تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر وليٍّ لقيناه بهذا الجبل

ولما أرسينا تحت هذا الجبل صعدناه إلى هذه الرابطة فوجدنا بها شيخًا نائمًا فسَلَّمْنَا عليه فاستيقظ وأشار برد السلام، فكلمناه فَلَمْ يُكَلِّمْنا وكان يحرك رأسه، فأتاه أهل المركب بطعام فأبى أن يَقْبَلَه، فطلبنا منه الدعاء فكان يحرك شفتيه ولا نَعْلَم ما يقول، وعليه مُرَقَّعة وقلنسوة لبد وليس معه ركوة ولا إبريق ولا عكاز ولا نعل، وقال أهل المركب: إنهم ما رأوه قط بهذا الجبل، وأقمنا تلك الليلة بساحل هذا الجبل وصلينا معه العصر والمغرب وجئناه بطعام فرده وأقام يصلي إلى العشاء الآخرة ثم أَذَّنَ وصليناها معه، وكان حسن الصوت بالقراءة مجيدًا لها، ولما فرغ من صلاة العشاء الآخرة أومأ إلينا بالانصراف فودَّعْنَاه وانصرفنا ونحن نعجب مِنْ أَمْرِهِ، ثم إني أردْتُ الرجوع إليه لما انصرفنا، فلما دنوت منه هِبْتُهُ وغَلَبَ عليَّ الخوف ورجعت إلى أصحابي وانصرفْتُ معهم، ورَكِبْنا البحر ووصلنا بعد يومين إلى جزيرة الطير، وليست بها عمارة فَأَرْسَيْنَا وصعدنا إليها فوجدناها ملآنة بطيور تشبه الشقاشق إلا أنها أعظم منها، وجاءت الناس ببيضِ تلك الطيور فطبخوها وأكلوها، واصطادوا جملة من تلك الطيور فطبخوها دون ذكاة وأكلوها، وكان يجالسني تاجر من أهل جزيرة مصيرة ساكن بظفار اسمه مسلم، فرأيته يأكل معهم تلك الطيور، فأنكَرْتُ ذلك عليه فاشتدَّ خجله، وقال لي: ظَنَنْتُ أنهم ذبحوها، وانقطع عني بعد ذلك من الخجل، فكان لا يَقْرَبُني حتى أدعو به، وكان طعامي في تلك الأيام بذلك المركب التمر والسمك، وكانوا يصطادون بالغدوِّ والعشى سمكًا يسمى بالفارسية شير ماهي ومعناه أسد السمك؛ لأن شير هو الأسد وماهي السمك، وهو يُشْبِه الحوت المسمَّى عندنا بتازرت، وهم يقطعونه قطعًا ويشوونه ويعطون كل من في المركب قطعة، لا يُفَضِّلُون أحدًا على أحد ولا صاحب المركب ولا سواه، ويأكلونه بالتمر، وكان عندي خبز وكعك استصحبتهما من ظفار، فلما نفدا كنت أقتات من تلك السمك في جملتهم، وعيدنا عيد الأضحى على ظهر البحر، وهبَّتْ علينا في يومه ريح عاصف بعد طلوع الفجر ودامت إلى طلوع الشمس وكادت تغرقنا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.