تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

حكاية أدهم: حكاية (٢)

كان باللاذقية رجل يُعْرَف بابن المؤيد، هجَّاء لا يسلم أحد من لسانه، مُتَّهَم في دينه مُسْتَخَفٌّ يتكلم بالقبائح من الإلحاد، فعَرَضَتْ له حاجة عند طيلان ملك الأمراء فلم يَقْضِها له، فقَصَدَ مصر وتَقَوَّل عليه أمورًا شنيعة، وعاد إلى اللاذقية، فكتب طيلان إلى القاضي جلال الدين أنْ يَتَحَيَّل في قَتْله بوجه شرعي، فدعاه القاضي إلى منزله وباحَثَه واستخرج كامِنَ إلحاده، فتكلم بعظائم أَيْسَرُها يُوجِب القتل، وقد أعدَّ القاضي الشهود خَلْف الحجاب، فكتبوا عقدًا بمقاله، وثُبِّتَ عند القاضي وسُجِنَ، وأُعْلِم ملك الأمراء بقضيته.

ثم أُخْرِجَ من السجن وخُنِقَ على بابه، ثم لم يلبث ملك الأمراء طيلان أن عُزِلَ عن طرابلس ووَلِيَها الحاج قرطية من كبار الأمراء وممن تَقَدَّمَت له فيها الولاية، وبينه وبين طيلان عداوة فجعل يَتْبع سقطاته، وقام لديه إخوة ابن المؤيد شاكين من القاضي جلال الدين، فأُمِرَ به وبالشهود الذين شهدوا على ابن المؤيد، فأُحْضِروا وأُمِرَ بخنقهم وأُخْرِجوا إلى ظاهر المدينة، حيث يُخْنَق الناس، وأُجْلِس كل واحد منهم تحت مُخْتَنَقه ونُزِعَت عمائمهم، ومن عادة أمراء تلك البلاد أنه متى أُمِرَ أحدهم بقتل أحد من الناس يمر الحاكم من مجلس الأمير سبقًا على فرسه إلى حيث المأمور بقتله، ثم يعود إلى الأمير فيكرر استئذانه، يفعل ذلك ثلاثًا، فإذا كان بعد الثلاث أُنْفِذَ الأمر، فلما فعل الحاكم ذلك قامت الأمراء في المرة الثالثة وكشفوا رءوسهم وقالوا: أيها الأمير هذه سبة في الإسلام، يُقْتَل القاضي والشهود! فقَبِلَ الأمير شفاعتهن وخلى سبيلهم.

وبخارج اللاذقية الدير المعروف بدير الفاروص، وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرهبان ويقصده النصارى من الآفاق، وكُلُّ من نَزَلَ به من المسلمين فالنصارى يضيفونه، وطعامهم الخبز والجبن والزيتون والخل والكبر، وميناء هذه المدينة عليها سلسلة بين برجين لا يدخلها أحد ولا يخرج منها حتى تُحَطَّ له السلسلة، وهي من أحسن المراسي بالشام، ثم سافرْتُ إلى حسن المرقب، وهو من الحصون العظيمة يماثل حصْن الكرك، ومبناه على جبلٍ شامخ وخارجه ربض ينزله الغرباء ولا يدخلون قَلْعَتَه، وافتَتَحَه من أيدي الروم الملك المنصور قلاوون، وعليه ولد ابنه الملك الناصر، وكان قاضيه برهان الدين المصري من أفاضل القضاة وكرمائهم، ثم سافرْتُ إلى الجبل الأقرع، وهو أعلى جبل بالشام وأول ما يظهر منها من البحر، وسكانه التركمان، وفيه العيون والأنهار، وسافرت منه إلى جبل لبنان، وهو من أخصب جبال الدنيا، فيه أصناف الفواكه وعيون الماء والظلال الوافرة، ولا يخلو من المنقطعين إلى الله تعالى والزهاد والصالحين، وهو شهير بذلك، ورأيت به جماعة من الصالحين قد انقطعوا إلى الله تعالى ممن لم يشتهر اسمه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.