من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
حكاية أبي يعقوب يوسف المذكور: حكاية (٢)
كان قراسنقور من كبار الأمراء، وممن حضر قَتْلَ الملك الأشرف أخي الملك الناصر وشارك فيه، ولما تَمَهَّدَ المُلْك للملك الناصر وقَرَّ به القرار واشتدت أواخي سلطانه جَعَلَ يتتبَّع قَتَلَة أخيه فيقتلهم واحدًا واحدًا إظهارًا للأخذ بثأر أخيه وخوفًا أن يتجاسروا عليه بما تجاسروا على أخيه، وكان قراسنقور أمير الأمراء بحلب، فكتب الملك الناصر إلى جميع الأمراء أن ينفروا بعساكرهم، وجعل لهم ميعادًا يكون فيه اجتماعهم بحلب ونزولهم عليها حتى يقبضوا عليه، فلما فعلوا ذلك خاف قراسنقور على نفسه، وكان له ثمانمائة مملوك، فركب فيهم وخرج على العساكر صباحًا فاخترقهم وأَعْجَزَهُم سبقًا، وكانوا في عشرين ألفًا، وقصد منزل أمير العرب مهنا بن عيسى وهو على مسيرة يومين من حلب، وكان مهنا في قنص له فقصد بيته ونزل عن فرسه وألقى العمامة في عنق نفسه ونادى: الجوار يا أمير العرب، وكانت هنالك أم الفضل زوج مهنا وبنت عمه فقالت له: قد أَجَرْناك وأَجَرْنا مَنْ معك، فقال: إنما أَطْلُب أولادي ومالي، فقالت له: لك ما تحب فانزل في جوارنا، ففعل ذلك، وأتى مهنا فأحْسَنَ نُزُلَه وحَكَّمه في ماله، فقال: إنما أحب أهلي ومالي الذي تَرَكْتُه بحلب، فدعا مهنا بإخوته وبني عمه فشَاوَرَهُم في أَمْره، فمنهم من أجابه إلى ما أراد، ومنهم من قال له: كيف نحارب الملك الناصر ونحن في بلاده بالشام، فقال لهم مهنا: أما أنا فأفعل لهذا الرجل ما يريده، وأذهب معه إلى سلطان العراق، وفي أثناء ذلك وَرَدَ عليهم الخبر بأن أولاد قراسنقور سيروا على البريد إلى مصر، فقال مهنا لقراسنقور: أما أولادك فلا حيلة فيهم، وأما مالُك فنجتهد في خلاصه، فركب فيمن أطاعه من أهله، واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفًا، وقصدوا حلب فأحرقوا باب قلعتها وتَغَلَّبُوا عليها واستخلصوا منها مال قراسنقور ومن بقي من أهله ولم يَتَعَدَّوْا إلى سوى ذلك.
وقَصَدُوا مَلِك العراق وصَحِبَهم أمير حمص الأفرم، ووصلوا إلى الملك محمد خدابنده سلطان العراق وهو بموضع مصيفه المسمى قراباغ (بفتح القاف والراء والباء الموحدة والغين المعجمة)، وهو ما بين السلطانية وتبريز، فأَكْرَمَ نُزُلَهُم وأعطى مهنا عراق العرب، وأعطى قراسنقور مدينة مراغة من عراق العجم (وتُسَمَّى دمشق الصغيرة) وأعطى الأفرم همدان، وأقاموا عنده مدةً مات فيها الأفرم، وعاد مهنا إلى الملك الناصر بعد مواثيق وعهود أَخَذَهَا منه، وبقي قراسنقور على حاله، وكان الملك الناصر يبعث له الفداوية مرة بعد مرة، فمنهم من يدخل عليه داره فيُقْتَل دونه ومنهم من يرمي بنفسه عليه وهو راكب فيضربه، وقتل بسببه من الفداوية جماعة، وكان لا يفارق الدرع أبدًا، ولا ينام إلا في بيت العود والحديد، فلما مات السلطان محمد وولي ابنه أبو سعيد وَقَعَ ما سنذكره مِنْ أَمْر الجو بأن كبير أمرائه وفرار ولده الدمرطاش إلى الملك الناصر، ووقعت المراسلة بين الملك الناصر وبين أبي سعيد، واتفقا على أنْ يبعث أبو سعيد إلى الملك الناصر برأس قراسنقور ويبعث إليه الملك الناصر برأس الدمرطاش، فبعث الملك الناصر برأس الدمرطاش إلى أبي سعيد، فلما وَصَلَهُ أَمْرٌ بحمل قراسنقور إليه، فلما عرف قراسنقور بذلك أخذ خاتمًا كان له مجوفًا في داخله سم ناقع، فنزع فصه وامتص ذلك السم، فمات لحينه فعَرَّفَ أبو سعيد بذلك الملكَ الناصر ولم يبعث له برأسه، ثم سافرْتُ من حصون الفداوية إلى مدينة جبلة، وهي ذات أنهار مطردة وأشجار، والبحر على نحو ميل منها، وبها قبر الولي الصالح الشهير إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه، وهو الذي نَبَذَ المُلْك وانقطع إلى الله تعالى حسبما شُهِرَ ذلك، ولم يكن إبراهيم من بيت مُلْك كما يظنه الناس، إنما وَرِثَ المُلْك عن جده أبي أمه، وأما أبوه أدهم، فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين الورعين المنقطعين.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع