تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية خصيب: كرامة له

دَخَلْتُ إلى هذا الشريف متبركًا برؤيته والسلام عليه، فسألني عن قصدي، فأخبَرْتُه أني أريد حج البيت الحرام على طريق جدة، فقال لي: لا يحصل لك هذا في هذا الوقت، فارجع. وإنما نَحُجُّ أَوَّلَ حجة على الدرب الشامي، فانْصَرَفْتُ عنه ولم أعمل على كلامه، ومضيت في طريق حتى وصلت إلى عيذاب، فلم يتمكن لي السفر، فعُدْتُ راجعًا إلى مصر ثم إلى الشام، وكان طريقي في أول حجاتي على الدرب الشامي حسبما أَخْبَرَنِي الشريف نَفَعَ الله به، ثم سافرتُ إلى مدينة قِنا، وهي صغيرة حسنة الأسواق (وضبط اسمها بقاف مكسورة ونون)، وبها قبر الشريف الصالح الولي صاحب البراهين العجيبة والكرامات الشهيرة عبد الرحيم القناوي رحمة الله عليه، ورأيْتُ بالمدرسة السيفية منها حفيدَهُ شهاب الدين أحمد.

وسافَرْتُ من هذا البلد إلى مدينة قوص (وهي بضم القاف)، مدينة عظيمة لها خيرات عميمة بساتينها مُورِقَة وأسواقها مونقة ولها المساجد الكثيرة والمدارس الأثيرة، وهي منزل ولاة الصعيد وبخارجها زاوية الشيخ شهاب الدين بن عبد الغفار، وزاوية الأفرم، وبها اجتماع الفقراء المتجردين في شهر رمضان من كل سنة، ومن علمائها القاضي جمال الدين بن السديد، والخطيب بها فتح الدين بن دقيق العيد أحد الفصحاء البلغاء الذين حَصَلَ لهم السبق في ذلك، لم أرَ من يماثله إلا خطيب المسجد الحرام بهاء الدين الطبري، وخطيب مدينة خوارزم حسام الدين الشاطي، وسيقع ذِكْرُهما، ومنهم الفقيه بهاء الدين بن عبد العزيز المدرس بمدرسة المالكية، ومنهم الفقيه برهان الدين إبراهيم الأندلسي، له زاوية عالية، ثم سافَرْتُ إلى مدينة الأقصر (وضبط اسمها بفتح الهمزة وضم الصاد المهمل)، وهي صغيرة حسنة، وبها قبر الصالح العابد أبي الحجاج الأقصري وعليه زاوية، وسافرْتُ منها إلى مدينة أَرْمَنْت (وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الراء وميم مفتوحة ونون ساكنة وتاء فوقية)، وهي صغيرة ذات بساتين مبنية على ساحل النيل، أضافني قاضيها وأُنْسِيتُ اسْمَه، ثم سافَرْتُ منها إلى مدينة أَسْنَا (وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان السين المهمل ونون)، مدينة عظيمة متسعة الشوارع ضخمة المنافع كثيرة الزوايا والمدارس والجوامع، لها أسواق حسان وبساتين ذات أفنان، قاضيها قاضي القضاة شهاب الدين بن مسكين، أضافني وأكرَمَنِي وكتب إلى نوابه بإكرامي، وبها من الفضلاء الشيخ الصالح نور الدين علي والشيخ الصالح عبد الواحد المكناسي، وهو على هذا العهد صاحب زاوية بقوص.

ثم سافرت منها إلى مدينة أَدْفُو (وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الدال المهمل وضم الفاء)، وبينها وبين مدينة أسنا مسيرة يوم وليلة في صحراء، ثم جزنا النيل من مدينة أدفو إلى مدينة العطواني، ومنها اكترينا الجمال، وسافَرْنُا مع طائفة من العرب تُعْرَف بدغيم (بالغين المعجمة) في صحراء لا عمارة بها إلا أنها آمنة السبل، وفي بعض منازلها نزلنا حميثرا حيث قبر ولي الله أبي الحسن الشاذلي، وقد ذَكَرْنا كرامته في أخباره أنه يموت بها، وأَرْضُها كثيرة الضباع، ولم نَزَل ليلةَ مَبِيتِنا بها نُحَارِب الضباع، ولقد قَصَدَتْ رحلي ضبعٌ منها فمزَّقَتْ عدلًا كان به واجترَّتْ منه حراب تمر وذَهَبَتْ به فوجدناه لما أصبحنا ممزَّقًا مأكولًا معظم ما كان فيه، ثم لما سِرْنا خمسة عشر يومًا وصلنا إلى مدينة عيذاب، وهي مدينة كبيرة كثيرة الحوت واللبن ويُحْمَل إليها الزرع والتمر من صعيد مصر، وأهلها البجاة وهم سود الألوان يلتحفون ملاحف صفرًا ويشدون على رءوسهم عصائب يكون عَرْض العصابة منها أصبعًا، وهم لا يُوَرِّثُون البنات، وطعامهم ألبان الإبل، ويركبون المهاري ويسمونها الصهب، وثلث المدينة للملك الناصر، وثلثاها لملك البجاة وهو يُعْرَف بالحدربي (بفتح الحاء المهمل وإسكان الدال وراء مفتوحة وباء موحدة وياء).

وبمدينة عيذاب مسجد يُنْسَب للقسطلاني شهير البركة رأيته وتبركت به، وبها الشيخ الصالح موسى والشيخ المسن محمد المراكشي، زَعَمَ أنه ابن المرتضى ملك مراكش، وأن سنه خمس وتسعون سنة، ولما وَصَلْنَا إلى عيذاب وَجَدْنا الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك، وقد خَرَقَ المراكب وهرب الترك أمامه، فتعذر سَفَرُنا في البحر، فبِعْنَا ما كُنَّا أعددناه من الزاد، وعُدْنَا مع العرب الذين اكترينا الجِمال منهم إلى صعيد مصر، فوصلنا إلى مدينة قوص التي تَقَدَّمَ ذِكْرُها وانحدرنا منها في النيل، وكان أوان مَدِّه فوصلنا بعد مسيرة ثمانٍ من قوص إلى مصر، فبِتُّ بمصر ليلة واحدة وقصدت بلاد الشام، وذلك في منتصف شعبان سنة ست وعشرين، فوصلْتُ إلى مدينة بلبيس (وضبط اسمها بفتح الموحدة الأولى وفتح الثانية ثم ياء آخر الحروف مسكنة وسين مهملة)، وهي مدينة كبيرة ذات بساتين كثيرة، ولم أَلْقَ بها مَنْ يَجِبُ ذِكْرُه.

ثم وصلت إلى الصالحية، ومنها دخلنا الرمال ونزلنا منازلها مثل السوادة والورادة والمطيلب والعريش والخروبة، وبكل منزل منها فندق وهم يسمونه الخان، ينزله المسافرون بدوابهم، وبخارج كل خانٍ ساقية للسبيل وحانوت يشتري منها المسافر ما يحتاجه لنفسه ودابته، ومن منازلها قَطْيَا المشهورة، وهي (بفتح القاف وسكون الطاء وياء آخر الحروف مفتوحة وألف)، والناس يُبْدِلون أَلِفَها هاءَ تأنيث، وبها تؤخذ الزكاة من التجار وتُفَتَّش أمتعتهم ويُبْحَث عما لديهم أشد البحث، وفيها الدواوين والعمال والكُتَّاب والشهود، ومجباها في كل يوم ألف دينار من الذهب، ولا يجوز عليها أحد من الشام إلا ببراءة من مصر، ولا إلى مصر إلا ببراءة من الشام؛ احتياطًا على أموال الناس، وتوقِّيًا من الجواسيس العرافيين، وطريقها في ضمان العرب قد وُكِّلُوا بحفظه، فإذا كان الليل مَسَحُوا على الرمل لا يبقى به أَثَرٌ، ثم يأتي الأمير صباحًا فينظر إلى الرمل، فإن وَجَدَ به أثرًا طَالَبَ العرب بإحضار مؤثره، فيذهبون في طلبه فلا يفوتهم، فيأتون به الأميرَ فيعاقبه بما شاء.

وكان بها في عَهْد وصولي إليها عز الدين أستاذ الداراقماري من خيار الأمراء، أضافني وأَكْرَمَني وأباح الجواز لمن كان معي، وبين يديه عبد الجليل المغربي الوقاف وهو يَعْرِف المغاربة وبلادهم، فيسأل من وَرَدَ منهم من أي البلاد هو لئلا يلبس عليهم، فإن المغاربة لا يعترضون في جوازهم على قطيا، ثم سِرْنَا حتى وَصَلْنا إلى مدينة غزة، وهي أول بلاد الشام مما يلي مصر، متسعة الأقطار كثيرة العمارة حسنة الأسواق بها المساجد العديدة والأسوار عليها، وكان بها مسجد جامع حسن، والمسجد الذي تقام الآن به الجمعة، فيها بناء الأمير المعظم الجاولي، وهو أنيق البناء مُحْكَم الصنعة ومنبره من الرخام الأبيض، وقاضي غزة بدر الدين السلختي الحوراني، ومُدَرِّسها علم الدين بن سالم، وبنو سالم كبراء هذه المدينة، ومنهم شمس الدين قاضي القدس.

ثم سافرْتُ من غزة إلى مدينة الخليل صلى الله على نبينا وعليه وسلَّمَ تسليمًا، وهي مدينة صغيرة الساحة كبيرة المقدار مُشْرِقة الأنوار حسنة المنظر عجيبة المخبر في بطن وادٍ، ومسجدها أنيق الصنعة مُحْكَم العمل بديع الحُسْن سامي الارتفاع مبنيٌّ بالصخر المنحوت، في أحد أركانه صخرة أحد أقطارها سبعة وثلاثون شبرًا، ويقال: إن سليمان عليه السلام أَمَرَ الجن ببنائه، وفي داخل المسجد الغار المُكَرَّم المُقَدَّس، فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات الله على نبينا وعليهم، ويقابلها قبور ثلاثة هي قبور أزواجهم، وعن يمين المنبر يلصق جدار القبلة موضع يُهْبَط منه على دَرَج رخام محكمة العمل إلى مسلك ضيق يُفْضِي إلى ساحة مفروشة بالرخام فيها صور القبور الثلاثة، ويقال إنها محاذية لها، وكان هنالك مسلك إلى الغار المبارك وهو الآن مسدود، وقد نزلْتُ بهذا الموضع مرات، ومما ذَكَرَهُ أهل العلم دليلًا على صحة كون القبور الثلاثة الشريفة هنالك ما نَقَلْتُه من كتاب علي بن جعفر الرازي الذي سماه المسفر للقلوب عن صحة قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أَسْنَدَ فيه إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لما أُسْرِيَ بي إلى بيت المقدس مَرَّ بي جبريل على قَبْر إبراهيم فقال: انزل فصلِّ ركعتين، فإن هنا قبر أبيك إبراهيم، ثم مَرَّ بي على بيت لحم وقال: انزل فصلِّ ركعتين، فإن هنا وُلِدَ أخوك عيسى عليه السلام، ثم أتى بي إلى الصخرة» وذَكَرَ بقية الحديث.

ولَمَّا لَقِيتُ بهذه المدينة المُدَرِّسَ الصالح المعمر الإمام الخطيب برهان الدين الجعبري أحد الصلحاء المرضيين والأئمة المشهرين، سألته عن صحة كَوْن قَبْر الخليل عليه السلام هنالك، فقال لي: كل من لقيته من أهل العلم يُصَحِّحون أن هذه القبور قبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب — على نبينا وعليهم السلام — وقبور زوجاتهم، ولا يَطْعَنُ في ذلك إلا أهل البدع، وهو نَقْل الخلف عن السلف لا يُشَكُّ فيه.

بسم الله الرحمن الرحيم، لله العزة والبقاء، وله ما ذرأ وبرأ، وعلى خَلْقِه كتب الفناء، وفي رسول الله أسوة، هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين رضي الله عنه، وفي اللوح الآخر منقوش: صنعه محمد بن أبي سهل النقاش بمصر.

وتحت ذلك هذه الأبيات:

أسكنْت من كان في الأحشاء مَسْكَنُهُبالرغم منيَ بين التُّرْب والحَجَرِ
يا قَبْرَ فاطمةٍ بِنْت ابن فاطمةبنت الأئمة بنت الأَنْجُم الزُّهْرِ
يا قَبْرُ ما فيك من دِينٍ ومن وَرَعٍومِنْ عَفَافٍ ومن صَوْنٍ ومِنْ خَفَرِ

ثم سافرْتُ من هذه المدينة إلى القدس، فزرْتُ في طريقي إليه تربة يونس عليه السلام، وعليها بنية كبيرة ومسجد، وزُرْتُ أيضًا بيت لحم موضع ميلاد عيسى عليه السلام، وبه أَثَرُ جَذْع النخلة، وعليه عمارة كثيرة، والنصارى يعظمونه أَشَدَّ التعظيم ويضيفون من نَزَلَ به، ثم وَصَلْنا إلى بيت المقدس شرفه الله، ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفضل، ومصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، ومعرجه إلى السماء، والبلدة كبيرة منيفة مبنية بالصخر المنحوت، وكان الملك الصالح الفاضل صلاح الدين بن أيوب — جزاه الله عن الإسلام خيرًا — لما فَتَحَ هذه المدينة هَدَمَ بعض سورها، ثم استنقض الملك الظاهر هدمه؛ خوفًا أن يقصدها الروم فيتمنعوا بها، ولم يكن بهذه المدينة نهر فيما تَقَدَّمَ، وجَلَبَ لها الماءَ في هذا العهد الأميرُ سيف الدين تنكيز أمير دمشق.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.