من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية أبي يعقوب يوسف المذكور
يحكى أنه دَخَلَ مدينة دمشق فمرض بها مرضًا شديدًا، وأقام مطروحًا بالأسواق، فلما برئ من مَرَضِهِ خرج إلى ظاهر دمشق ليلتمس بستانًا يكون حارسًا له، فاستؤجر لحراسة بستان للملك نور الدين، وأقام في حراسته ستة أشهر، فلما كان في أوان الفاكهة أتى السلطان إلى ذلك البستان، وأَمَرَ وكيل البستان أبا يعقوب أن يأتي برمان يأكل منه السلطان، فأتاه برمان فوجده حامضًا، فأمره أن يأتي بغيره ففعل ذلك فوجده أيضًا حامضًا، فقال له الوكيل: أتكون في حراسة هذا البستان منذ ستة أشهر، ولا تَعْرِف الحلو من الحامض، فقال: إنما استأجرْتَني على الحراسة لا على الأكل، فأتى الوكيل إلى الملك فأَعْلَمَهُ بذلك، فبعث إليه الملك وكان قد رأى في المنام أنه يجتمع مع أبي يعقوب وتحصل له منه فائدة، فتفرَّسَ أنه هو، فقال له: أنت أبو يعقوب؟ قال: نعم، فقام إليه وعانَقَهُ وأَجْلَسَهُ إلى جانبه، ثم احْتَمَلَهُ إلى مجلسه فأضافه بضيافة من الحلال المكتسب بكدِّ يمينه، وأقام عنده أيامًا ثم خرج من دمشق فارًّا بنفسه في أوانِ البرد الشديد، فأتى قرية من قراها، وكان بها رجل من الضعفاء، فعَرَضَ عليه النزول عنده ففعل، وصنع له مرقة وذَبَحَ دجاجة، فأتاه بها وبخبز شعير، فأكل من ذلك ودعا للرجل.
وكان عنده جملةُ أولاد منهم بنت قد آنَ بناء زوجها عليها، ومن عوائدهم في تلك البلاد أن البنت يجهزها أبوها، ويكون معظم الجهاز أواني النحاس وبه يتفاخرون وبه يتبايعون، فقال أبو يعقوب للرجل: هل عندك شيء من النحاس؟ قال: نعم، قد اشتريت منه لتجهيز هذه البنت، قال: ائتني به، فأتاه به، فقال له: اسْتَعِرْ من جيرانك ما أَمْكَنَكَ منه، ففعل وأحضر ذلك بين يديه، فأوقد عليه النيران، وأَخْرَجَ صرة كانت عنده فيها الإكسير، فطرح منه على النحاس فعاد كله ذهبًا، وتركه في بيتٍ مُقْفَل، وكتب كتابًا إلى نور الدين ملك دمشق يُعْلِمُه بذلك وينبهه على بناء مارستان للمرضى من الغرباء، ويوقف عليه الأوقاف، ويبني الزوايا بالطرق، ويرضي أصحاب النحاس، ويعطي صاحب البيت كفايته، وقال له في آخر الكتاب: وإن كان إبراهيم بن أدهم قد خرج على ملك خراسان، فأنا قد خَرَجْتُ من ملك المغرب وعن هذه الصنعة والسلام، وفَرَّ من حينه وذهب صاحب البيت بالكتاب إلى الملك نور الدين، فوصل الملك إلى تلك القرية واحتمل الذهب بعد أن أرضى أصحاب النحاس وصاحب البيت، وطلب أبا يعقوب فلم يَجِدْ له أثرًا ولا وَقَعَ له على خبر، فعاد إلى دمشق وبنى المارستان المعروف باسمه الذي ليس في المعمور مثله، ثم وَصَلْتُ إلى مدينة طرابلس وهي إحدى قواعد الشام وبلدانها الضخام تخترقها الأنهار، وتَحُفُّها البساتين والأشجار، ويكنفها البحر بمرافقه العميمة والبَرُّ بخيراته المقيمة، ولها الأسواق العجيبة، والمسارح الخصيبة، والبحر على مِيلَيْن منها، وهي حديثة البناء، وأما طرابلس القديمة فكانت على ضفة البحر وتَمَلَّكَها الروم زمانًا، فلما اسْتَرْجَعَهَا الملك الظاهر خربت واتخذت هذه الحديثة، وبهذه المدينة نحو أربعين من أمراء الأتراك، وأميرها طيلان الحاجب المعروف بملك الأمراء ومسكنه منه بالدار المعروفة بدار السعادة، ومن عوائده أنْ يَرْكَبَ في كل يوم إثنين وخميس ويركب معه الأمراء والعساكر ويخرج إلى ظاهر المدينة، فإذا عاد إليها وقارَبَ الوصول إلى منزله ترجَّل الأمراءُ ونزلوا عن دوابهم ومشوا بين يديه حتى يَدْخُلَ منزله وينصرفون.
وتُضْرَب الطبلخانة عند دار كل أمير منهم بعد صلاة المغرب من كل يوم وتوقد المشاعل، وممن كان بها من الأعلام كاتب السر بهاء الدين بن غانم أحد الفضلاء الحسباء، معروف بالسخاء والكرم، وأخوه حسام الدين هو شيخ القدس الشريف وقد ذَكَرناه، وأخوهما علاء الدين كاتب السر بدمشق، ومنهم وكيل بيت المال قوام الدين بن مكين من أكابر الرجال، ومنهم قاضي قضاتها شمس الدين بن النقيب من أعلام علماء الشام، وبهذه المدينة حماماتٌ حسان منها حمام القاضي القرمي وحمام سندمور، وكان سندمور أمير هذه المدينة، ويُذْكَر عنه أخبار كثيرة في الشدة على أهل الجنايات، منها أن امرأة شَكَتْ إليه بأن أحد مماليكه الخواص تَعَدَّى عليها في لبنٍ كانت تبيعه فشَرِبَه، ولم تكن لها بَيِّنَة فأَمَرَ به فوُسِطَ فخرج اللبن من مصرانه، وقد اتفق مثل هذه الحكاية للعتريس أحد أمراء الملك الناصر أيام إمارته على عيذاب، واتفق مثلها للملك كبك سلطان تركستان، ثم سافرت من طرابلس إلى حصن الأكراد، وهو بلد صغير كثير الأشجار والأنهار بأعلى تل، وبه زاوية تُعْرَف بزاوية الإبراهيمي نسبة إلى بعض كبراء الأمراء، ونَزَلْتُ عند قاضيها ولا أحقق الآن اسمه، ثم سافرْتُ إلى مدينة حمص، وهي مدينة مليحة أرجاؤها مونقة وأشجارها مورفة وأنهارها متدفقة وأسواقها فسيحة الشوارع وجامعها متميز بالحسن الجامع وفي وسطه بركة ماء، وأهل حمص عرب لهم فضل وكرم، وبخارج هذه المدينة قبر خالد بن الوليد سيف الله ورسوله، وعليه زاوية ومسجد وعلى القبر كسوة سوداء، وقاضي هذه المدينة جمال الدين الشريشي من أجمل الناس صورة وأحسنهم سيرة، ثم سافرت منها إلى مدينة حماة إحدى أمهات الشام الرفيعة ومدائنها البديعة ذات الحسن الرائق والجمال الفائق، تحفها البساتين والجنات عليها النواعير كالأفلاك الدائرات يشقها النهر العظيم المسمى بالعاصي ولها ربض سمي بالمنصورية أعظم من المدينة، فيه الأسواق الحافلة والحمامات الحسان، وبحماة الفواكه الكثيرة ومنها المشمش اللوزي إذا كسرت نواته وجدت في داخلها لوزة حلوة، قال ابن جزي: وفي هذه المدينة ونهرها ونواعيرها وبساتينها يقول الأديب الرحال نور الدين أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العنسي العماري الغرناطي نسبة لعمار بن ياسر رضي الله عنه (طويل):
حمى الله من شطى حماة مناظرًاوقفت عليها السمع والفكر والطرفَا
تغني حمام أو تميل خمائلوتزهى مباني تمنع الواصف الوصفَا
يلومونني أن أعصي الصون والنهىوأطيع الكأس واللهو والقصفَا
إذا كان فيها النهر عاصٍ فكيف لاأحاكيه عصيانًا وأشربها صرفَا
وأشدو لدى تلك النواعر شدوهاوأغلبها رقصًا وأشبهها غرقَا
تئنُّ وتذري دمعها فكأنهاتهيم بمرآها وتسألها العطفا
ولبعضهم في نواعيرها ذاهبًا مذهب التورية (طويل):
وناعورة رقَّتْ لعِظْم خطيئتيوقد عايَنَتْ قصدي من المنزل القاصي
بكت رحمة لي ثم باحت بشجوهاوحسبك أن الخشب تبكي على العاصي
ولبعض المتأخرين فيها أيضًا من التورية (كامل):
يا سادةً سكنوا حماة وحَقِّكُمْما حلْت عن تقوى وعن إخلاصي
والطرف بعدكمُ إذا ذُكِرَ اللِّقايجري المدامع طائعًا كالعاصي
(رجع)، ثم سافرْتُ إلى مدينة المعرة التي يُنْسَب إليها الشاعر أبو العلاء المعري وكثير سواه من الشعراء، قال ابن جزي: وإنما سميت بمعرة النعمان؛ لأن النعمان بن بشير الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي له وَلَدٌ أيامَ إمارته على حمص فدفنه بالمعرة فعُرِفَتْ به، وكانت قبل ذلك تُسَمَّى ذات القصور، وقيل: إن النعمان جبل مُطِلٌّ عليها سُمِّيَت به (رجع)، والمعرة مدينة كبيرة حسنة أَكْثَر شجرها التين والفستق، ومنها يُحْمَل إلى مصر والشام، وبخارجها على فرسخٍ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ولا زاوية عليه ولا خديم له، وسبب ذلك أنه وَقَعَ في بلادٍ صِنْف من الرافضة أرجاس يبغضون العشرة من الصحابة رضي الله عنهم ولعن مبغضهم، ويبغضون كل من اسمه عمر، وخصوصًا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه؛ لِمَا كان مِنْ فِعْله في تعظيم علي رضي الله عنه، ثم سِرْنا منها إلى مدينة سرمين، وهي حسنة كثيرة البساتين، وأكثر شجرها الزيتون، وبها يُصْنَع الصابون الآجري ويُجْلَب إلى مصر والشام، ويُصْنَع بها أيضًا الصابون المطيب لغسل الأيدي ويصبغونه بالحمرة والصفرة، ويُصْنَع بها ثياب قطن حسان تُنْسَب إليها، وأهلها سَبَّابُون يبغضون العَشَرَة، ومن العجب أنهم لا يَذْكُرون لفظ العشرة، وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع، فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا تسعة وواحد، وحَضَرَ بها بعض الأتراك يومًا فسمع سمسارًا ينادي تسعة وواحد، فضربه بالدبوس على رأسه وقال: قل: عشرة بالدبوس، وبها مسجد جامع فيه تسع قباب، ولم يجعلوها عشرة قيامًا بمذهبهم القبيح.
ثم سِرْنا إلى مدينة حلب المدينة الكبرى والقاعدة العظمى، قال أبو الحسين بن جبير في وَصْفِها: قَدْرها خطير وذِكْرها في كل زمان يطير، خطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح وسل عليها من بيض الصفاح، لها قلعة شهيرة الامتناع بائنة الارتفاع، فنزهت حصانة من أن ترام أو تستطاع، منحوتة الأجزاء موضوعة على نسبة اعتدال واستواء، قد طاولت الأيام والأعوام، ووسعت الخواص والعوام، أين أمراؤها الحمدانيون وشعراؤها؟ فني جميعهم ولم يَبْقَ إلا بناؤها، فيا عجبًا لبلاد تبقى ويذهب ملاكها ويهلكون ولا يقضي هلاكها وتخطب بعدهم فلا يتعذر أملاكها وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها! هذه حلب كم أدخلت ملوكها في خبر كان ونسخت صرف الزمان بالمكان، أنث اسمها فتحلت بحلية الغوان وأتت بالعذر فيمن دان وانجلت عروسًا بعد سيف دولتها ابن حمدان، هيهات سيهرم شبابها ويعدم خطابها ويسرع فيها بعد حين خرابها، وقلعة حلب تسمى الشهباء، وبداخلها جبلان ينبع منهما الماء فلا تخاف الظمأ، ويطيف بها سوران وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء وسورها متداني الأبراج، وقد انتظمت بها العلالي العجيبة المفتحة الطيقان، وكل برج منها مسكون، والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد، وبها مشهد يقصده بعض الناس يقال: إن الخليل عليه السلام كان يَتَعَبَّد به، وهذه القلعة تُشْبِه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشمال والعراق، ولما قصد قازان طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أيامًا ونكص عنها خائبًا، قال ابن جزي: وفي هذه القلعة يقول الخالدي شاعر سيف الدولة:
وخرقاء قد قامت على من يرومهابمرقبها العالي وجانبها الصعبِ
يجر عليها الجواجيب غمامةويلبثها عقدًا بأنجمه الشهبِ
إذا ما سرى برق بَدَتْ من خلالهكما لاحت العذراء من خلل السحبِ
فكم من جنود قد أماتت بغصةوذي سطوات قد أبانت على عقبِ
وفيها يقول أيضًا وهو من بديع النظم (بسيط):
وقلعة عانَقَ العنقاء سافلُهاوجاز منطقة الجوزاء عاليها
لا تَعْرِف القطرُ إذ كان الغمام لهاأرضًا توطا قطريه مواشيها
إذا الغمامة راحت غاضَ ساكنهاحياضها قبل أن تهمى عواليها
يعد من أنجم الأفلاك مرقبهالو أنه كان يجري في مجاريها
ردت مكايِدَ أقوام مكايدهاونصرت لدواهيهم دواهيها
وفيها يقول جمال الدين علي بن أبي المنصور (كامل):
كادت لبون سموها وعلوهاتستوقف الفلك المحيط الدائرَا
وردت قواطنها المجرة منهلًاورعت سوابقها النجوم زواهرَا
ويظل صَرْف الدهر منها خائفًارجلًا فما يمسي لديها حاضرَا
(رجع)، ويقال في مدينة حلب: حلب إبراهيم؛ لأن الخليل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه كان يسكنها، وكانت له الغنم الكثيرة، فكان يسقي الفقراء والمساكين والوارد والصادر من ألبانها، فكانوا يجتمعون ويسألون حلب إبراهيم فسميت بذلك، وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض وأسواقها مسقفة بالخشب، فأهلها دائمًا في ظل ممدود وقيساريتها لا تماثل حسنًا وكبرًا، وهي تحيط بمسجدها وكل سماط منها محاذٍ لباب من أبواب المسجد، ومسجدها الجامع من أجمل المساجد في صحنه بركة ماء، ويطيف به بلاط عظيم الاتساع، ومنبرها بديع العمل مُرَصَّع بالعاج والآبنوس، وبقرب جامعها مدرسة مناسبة له في حُسْن الوضع وإتقان الصنعة يُنْسَب لأمراء بني حمدان، وبالبلد سواها ثلاث مدارس، وبها مارستان، وأما خارج المدينة فهو بسيط أفيح عريض به المزارع العظيمة وشجرات الأعناب منتظمة به والبساتين على شاطئ نهرها، وهو النهر الذي يمر بحماة ويسمى العاصي، وقيل: إنه سمي بذلك؛ لأنه يخيل لناظره أن جريانه من أسفل إلى علو والنفس تجد في خارج مدينة حلب انشراحًا وسرورًا ونشاطًا لا يكون في سواها، وهي من المدن التي تصلح للخلافة، قال ابن جزي: أطنبت الشعراء في وصف محاسن حلب وذكر داخلها وخارجها، وفيها يقول أبو عبادة البحتري (كامل):
يا بَرْقُ أَسْفِر عن فويق مطالبيحلب فأعلى القصر من بطياس
عن منبت الورد المعصفر صبغةفي كل ضاحية ومجني الآس
أرض إذا استوحشتكم بتذكُّرٍحشدت علي فأكثرت إيناسي
وقال فيها الشاعر المجيد أبو بكر الصنوبري (متقارب):
سقى حلب المزن مغنى حلبْفكم وصلت طربًا بالطربْ
وكم مستطاب من العيش لذبها إذ بها العيش لم يُسْتَطَبْ
إذا نشر الزهر أعلامهبها ومطارفه والعذبْ
غدا وحواشيه من فضةتروق وأوساطه من ذهبْ
وقال فيها أبو العلاء المعري (خفيف):
حلب للوراد جنة عدنوهْي للغادرين نار سعير
والعظيم العظيم يكبر في عَيْــنيه منها قدر الصغير الصغير
فقويق في أنفس القوم بحروحصاة منه مكان ثبير
وقال فيها أبو الفتيان بن جبوس:
يا صاحبيَّ إذا أعياكما سقميفلَقِّيَاني نَسِيمَ الريح من حلبِ
من البلاد التي كان الصبا سكنًافيها وكان الهوا العذري من أَرَبِي
وقال فيها أبو الفتح كشاجم (متقارب):
وما أَمْتَعَتْ جارَها بلدةٌكما أَمْتَعَتْ حلبٌ جارَها
بها قد تَجَمَّعَ ما تشتهيفزرها فطوبى لمن زارها
وقال فيها أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي العنسي (خفيف):
حادي العيس كم تنيخ المطاياسق بروحي من بعدهم في سياقِ
حلب إنها مقر غراميومرامي وقِبْلة الأشواقِ
لا خلا جوشن وبطياس والعبــد ومِنْ كل وابل غيداقِ
كم بها مرتع لطرْفٍ وقَلْبٍفيه سَقْي المنى بكاس دهاقِ
وتغني طيورها لارتياحٍوتثني غصونها للعناقِ
وعُلُوُّ الشهباء حيث استدارتأَنْجُمُ الأفْق حَوْلَهَا كالنطاقِ
(رجع)، وبحلب ملك الأمراء أرغون الدوادار أكبر أمراء الملك الناصر، وهو من الفقهاء موصوف بالعدل لكنه بخيل، والقضاة بحلب أربعة للمذاهب الأربعة، فمنهم القاضي كمال الدين بن الزملكاني شافعي المذهب عالي الهمة كبير القدر كريم النفس حَسَن الأخلاق متفنن بالعلوم، وكان الملك الناصر قد بَعَثَ إليه لِيُوَلِّيَه قضاء القضاة بحضرة مُلْكِه، فلم يُقْضَ له ذلك، وتوفي ببلبيس وهو متوجِّهٌ إليها، ولما ولي قضاء حلب قَصَدَتْه الشعراء من دمشق وسواها، وكان فيمن قَصَدَهُ شاعر الشام شهاب الدين أبو بكر محمد ابن الشيخ المحدث شمس الدين أبي عبد الله محمد بن نباتة القرشي الأموي الفارقي، فامتدحه بقصيدة طويلة حافلة أولها (كامل):
أَسِفَتْ لِفَقْدِكَ جلق الفيحاءُوتباشرَتْ لقدومك الشهباءُ
وعلا دمشقَ وقد رَحَلْتَ كآبةٌوعلا رُبَا حَلَبٍ سنًا وسناءُ
قد أَشْرَقَتْ دارٌ سَكَنْتَ فِنَاءَهاحتى غَدَتْ ولنورها لألاءُ
يا سائرًا سَقْي المكارم والعلىممن يبخل عنده الكرماءُ
هذا كمال الدين لذَّ بجنابهتنعم فثَمَّ الفضلُ والنعماءُ
قاضي القضاة أجل من أيامهتغني بها الأيتام والفقراءُ
قاضٍ زكا أصلًا وفرعًا فاعتلىشَرُفَتْ به الآباءُ والأبناءُ
مَنَّ الإله على بَنِي حَلَبٍ بهلله وَضْعُ الفضلِ حيث يشاءُ
كشف المُعَمَّى فَهْمُه وبيانُهُفكأنما ذاك الذكاءُ ذكاءُ
يا حاكِمَ الحكام قَدْرُكَ سابقٌعن أن تَسُرَّكَ رتبةٌ شماءُ
إن المناصب دون هِمَّتِكَ التيفي الفضل دون محلها الجوزاءُ
لَكَ في العلوم فضائلٌ مشهورةكالصبح شقَّ له الظلامَ ضياءُ
ومناقبٌ شَهِدَ العدوُّ بفضلهاوالفضلُ ما شَهِدَتْ به الأعداءُ
وهي أَزْيَدُ من خمسين بيتًا، وأجازه عليها بكسوة ودراهم، وانتقد عليه الشعراء ابتداءه بلفظ أَسِفَتْ، قال ابن جزي: وليس كلامه في هذه القصيدة بذاك، وهو في المقطعات أجود منه في القصائد، وإليه انتهت الرياسة في الشعر على هذا العهد في جميع بلاد المشرق، وهو من ذرية الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباتة منشئ الخطب الشهيرة، ومن بديع مُقَطَّعَاته في التورية قوله (كامل):
علَّقْتُها غيداء حالية العلىتجني على عَقْل المُحِبِّ وقَلْبِهِ
بَخِلَتْ بلؤلؤ ثَغْرِها عن لاثمٍفَغَدَتْ مطوَّقة بما بَخِلَتْ بِهِ
(رجع)، ومن قضاة حلب قاضي قضاة الحنفية الإمام المدرس ناصر الدين بن العديم حسن الصورة والسيرة أصيل مدينة حلب (طويل):
تراه إذا ما جِئْتَه متهلِّلًاكأنك تُعْطِيهِ الذي أَنْتَ سائِلُهْ
ومنهم قاضي قضاة المالكية لا أَذْكُرُه، كان من الموثقين بمصر، وأخذ الخطة عن غير استحقاق، ومنهم قاضي قضاة الحنابلة لا أَذْكُرُ اسمه، وهو من أهل صالحية دمشق ونقيب الأشراف بحلب بدر الدين بن الزهراء، ومن فقهائها شرف الدين بن العجمي وأقاربه هم كبراء مدينة حلب، ثم سافرْتُ منها إلى مدينة تِيزِين وهي على طريق قنسرين (وضبط اسمها بتاء معلوة مكسورة وياء مد وزاي مكسورة وياء مد ثانية ونون)، وهي حديثة اتخذها التركمان، وأسواقها حسان ومساجدها في نهاية من الإتقان، وقاضيها بدر الدين العسقلاني، وكانت مدينة قنسرين قديمة كبيرة، ثم خَرِبَتْ ولم يَبْقَ إلا رسومها.
ثم سافرت إلى مدينة أنطاكية، وهي مدينة عظيمة أصلية، وكان عليها سور مُحْكَم لا نظير له في أسوار بلاد الشام، فلما فَتَحَها الملك الظاهر هَدَمَ سورها، وأنطاكية كثيرة العمارة ودورها حسنة البناء كثيرة الأشجار والمياه، وبخارجها نهر العاصي، وبها قبر حبيب النجار رضي الله عنه، وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر، شيخها الصالح المعمر محمد بن علي، سِنُّه ينيف على المائة وهو مُمَتَّع بقوَّته، دَخَلْتُ عليه مرة في بستانٍ له وقد جمع حطبًا ورَفَعَهُ على كاهله؛ ليأتي به منزله بالمدينة، ورأيت ابنه قد أناف على الثمانين، إلا أنه محدودب الظهر لا يستطيع النهوض، ومن يراهما يظن الوالد منهما ولدًا والولد والدًا، ثم سافَرْتُ إلى حصنِ بُغْراس (وضبط اسمه بباء موحدة مضمومة وغين معجمة مسكنة وراء وآخره سين مهمل)، وهو حِصْن منيع لا يرام عليه البساتين والمزارع، ومنه يُدْخَل إلى بلاد سيس، وهي بلاد كفار الأرمن، وهم رعية للملك الناصر يؤدون إليه مالًا، ودراهمهم فضة خالصة تُعْرَف بالبغلية، وبها تُصْنَع الثياب الدبيزية، وأمير هذا الحصن صارم الدين بن الشيباني، وله وَلَدٌ فاضل اسمه علاء الدين وابنُ أخٍ اسمه حسام الدين فاضل كريم يسكن الموضع المعروف بالرصص (بضم الراء والصاد المهمل الأول)، ويحفظ الطريق إلى بلاد الأرمن.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع