تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر عمود السواري

ومن غرائب هذه المدينة عمود الرخام الهائل الذي بخارجها المسمى عندهم بعمود السواري، وهو متوسط في غابة نخل، وقد امتاز عن شجراتها سموًّا وارتفاعًا، وهو قطعة واحدة مُحْكَمة النحت، قد أقيم على قواعد حجارة مربعة أمثال الدكاكين العظيمة، ولا تُعْرف كيفية وَضْعه هنالك ولا يُتَحَقَّق مَنْ وَضَعَهُ، قال ابن جزي: أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرماة بالإسكندرية صعد إلى أعلى ذلك العمود ومعه قوسه وكنانته، واستقر هنالك وشاع خبره، فاجتمع الجم الغفير لمشاهدته وطال العجب منه، وخفي على الناس وَجْه احتياله، وأظنه كان خائفًا أو طالب حاجة، فأنتج له فعله الوصول إلى قصده لغرابة ما أتى به، وكيفية احتياله في صعوده أنه رمى بنشابة قد عقد فوقها خيطًا طويلًا وعقد بطرف الخيط حبلًا وثيقًا فتجاوزَت النشابة أعلى العمود معترضة عليه ووقعت من الجهة الموازية للرامي فصار الخيط معترضًا على أعلى العمود فجذَبَه حتى توسَّطَ الحبل أعلى العمود مكان الخيط فأوسطه من إحدى الجهتين في الأرض وتَعَلَّقَ به صاعدًا من الجهة الأخرى واستقر بأعلاه، وجذب الحبل واستصحب من احتمله فلم يهتدِ الناسُ لحيلته، وعجبوا من شأنه (رجع)، وكان أمير الإسكندرية في عهد وصولي إليها يسمى بصلاح الدين، وكان فيها أيضًا في ذلك العهد سلطان إفريقية المخلوع وهو زكرياء أبو يحيى بن أحمد بن أبي حفص المعروف باللحياني، وأَمَرَ الملك الناصر بإنزاله بدار السلطنة من إسكندرية، وأجرى له مائة درهم في كل يوم، وكان معه أولاده عبد الواحد ومصري وإسكندري وحاجبه أبو زكرياء بن يعقوب ووزيره أبو عبد الله بن ياسين، وبالإسكندرية توفي اللحياني المذكور وولده الإسكندري وبقي المصري بها إلى اليوم، قال ابن جزي: من الغريب ما اتَّفَقَ من صِدْق الزجر في اسمَيْ ولدَي اللحياني الإسكندري والمصري، فمات الإسكندري بها وعاش المصري دهرًا طويلًا بها وهي من بلاد مصر (رجع)، وتَحَوَّلَ عبد الواحد لبلاد الأندلس والمغرب وإفريقية، وتوفي هنالك بجزيرة جرية.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.