تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر حزب البحر المنسوب إليه: كرامة لهذا الشيخ (٢)

يُذْكَر أنه لما قَصَدَ مدينة دمياط لزم مقبرتها، وكان بها قاضٍ يُعْرَف بابن العميد، فخرج يومًا إلى جنازةِ بعض الأعيان، فرأى الشيخ جمال الدين بالمقبرة، فقال له: أنت الشيخ المبتدع، فقال له: وأنت القاضي الجاهل، تَمُرُّ بدابتك بين القبور، وتعلم أن حرمة الإنسان ميتًا كحرمته حيًّا، فقال له القاضي: وأَعْظَمُ من ذلك حلقك للحيتك، فقال له: إياي تعني؟ وزعق الشيخ ثم رفع رأسه فإذا هو ذو لحية سوداء عظيمة، فعجب القاضي ومن معه ونزل إليه عن بغلته، ثم زعق ثانية، فإذا هو ذو لحية بيضاء حسنة، ثم زعق ثالثة ورفع رأسه، فإذا هو بلا لحية كهيئته الأولى، فقَبَّلَ القاضي يده وتتلمذ له وبنى له الزواية حسنة وصحبه أيام حياته، ثم مات الشيخ فدُفِنَ بزاويته، ولما حضرت القاضي وفاته أوصى أن يُدْفَن بباب الزاوية حتى يكون كلُّ داخلٍ إلى زيارة الشيخ يطأ قبره، وبخارج دمياط المزار المعروف بشطا (بفتح الشين المعجمة والطاء المهملة)، وهو ظاهر البَرَكَة يقصده أهل الديار المصرية، وله أيام في السنة معلومة لذلك، وبخارجها أيضًا بين بساتينها موضع يُعْرَف بالمنية فيه شيخ من الفضلاء يُعْرَف بابن النعمان قَصَدْتُ زاويته وبِتُّ عنده، وكان بدمياط أيام إقامتي بها والٍ يُعْرَف بالمُحْسِنِيِّ من ذوي الإحسان والفضل، بنى مدرسة على شاطئ النيل، بها كان نزولي في تلك الأيام، وتأكَّدَتْ بيني وبينه مودة، ثم سافرت إلى مدينة فارسكور، وهي مدينة على ساحل النيل (والكاف الذي في اسمها مضموم)، ونَزَلْتُ بخارجها، ولَحِقَنِي هنالك فارس وَجَّهَهُ إليَّ الأمير المحسني، فقال لي: إن الأمير سَأَلَ عنك وعَرَفَ بسيرتك، فبعث إليك بهذه النفقة. ودَفَعَ إليَّ جملة دراهم جزاه الله خيرًا.

ثم سافرت إلى مدينة أشمون الرمان (وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الشين المعجم)، ونُسِبَتْ إلى الرمان لكثرته بها، ومنها يُحْمَل إلى مصر، وهي مدينة عتيقة كبيرة على خليج من خُلُج النيل، ولها قنطرة خشب ترسو المراكب عندها، فإذا كان العصر رُفِعَتْ تلك الخُشُب وجازت المراكب صاعدة ومنحدرة، وبهذه البلدة قاضي القضاة ووالي الولاة، ثم سافرت عنها إلى مدينة سمنود، وهي على شاطئ النيل، كثيرة المراكب، حسنة الأسواق، وبينها وبين المحلة الكبيرة ثلاثة فراسخ (وضبط اسمها بفتح السين المهمل والميم وتشديد النون وضمها وواو ودال مهمل)، ومن هذه المدينة رَكِبْتُ النيل مصعدًا إلى مصر ما بين مدائن وقرًى منتظمة متصل بعضها ببعض، ولا يفتقر راكب النيل إلى استصحاب الزاد؛ لأنه مهما أراد النزول بالشاطئ نزل للوضوء والصلاة وشراء الزاد وغير ذلك، والأسواق متصلة من مدينة الإسكندرية إلى مصر، ومن مصر إلى مدينة أسوان من الصعيد.

ثم وصلْتُ إلى مدينة مصر، هي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة والبلاد الأريضة، المتناهية في كثرة العمارة، المتباهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحطُّ رَحْل الضعيف والقادر، وبها ما شئْتَ من عالِم وجاهل، وجادٍّ وهازِل، وحليم وسفيه، ووضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكَر ومعروف، تموج مَوْج البحر بسُكَّانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها وإمكانها، شبابها يجد على طول العهد، وكوكب تعديلها لا يبرح عن منزل السعد، قَهَرَتْ قاهِرَتُها الأمم، وتمكَّنَتْ ملوكها نواصي العرب والعجم، ولها خصوصية النيل التي جل خطرها وأغناها عن أن يستمد القطر قطرها وأرضها مسيرة شهر لمُجِدِّ السير، كريمة التربة، مؤنسة لذوي الغربة، قال ابن جزي: وفيها يقول الشاعر (طويل):

لعمرك ما مصر بمصر وإنماهي الجنة الدنيا لمن يَتَبَصَّرُ
فأولادها الولدان والحور عِينُهاوروضتها الفردوس والنيل كَوْثَرُ

وفيها يقول ناصر الدين بن ناهض:

شاطئ مصر جنةما مثلها من بَلَدِ
لا سيما مذ زخرفتبنيلها المطردِ
وللرياح فوقهسوابغٌ من زردِ
مسرودة ما مسهاداودها بمبردِ
سائلة هواؤهايرعد عاري الجسدِ
والفلك كالأفلاك بيــن حادر ومصعد

(رجع) ويقال: إن بمصر من السقَّائين على الجمال اثني عشر ألف سقاء، وإن بها ثلاثين ألف مكارٍ، وإن بنيلها من المراكب ستة وثلاثين ألفًا للسلطان والرعية تَمُرُّ صاعدة إلى الصعيد ومنحدرة إلى الإسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق، وعلى ضفة النيل مما يواجه مصر الموضع المعروف بالروضة، وهو مكان النزهة والتفرج، وبه البساتين الكثيرة الحسنة، وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو، شاهَدْتُ بها مرة فرجة بسبب برء الملك الناصر من كَسْر أصاب يده، فَزَيَّنَ كلُّ أهل سوقٍ سُوقَهُمْ، وعَلَّقُوا بحوانيتهم الحلل والحلي وثياب الحرير، وبقوا على ذلك أيامًا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.