي (كامل):
الشام شامةُ وَجْنَةِ الدنيا كماإنسانُ مُقْلَتِها الغضيضة جلق
من آسها لَكَ جنة لا تنقضيومن الشقيق جهنم لا تحرق
وقال أيضًا فيها:
أما دمشق فجنات معجلةللطالبين بها الولدان والحورُ
ما صاح فيها على أوتاره قمرٌإلا يغنيه قمريٌّ وشحرورُ
يا حبذا ودروع الماء تنسجهاأنامل الريح إلا أنها زورُ
وله فيها أشعار كثيرة سوى ذلك، وقال فيها أبو الوحش سبع بن خلف الأسدي (رجز):
سقى دمشق الله غيثًا محسنًامن مستهل ديمة دهاقها
مدينة ليس يضاهى حسنهافي سائر الدنيا ولا آفاقها
تَوَدُّ زوراء العراق أنهامنها ولا تعزى إليَّ عراقها
فأرضها مثل السماء بهجةوزهرها كالزهر في إشراقها
نسيم روضها متى ما قد سرىفَكَّ أخا الهموم من وثاقها
قد رتع الربيع في ربوعهاوسيقت الدنيا إلى أسواقها
لا تسأم العيون والأنوف منرؤيتها يومًا ولا استنشاقها
ومما يناسب هذا للقاضي الفاضل عبد الرحمن البيساني فيها من قصيدة، وقد نُسِبَتْ أيضًا لابن المنير (كامل):
يا برق هل لكَ في احتمال تحيةعَذُبَتْ فصارت مثل مائك سَلْسَلَا
باكِرْ دمشق بمشق الحيازهر الرياض مرصعًا ومُكَلَّلَا
واجرر بجيرون ذيولك واخْتَصِصْمغنًى تأَزَّرَ بالعلا وتَسَرْبَلَا
حيث الحيا الربعي محلول الحباوالوابل الربعي مفري الكلَا
وقال فيها أبو الحسن علي بن موسى بن سعد العنسي الغرناطي المدعو نور الدين (بسيط):
دمشقُ مَنْزِلُنا حيث النعيم بَدَامكملًا وهْو في الآفاق مختصرُ
القصْب راقصة والطير صادحةوالزَّهْر مرتفعٌ والماء مُنْحَدِرُ
وقد تَجَلَّتْ من اللذات أَوْجُهُهَالكنها بظلال الدَّوْح تَسْتَتِرُ
وكل وادٍ به موسى يُفَجِّرُهوكل روضٍ على حافاته الخُضَرُ
وقال أيضًا فيها:
خَيِّمْ بجلق بين الكأس والوترِفي جنة هي ملء السمع والبصرِ
ومَتِّعِ الطرف في مرأى محاسنهورَوِّض الفكر بين الروضِ والنهرِ
وانظر إلى ذهبيات الأصيل بهاواسمع إلى نغمات الطير في الشجرِ
وقل لمن لام في لذاته بشرًادَعْنِي فإنك عندي من سوقة البشرِ
وقال فيها أيضًا (كامل):
أما دمشق فجنةٌينسى بها الوطنَ الغريبْ
لله أيام السبوت بها ومنظرها العجيبْ
انظر بعينك هل ترىإلا محبًّا أو حبيبْ
في مَوْطِنٍ غَنَّى الحمام به على رَقْصِ القضيبْ
وغدت أَزَاهِرُ رَوْضِهِتختال في فرج وطيبْ
وأهل دمشق لا يعملون يوم السبت عملًا، إنما يخرجون إلى المتنزهات وشطوط الأنهار ودوحات الأشجار بين البساتين النضرة والمياه الجارية، فيكونون بها يومهم إلى الليل، وقد طال بنا الكلام في محاسن دمشق، فلنرجع إلى كلام الشيخ أبي عبد الله.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع