تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر سلطان تونس

وكان سلطان تونس عند دخولي إليها السلطان أبا يحيى ابن السلطان أبي زكريا يحيى ابن السلطان أبي إسحاق إبراهيم ابن السلطان أبي زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص رحمه الله، وكان بتونس جماعة من أعلام العلماء، منهم قاضي الجماعة بها أبو عبد الله محمد بن قاضي الجماعة أبي العباس أحمد بن محمد بن حسن بن محمد الأنصاري الخزرجي البلنسي الأصل ثم التونسي هو ابن الغماز، ومنهم الخطيب أبو إسحاق إبراهيم بن حسين بن علي بن عبد الرفيع الربعي، وولي أيضًا قضاء الجماعة في خمس دول، ومنهم الفقيه أبو علي عمر بن علي بن قداح الهواري، وولي أيضًا قضاءها وكان من أعلام العلماء، ومن عوائده أنه يَسْتَنِدُ كلَّ يوم جمعة بعد صلاتها إلى بعض أساطين الجامع الأعظم المعروف بجامع الزيتونة، ويستفتيه الناس في المسائل، فلما أفتى في أربعين مسألة انصرف عن مجلسه ذلك، وأظلني بتونس عيدُ الفطر فحضرْتُ المصلى، وقد احتفل الناس لشهود عيدهم وبرزوا في أَجْمَل هيئة وأَكْمل شارة، ووافى السلطان أبو يحيى المذكور راكبًا وجميع أقاربه وخواصه وخدام مملكته مشاةً على أقدامهم في ترتيب عجيب، وصَلَّيْتُ الصلاة وانقضت الخطبة وانصرف الناس إلى منازلهم.

وبعد مدة تَعَيَّنَ لركب الحجاز الشريف شيخُه يُعْرَف بأبي يعقوب السوسي من أهل أقل من بلاد إفريقية وأكثره المصامدة فقد موني قاضيًا بينهم، وخرجنا من تونس في أواخر شهر ذي القعدة سالكين طريق الساحل، فوصلنا إلى بلدة سوسة وهي صغيرة حسنة مبنية على شاطئ البحر بينها وبين مدينة تونس أربعون ميلًا، ثم وصلنا إلى مدينة صفاقس وبخارج هذه البلدة قبر الإمام أبي الحسن اللخمي المالكي مؤلف كتاب التبصرة في الفقه، قال ابن جزي في بلدة صفاقس: يقول علي بن حبيبٍ التنوخي (كامل):

سقيًا لأرض صفاقسٍذات المصانع والمُصَلَّى
محمي القصير إلى الخليــج فقصْرها السامي المُعَلَّى
بلد يكاد يقول حيــن تزوره أهلًا وسهلَا
وكأنه والبحر يحــسر تارة عنه ويملَا
صب يريد زيارةفإذا رأى الرقباء ولَّى

وفي عكس ذلك يقول الأديب البارع أبو عبد الله محمد بن أبي تميم، وكان من المجيدين المكثرين (بسيط):

صفاقسٌ لا صفا عيشٌ لساكنهاولا سقى أَرْضَها غيثٌ إذا انسكبَا
ناهيك من بلدة مَنْ حَلَّ ساحَتَهَاعانى بها العاديين الروم والعربَا
كم ضَلَّ في البر مسلوبًا بضاعتهوبات في البحر يشكو الأَسْر والعَطَبَا
قد عَايَنَ البحر من لوم لقاطنهافكلما هَمَّ أن يدنو لها هَرَبَا

(رجع)، ثم وصلنا إلى مدينة قابس، ونزلنا بداخلها وأَقَمْنَا بها عشرًا لتوالي نزول الأمطار، قال ابن جزي في ذِكْر قابس: يقول بعضهم (رجز):

لهفي على طيب ليال خَلَتْبجانب البطحاء من قابسِ
كأن قلبي عند تذكارهاجذوة نار بيد قابسِ

(رجع)، ثم خرجنا من مدينة قابس قاصدين طرابلس، وصَحِبْنا في بعض المراحل إليها نحو مائة فارس أو يزيدون، وكان بالركب قوم رماة فهابَتْهُم العرب، وتحامت مكانهم وعصمنا الله منهم، وأَظَلَّنَا عيد الأضحى في بعض تلك المراحل، وفي الرابع بعده وَصَلْنا إلى مدينة طرابلس، فأقمنا بها مدة، وكنت عقدت بصفاقس على بنت لبعض أمناء تونس، فبنيت عليها بطرابلس، ثم خرجت من طرابلس أواخر شهر المحرم من عام ستة وعشرين ومعي أهلي، وفي صحبتي جماعة من المصامدة، وقد رفعت العلم، وتقدمت عليهم، وأقام الركب في طرابلس خوفًا من البرد والمطر، وتجاوزنا مسلاتة ومسراتة وقصور سرت، وهنالك أرادت طوائف العرب الإيقاع بنا، ثم صَرَفَتْهُم القدرة وحالت دون ما راموه من إذايتنا، ثم توسَّطْنا الغابة وتجاوزناها إلى قصر برصيصا العابد إلى قبة سلام، وأدركنا هنالك الركب الذين تخلفوا بطرابلس، ووَقَعَ بيني وبين صهري مشاجرة أَوْجَبَتْ فراق بنته، وتزوجْتُ بنتًا لبعض طلبة فاس، وبنيْتُ بها بقصر الزعافية، وأولمْتُ وليمة حبسْتُ لها الركب يومًا وأطعمْتُهم، ثم وصلنا في أول جمادى الأولى إلى مدينة الإسكندرية حَرَسَها الله، وهي الثغر المحروس، والقطر المأنوس، العجيبة الشان، الأصيلة البنيان، بها ما شِئْتَ من تحسين وتحصين، ومآثر دنيا ودِين، كَرُمَتْ مغانيها، ولَطُفَتْ معانيها، وجمعت بين الضخامة والإحكام مبانيها، فهي الفريدة تجلى سناها، والخريدة تجلى في حلاها، الزاهية بجمالها المُغْرِب، الجامعة لمفترق المحاسن لتوسطها بين المشرق والمغرِب، فكل بديعة بها اجتلاؤها، وكل طرفة فإليها انتهاؤها، وقد وَصَفَها الناس فأطنبوا، وصَنَّفُوا في عجائبها فأغربوا، وحسب المشرف إلى ذلك ما سطره أبو عبيد في كتاب المسالك.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.