تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر يوم المحمل بمصر

وهو يوم دوران الجمل، يوم مشهود وكيفية ترتيبهم فيه أنه يَرْكَب فيه القضاة الأربعة ووكيل بيت المال والمحتسب، وقد ذكرنا جميعهم، ويركب معهم أعلام الفقهاء وأمناء الرؤساء وأرباب الدولة، ويقصدون جميعًا باب القلعة دار الملك الناصر، فيخرج إليهم المحمل على جَمَل، وأمامه الأمير المعين لسفر الحجاز في تلك السنة ومعه عسكره، والسقاءون على جمالهم، ويجتمع لذلك أصناف الناس من رجال ونساء، ثم يطوفون بالمحمل، وجميع مَنْ ذَكَرْنا معه بمدينتي القاهرة ومصر والحُدَاة يَحْدُون أمامهم، ويكون ذلك في رجب، فعند ذلك تهيج العزمات وتنبعث الأشواق وتتحرك البواعث، ويلقي الله العزيمة على الحج في قَلْب من يشاء من عباده، فيأخذون في التأهب لذلك والاستعداد، ثم كان سفري من مصر على طريق الصعيد برسم الحجاز الشريف، فبِتُّ ليلة خروجي بالرباط الذي بناه الصاحب تاج الدين بن حناء بدير الطين، وهو رباط عظيم بناه على مفاخر عظيمة وآثار كريمة أودعها فيه، وهي قطعة من قصعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والميل الذي كان يكتحل به، والدرفش وهو الأشفا الذي كان يَخْصِف به نعله، ومصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الذي بِخَطِّ يده رضي الله عنه، ويقال: إن الصاحب اشترى ما ذكرناه من الآثار الكريمة النبوية بمائة ألف درهم، وبنى الرباط، وجَعَلَ فيه الطعام للوارد والصادر والجراية لخدام تلك الآثار الشريفة، نفعه الله تعالى بقصده المبارك.

ثم خَرَجْتُ من الرباط المذكور، ومررْتُ بمنية القائد، وهي بلدة صغيرة على ساحل النيل، ثم سِرْتُ منها إلى مدينة بوش (وضبطها بضم التاء الموحدة وآخرها شين معجم)، وهذه المدينة أكثر بلاد مصر كتانًا، ومنها يُجْلَب إلى سائر الديار المصرية وإلى إفريقية، ثم سافرت منها فوصلت إلى مدينة دَلاص (وضبط اسمها بفتح الدال المهملة وآخره صاد مهمل)، وهذه المدينة كثيرة الكتان أيضًا كمثل التي ذَكَرْنا قبلها، ويُحْمَل أيضًا منها إلى ديار مصر وإفريقية، ثم سافرت منها إلى مدينة بِبَا (وضبط اسمها بباءين موحدتين أولاهما مكسورة)، ثم سافرت منها إلى مدينة البهنسا، وهي مدينة كبيرة وبساتينها كثيرة (وضبط اسمها بفتح الموحدة وإسكان الهاء وفتح النون والسين)، وتُصْنَع بهذه المدينة ثياب الصوف الجيدة، وممن لَقِيتُه بها قاضيها العالم شرف الدين، وهو كريم النفس فاضل، ولقيت بها الشيخ الصالح أبا بكر العجمي، ونزَلْتُ عنده وأضافني، ثم سافرت منها إلى مدينة منية ابن خصيب، وهي مدينة كبيرة الساحة متسعة المساحة مبنية على شاطئ النيل، وحق حقيق لها على بلاد الصعيد التفضيل بها المدارس والمشاهد والزوايا والمساجد، وكانت في القديم منية عامل مصر لخصيب.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.