تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر بعض فضلاء القدس

فمنهم قاضيه العالم شمس الدين محمد بن سالم الغَزِّي (بفتح الغين)، وهو من أهل غزة وكبرائها، ومنهم خطيبه الصالح الفاضل عماد الدين النابلسي، ومنهم المحدث المفتي شهاب الدين الطبري، ومنهم مدرس المالكية وشيخ الخانقاه الكريمة أبو عبد الله محمد بن مثبت الغرناطي نزيل القدس، ومنهم الشيخ الزاهد أبو علي حسن المعروف بالمحجوب من كبار الصالحين، ومنهم الشيخ الصالح العابد كمال الدين المراغي، ومنهم الشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى من أهل أرز الروم، وهو من تلامذة تاج الدين الرفاعي، صَحِبْتُه ولَبِسْتُ منه خرقة التصوف، ثم سافرْتُ من القدس الشريف برسم زيارة ثغر عسقلان وهو خراب قد عاد رسومًا طامسة وأطلالًا دارسة، وقَلَّ بَلَدٌ جَمَعَ من المحاسن ما جَمَعَتْه عسقلان إتقانًا وحُسْنَ وضْع وأصالة مكان، وجمعًا بين مرافق البَرِّ والبحر، وبها المشهد الشهير، حيث كان رأس الحسين بن علي عليه السلام قبل أن يُنْقَل إلى القاهرة، وهو مسجد عظيم سامي العلوفية جب للماء أمر ببنائه بعض العبيديين وكتب ذلك على بابه، وفي قبلة هذا المزار مسجد كبير يُعْرَف بمسجد عمر، لم يَبْقَ منه إلا حيطانه، وفيه أساطين رخام لا مِثْل لها في الحُسْن، وهي ما بين قائم وحصيد، ومن جملتها أسطوانة حمراء عجيبة يَزْعُم الناس أن النصارى احتملوها إلى بلادهم ثم فقدوها فوُجِدَتْ في موضعها بعسقلان، وفي القبلة من هذا المسجد بئر تُعْرَف ببئر إبراهيم عليه السلام، يُنْزَل إليها في دَرَج متسعة، ويُدْخَل منها إلى بيوت، وفي كل جهة من جهاتها الأربع عين تخرج من أسراب مطوية بالحجارة، وماؤها عذب وليس بالغزير، ويَذْكُر الناس من فضائلها كثيرًا، وبظاهر عسقلان وادي النمل، ويقال: إنه المذكور في الكتاب العزيز، وبجبانة عسقلان من قبور الشهداء والأولياء ما لا يُحْصَر لكثرته، أوقفنا عليهم قيِّم المزار المذكور، وله جراية يجريها له ملك مصر مع ما يصل إليه من صدقات الزوار.

ثم سافرْتُ منها إلى مدينة الرملة وهي فلسطين، مدينة كبيرة كثيرة الخيرات حسنة الأسواق وبها الجامع الأبيض، ويقال: إن في قبلته ثلاثمائة من الأنبياء مدفونين — عليهم السلام — وفيها من كبار الفقهاء مجد الدين النابلسي، ثم خرجْتُ منها إلى مدينة نابلس، وهي مدينة عظيمة كثيرة الأشجار مطردة الأنهار، من أكثر بلاد الشام زيتونًا ومنها يُحْمَل الزيت إلى مصر ودمشق، وبها تُصْنَع حلواء الخروب وتُجْلَب إلى دمشق وغيرها، وكيفية عملها: أن يُطْبَخ الخروب ثم يُعْصَر ويؤخذ ما يَخْرُج منه من الرُّب فتُصْنَع منه الحلواء، ويُجْلَب ذلك الرُّب أيضًا إلى مصر والشام، وبها البطيخ المنسوب إليها، وهو طَيِّب عجيب، والمسجد الجامع في نهاية من الإتقان والحسن، وفي وسطه بركة ماء عذب، ثم سافَرْتُ منها إلى مدينة عجلون (وهي بفتح العين المهملة)، وهي مدينة حسنة لها أسواق كثيرة وقلعة خطيرة ويشقها نهر ماؤه عذب، ثم سافرْتُ منها بقصد اللاذقية، فمررت بالغور، وهو وادٍ بين تلال به قبر أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة رضي الله عنه، زرناه، وعليه زاوية فيها الطعام لأبناء السبيل، وبِتْنا هنالك ليلة، ثم وَصَلْنا إلى القصير، وبه قبر معاذ بن جبل رضي الله عنه، تبركت أيضًا بزيارته، ثم سافرْتُ على الساحل، فوصلْتُ إلى مدينة عكة، وهي خراب، وكانت عكة قاعدة بلاد الإفرنج بالشام ومرسى سفنهم، وتشبه قسطنطينية العظمى، وبشرقيها عين ماء تُعْرَف بعين البقر، يقال: إن الله تعالى أخرج منها البقر لآدم عليه السلام، ويُنْزَل إليها في دَرَج، وكان عليها مسجد بقي منه محرابه، وبهذه المدينة قبر صالح عليه السلام، ثم سافرت منها إلى مدينة صور وهي خراب، وبخارجها قرية معمورة وأكثر أهلها أرفاض، ولقد نزلت بها مرة على بعض المياه أريد الوضوء فأتى بعض أهل تلك القرية ليتوضأ فبدأ بغسل رجليه ثم غسل وجهه ولم يتمضمض ولا استنشق ثم مسح بعض رأسه، فأخذْتُ عليه في فِعْلِه، فقال لي: إن البناء إنما يكون ابتداؤه من الأساس.

ومدينة صور هي التي يُضْرَب بها المثل في الحصانة والمَنَعَة؛ لأن البحر محيط بها من ثلاث جهاتها ولها بابان أحدهما للبَرِّ والثاني للبحر، ولبابها الذي يُشْرَع للبَرِّ أربعة فصلات كلها في ستائر محيطة بالباب، وأما الباب الذي للبحر فهو بيْن بُرْجَيْنِ عظيمين، وبناؤها ليس في بلاد الدنيا أعجب ولا أغرب شأنًا منه؛ لأن البحر محيط بها من ثلاث جهاتها، وعلى الجهة الرابعة سور تَدْخُل السفن تحت السور وترسو هنالك، وكان فيما تَقَدَّمَ بين البرجين سلسلة حديد معترضة لا سبيل إلى الداخل هنالك ولا إلى الخارج إلا بعد حطها، وكان عليها الحراس والأمناء، فلا يدخل داخل ولا يخرج خارج إلا على علم منهم، وكان لعكة أيضًا ميناء مثلها ولكنها لم تكن تَحْمِل إلا السفن الصغار، ثم سافرت منها إلى مدينة صيدا، وهي على ساحل البحر، حسنة كثيرة الفواكه يُحْمَل منها التين والزبيب والزيت إلى بلاد مصر، نزلت عند قاضيها كمال الدين الأشموني المصري، وهو حَسَن الأخلاق كريم النفس، ثم سافرْتُ منها إلى مدينة طبرية، وكانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة، ولم يبقَ منها إلا رسوم تُنْبِئ عن ضخامتها وعِظَم شأنها، وبها الحمامات العجيبة، لها بيتان أحدهما للرجال والثاني للنساء، وماؤها شديد الحرارة، ولها البحيرة الشهيرة، طولها نحو ستة فراسخ وعرضها أزيد من ثلاثة فراسخ، وبطبرية مسجد يُعْرَف بمسجد الأنبياء فيه قبر شعيب عليه السلام وبنته زوج موسى الكليم عليه السلام، وقبر سليمان عليه السلام، وقبر يهودا، وقبر روبيل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم، وقَصَدْنَا منها زيارة الجب الذي أُلْقِيَ فيه يوسف عليه السلام، وهو في صحن مسجد صغير وعليه زاوية، والجب كبير عميق، شَرِبْنَا من مائه المجتمع من ماء المطر، وأَخْبَرَنَا قَيِّمُه أن الماء ينبع منه أيضًا، ثم سِرْنَا إلى مدينة بيروت، وهي صغيرة حسنة الأسواق، وجامعها بديع الحُسْن، وتُجْلَب منها إلى ديار مصر الفواكه والحديد، وقَصَدْنَا منها زيارة أبي يعقوب يوسف الذي يزعمون أنه من ملوك المغرب، وهو بموضع يُعْرَف بكَرَك نوح من بقاع العزيز، وعليه زاوية يطعم بها الوارد والصادر، ويقال: إن السلطان صلاح الدين وَقَفَ عليها الأوقاف، وقيل: السلطان نور الدين، وكان من الصالحين، ويُذْكَر أنه كان ينسج الحصر ويقتات بثمنها.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.