من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر بعض علماء الإسكندرية: حكاية
يُذْكَر أن جد القاضي فخر الدين الريغي كان من أهل ريغة، واشتغل بطلب العلم، ثم رحل إلى الحجاز فوصل الإسكندرية بالعشي وهو قليلُ ذاتِ اليد، فأَحَبَّ ألَّا يدخلها حتى يسمع فأْلًا حسنًا، فقعد قريبًا من بابها إلى أن دخل جميع الناس، وجاء وقْت سد الباب ولم يبقَ هنالك سواه، فاغتاظ الموكل بالباب من إبطائه وقال متهكمًا: ادخل يا قاضٍ، فقال قاضٍ إن شاء الله، ودَخَلَ إلى بعض المدارس ولازم القراءة وسَلَكَ طريق الفضلاء، فعَظُمَ صيته وشُهِرَ اسمه، وعُرِفَ بالزهد والورع، واتصلت أخباره بمَلِك مصر، واتفق أن توفي قاضي الإسكندرية وبها إذ ذاك الجم الغفير من الفقهاء والعلماء، وكلهم متشوف للولاية وهو من بينهم لا يتشوف لذلك، فبعث إليه السلطان بالتقليد وهو ظهير القضاء وأتاه البريد بذلك، فأمر خديمه أن ينادي في الناس من كانت له خصومة فليحضر لها، وقَعَدَ للفصل بين الناس، فاجتمع الفقهاء وسواهم إلى رجل منهم كانوا يظنون أن القضاء لا يتعداه، وتفاوضوا في مراجعة السلطان في أَمْرِهِ ومخاطَبَتِهِ بأن الناس لا يرتضونه، وحضر لذلك أحد الحذاق من المنجمين، فقال لهم: لا تفعلوا ذلك، فإني عدلْتُ طالع ولايته وحققته فظَهَرَ لي أنه يحكم أربعين سنة، فأَضْرَبُوا عما هموا به من المراجعة في شأنه، وكان أَمْرُه على ما ظَهَرَ للمنجم، وعُرِفَ في ولايته بالعدل والنزاهة، ومنهم وجيه الدين الصنهاجي من قضاتها مُشْتَهِر بالعلم والفضل، ومنهم شمس الدين ابن بنت التنيسي، فاضلٌ شهيرُ الذكر، ومن الصالحين بها الشيخ أبو عبد الله الفاسي من كبار أولياء الله تعالى يُذْكَر أنه كان يُسْمَعُ رُدُّ السلام عليه إذا سَلَّمَ من صلاته، ومنهم الإمام العالم الزاهد الخاشع الورع «خليفة صاحب المكاشفات».
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع