من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروضته الشريفة
المسجد المعظم مستطيل تَحُفُّه من جهاته الأربع بلاطات دائرة به ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل، ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلط بالحجر المنحوت، والروضة المقدسة صلوات الله وسلامه على ساكنها في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم، وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله، وهي مدوَّرة بالرخام البديع النحت الرائق النعت، قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان، وفي الصفحة القبلية منها مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم، وهنالك يَقِفُ الناس للسلام مستقْبِلِينَ الوجه الكريم مستديرين القبلة فيسلمون وينصرفون يمينًا إلى وَجْه أبي بكر الصديق، ورأس أبي بكر رضي الله عنه عند قَدَمَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ينصرفون إلى عمر بن الخطاب، ورأس عمر عند كتفي أبي بكر رضي الله عنهما، وفي الجو من الروضة المقدسة — زادها الله طيبًا — حوض صغير مُرَخَّم في قبلته شكل محراب، يقال: إنه كان بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا، ويقال أيضًا: هو قبرها، والله أعلم، وفي وسط المسجد الكريم دفة مطبقة على وجه الأرض مقفلة على سرداب له دَرَج يُفْضِي إلى دار أبي بكر رضي الله عنه خارج المسجد، وعلى ذلك السرداب كان طريق بنته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إلى داره، ولا شك أنه هو الخوخة التي وَرَدَ ذِكْرُها في الحديث وأَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم تسليمًا بإبقائها وسَدِّ ما سواها، وبإزاء دار أبي بكر رضي الله عنه دار عمر ودار ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وبشرقي المسجد الكريم دار إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس رضي الله عنه، وبمقربة من باب السلام سقاية يُنْزَل إليها على دَرَج ماؤها مَعِينٌ وتُعْرَف بالعين الزرقاء.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع