من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر القضاة بمصر في عهد دخولي إليها: حكاية
كان الملك الناصر رحمه الله يقعد للنظر في المظالم ورَفْع قصص المتشكين كل يوم اثنين وخميس، ويقعد القضاة الأربعة عن يساره وتُقْرَأ القصص بين يديه، ويعين من يسأل صاحب القصة عنها، وقد سلك مولانا أمير المؤمنين ناصر الدين أيده الله في ذلك مسلكًا لم يُسْبَق إليه، ولا مزيد في العدل والتواضع عليه، وهو سؤاله بذاته الكريمة لكل مُتَظَلِّم، وعرضه بين يديه المستقيمة أبى الله أن يحضرها سواء أدام الله أيامه، وكان رسم القضاة المذكورين أن يكون أعلاهم منزلة في الجلوس قاضي الشافعية، ثم قاضي الحنفية، ثم قاضي المالكية، ثم قاضي الحنبلية، فلما توفي شمس الدين الحريري وولي مكانه برهان الدين بن عبد الحق الحنفي، أشار الأمراء على الملك الناصر بأن يكون مجلس المالكي فوقه، وذَكَرُوا أن العادة جَرَتْ بذلك قديمًا، إذ كان قاضي المالكية زيد الدين بن مخلوف يلي قاضي الشافعية تقي الدين بن دقيق العيد، فأمر الملك الناصر بذلك، فلما عَلِمَ به قاضي الحنفية غاب عن شهود المجلس أَنَفَة من ذلك، فأنكر الملك الناصر مَغِيبَه وعَلِمَ ما قَصَدَهُ فأَمَرَ بإحضاره، فلما مَثُلَ بين يديه أَخَذَ الحاجب بيده وأقعده، حيث نفذ أمر السلطان مما يلي قاضي المالكية واستمر حاله على ذلك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع