تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية أدهم

يُذْكَر أنه مرَّ ذات يوم ببساتين مدينة بخارى وتوضأ من بعض الأنهار التي تتخللها، فإذا بتفاحة يحملها ماء النهر فقال: هذه لا خطر لها فأكلها، ثم وَقَعَ في خاطره من ذلك وسواس، فعزم على أن يستحل من صاحب البستان فقرع باب البستان، فخرجت إليه جارية، فقال لها: ادعي لي صاحب المنزل، فقالت: إنه لامرأة، فقال: استأذني لي عليها، ففَعَلَتْ، فأخبر المرأة بخبر التفاحة، فقالت له: إن هذا البستان نصفه لي ونصفه للسلطان، والسلطان يومئذٍ ببلخ، وهي مسيرة عشرة من بخارى، وأَحَلَّتْه المرأة من نصفها، وذَهَبَ إلى بلخ، فاعترض السلطانَ في موكبه، فأخبره الخبر واستحله، فأمره أن يعود إليه من الغد، وكان للسلطان بنت بارعة الجمال قد خَطَبَهَا أبناء الملوك، فتمنَّعَتْ وحببت إليها العبادة وحب الصالحين، وهي تحب أن تتزوج من وَرِع زاهد في الدنيا، فلما عاد السلطان إلى منزله أخبر بنته بخبر أدهم وقال: ما رأيت أَوْرَعَ من هذا، يأتي من بخارى إلى بلخ لأجل نصف تفاحة! فرَغِبَتْ في تزوُّجه، فلما أتاه من الغد قال: لا أُحِلُّكَ إلا أن تتزوج ببنتي، فانقاد لذلك بعد استعصاء وتمنُّع فتزوَّج منها، فلما دَخَلَ عليها وَجَدَهَا متزينة والبيت مزين بالفرش وسواها، فعمد إلى ناحية من البيت وأقبل على صلاته حتى أصبح، ولم يَزَلْ كذلك سبع ليال، وكان السلطان ما أحله قبلُ فبعث إليه أن يحله، فقال: لا أحلك حتى يَقَعَ اجتماعك بزوجتك، فلما كان الليل واقَعَها ثم اغتسل وقام إلى الصلاة، فصاح صيحةً وسجد في مصلاه فوُجِدَ ميِّتًا رحمه الله، وحَمَلَتْ منه فولدت إبراهيم ولم يكن لجده ولد فأُسْنِد المُلْك إليه، وكان مِنْ تَخَلِّيه عن الملك ما اشْتُهِر.

وعلى قبر إبراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها بِرْكة ماء وبها الطعام للصادر والوارد، وخادمها إبراهيم الجمحي من كبار الصالحين، والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام ويقيمون بها ثلاثًا ويقوم بها خارِجَ المدينة سوق عظيم فيه من كل شيء ويَقْدِم الفقراء المتجردون من الآفاق بحضور هذا الموسم، وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة، وأكثر أهل هذه السواحل هم الطائفة النصيرية الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إله، وهم لا يُصَلُّون ولا يتطهرون ولا يصومون، وكان الملك الظاهر أَلْزَمَهُمْ بناء المساجد بقراهم، فبَنَوْا بكل قريةٍ مسجدًا بعيدًا عن العمارة، ولا يدخلونه ولا يعمرونه، وربما آوت إليه مواشيهم ودوابهم، وربما وَصَلَ الغريب إليهم فينزل بالمسجد ويؤذن للصلاة فيقولون له: لا تنهق علفك يأتيك. وعددهم كثير.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.