تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر قرافة مصر ومزاراتها

ولمصر القرافة العظيمة الشأن في التبرك بها، وقد جاء في فَضْلها أَثَر أَخْرَجه القرطبي وغيره؛ لأنها من جملة الجبل المقطم الذي وَعَدَ الله أن يكون روضة من رياض الجنة، وهم يبنون بالقرافة القباب الحسنة ويجعلون عليها الحيطان فتكون كالدور ويبنون بها البيوت ويُرَتِّبُون القراء يقرءون ليلًا ونهارًا بالأصوات الحسان، ومنهم من يبني الزاوية والمدرسة إلى جانب التربة، ويَخْرُجون في كل ليلةِ جمعة إلى المبيت بها بأولادهم ونسائهم، ويطوفون على المزارات الشهيرة، ويخرجون أيضًا للمبيت بها ليلة النصف من شعبان، ويخرج أهل الأسواق بصنوف المآكل، ومن المزاراتِ الشريفةِ المشهدُ المُقَدَّسُ العظيمُ الشأنِ، حيث رأس الحسين بن علي عليهما السلام، وعليه رباط ضَخْم عجيب البناء على أبوابه حلق الفضة وصفائحها أيضًا كذلك وهو موفَى الحق من الإجلال والتعظيم، ومنها تربة السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور بن زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام، وكانت مجابة الدعوة، مجتهدة في العبادة، وهذه التربة أنيقة البناء مُشْرِقَة الضياء عليها رباط مقصود، ومنها تربة الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه، وعليها رباط كبير، ولها جراية ضخمة، وبها القبة الشهيرة البديعة الإتقان، العجيبة البنيان، المتناهية الإحكام، المفرطة السمو، وسِعَتُها أَزْيَد من ثلاثين ذراعًا، وبقرافة مصر من قبور العلماء والصالحين ما لا يضبطه الحصر، وبها عدد جمٌّ من الصحابة وصدور السلف والخلف رضي الله تعالى عنهم، مثل: عبد الرحمن بن القاسم، وأشهب بن عبد العزيز، وأصبغ بن الفرج، وابني عبد الحكم، وأبي القاسم بن شعبان، وأبي محمد عبد الوهاب، لكن ليس لهم بها اشتهار، ولا يَعْرِفهم إلا من له بهم عناية، والشافعي رضي الله عنه ساعَدَهُ الجدُّ في نفسه وأتباعه وأصحابه في حياته ومماته، فظهر مِنْ أَمْرِهِ مصداق قوله (كامل):

الجدُّ يدْنِي كُلَّ أَمْر شاسعوالجد يفتح كل باب مُغْلَقِ

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.