تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر نيل مصر

ونيل مصر يَفْضُل أنهار الأرض عذوبةَ مذاقٍ واتساعَ قُطْرٍ وعِظَمَ منفعة، والمدن والقرى بضفتيه منتظمة ليس في المعمور مثلها، ولا يُعْلَم نهر يُزْدَرَعُ عليه ما يُزْدَرَعُ على النيل، وليس في الأرض نهر يُسَمَّى بحرًا غيره، قال الله تعالى: فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ، وسماه يمًّا، وهو البحر، وفي الحديث الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وَصَلَ ليلة الإسراء إلى سدرة المنتهى، فإذا في أصلها أربعة أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان، فسأل عنها جبريل عليه السلام فقال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، وفي الحديث أيضًا: أن النيل والفرات وسيحون وجيحون كل من أنهار الجنة. ومجرى النيل من الجنوب إلى الشمال خلافًا لجميع الأنهار، ومن عجائبه أن ابتداء زيادته في شدة الحر عند نقص الأنهار وجفوفها، وابتداء نقصه حين زيادة الأنهر وفيضها، ونهر السند مثله في ذلك، وسيأتي ذِكْرُه، وأول ابتداء زيادته في حزيران وهو يونيو، فإذا بَلَغَتْ زيادته ستة عشر ذراعًا تم خراج السلطان، فإن زاد ذراعًا كان الخصب في العام والصلاح التام، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعًا أَضَرَّ بالضياع وأعقب الوباء، وإن نقص ذراعًا عن ستة عشر نَقَصَ خراج السلطان، وإن نَقَصَ ذراعين استسقى الناس وكان الضرر الشديد، والنيل أَحَدُ أنهار الدنيا الخمسة الكبار، وهي: النيل والفرات والدجلة وسيحون وجيحون، وتُمَاثِلُها أنهار خمسة أيضًا: نهر السند ويُسَمَّى ينج آب، ونهر الهند ويُسَمَّى الكنك، وإليه تَحُجُّ الهنود، وإذا حرقوا أمواتهم رموا برمادهم فيه، ويقولون: هو من الجنة، ونهر الجون بالهند أيضًا، ونهر أتل بصحراء قفجق وعلى ساحله مدينة السرا، ونهر السرو بأرض الخطا وعلى ضفته مدينة خان بالق، ومنها ينحدر إلى مدينة الخنسا ثم إلى مدينة الزيتون بأرض الصين، وسيُذْكَر ذلك كله في مواضعه إن شاء الله، والنيل يفترق بعد مسافة من مصر على ثلاثة أقسام، ولا يُعْبَر نهر منها إلا في السفن شتاء وصيفًا، وأهل كل بلد لهم خلجان تخرج من النيل، فإذا مد أترعها فاضت على المزارع.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.