تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية أدهم: حكاية

ذُكِرَ لي أن رجلًا مجهولًا وَقَعَ ببلاد هذه الطائفة فادعى الهداية وتكاثروا عليه فوعدهم بتملك البلاد وقسم بينهم بلاد الشام، وكان يعين لهم البلاد ويأمرهم بالخروج إليها ويعطيهم من ورق الزيتون، ويقول لهم: استظهروا بها فإنها كالأوامر لكم، فإذا خرج أحدهم إلى بلد أَحْضَرَهُ أميرها، فيقول له: إن الإمام المهدي أعطاني هذا البلد، فيقول له: أين الأمر، فيخرج ورق الزيتون فيضرب ويحبس، ثم إنه أَمَرَهُمْ بالتجهيز لقتال المسلمين، وأن يَبْدَءوا بمدينة جبلة وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان الآس، ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفًا عند القتال، فغدروا مدينة جبلة وأهلها في صلاة الجمعة، فدخلوا الدور وهتكوا الحريم وثار المسلمون من مسجدهم، فأخذوا السلاح وقتلوهم كيف شاءوا، واتصل الخبر باللاذقية فأقبل أميرها بهادر عبد الله بعسكره وطيرت الحمام إلى طرابلس، فأتى أمير الأمراء بعساكره واتبعوهم حتى قتلوا منهم نحو عشرين ألفًا، وتحصن الباقون بالجبال وراسلوا ملك الأمراء، والتزموا أن يعطوه دينارًا عن كل رأس إن هو حَاوَلَ إبقاءهم، وكان الخبر قد طُيِّرَ به الحمام إلى الملك الناصر، وصدر جوابه أن يحمل عليهم السيف، فراجعه ملك الأمراء وألقى له أنهم عمال المسلمين في حراثة الأرض، وأنهم إن قُتِلُوا ضَعُفَ المسلمون لذلك فأمر بالإبقاء عليهم. ثم سافرْتُ إلى مدينة اللاذقية، وهي مدينة عتيقة على ساحل البحر يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا، وكنت إنما قَصَدْتُها لزيارة الولي الصالح عبد المحسن الإسكندري، فلما وَصَلْتُها وَجَدْتُه غائبًا بالحجاز الشريف، فلقيت مِنْ أصحابه الشيخين الصالحين سعيد البجائي ويحيى السلاوي، وهما بمسجد علاء الدين بن البهاء أحد فضلاء الشام وكبرائها صاحب الصدقات والمكارم، وكان قد عَمَرَ لهما زاوية بقرب المسجد، وجعل بها الطعام للوارد والصادر، وقاضيها الفقيه الفاضل جلال الدين عبد الحق المصري المالكي فاضل كريم تعلق بطيلان ملك الأمراء فَوَلَّاه قضاءها.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.