من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
ذكر النارجيل
وهو جوز الهند وهذا الشجر من أغرب الأشجار شأنًا وأعجبها أمرًا، وشجره شبه شجر النخل، لا فَرْقَ بينهما إلا أن هذه تثمر جوزًا وتلك تثمر ثمرًا، وجوزها يشبه رأس ابن آدم؛ لأن فيها شبه العينين والفم وداخلها شبه الدماغ إذا كانت خضراء وعليها ليف شبه الشعر، وهم يصنعون به حبالًا يخيطون بها المراكب عوضًا من مسامير الحديد ويصنعون منه الحبال للمراكب، والجوزة منها وخصوصًا التي بجزائر ذيبة المهل تكون بمقدار رأس الآدمي، ويزعمون أن حكيمًا من حكماء الهند في غابر الزمان كان متصلًا بملك من الملوك ومُعَظَّمًا لديه، وكان للملك وزير بينه وبين هذا الحكيم معاداة، فقال الحكيم للملك: إن رأس هذا الوزير إذا قُطِعَ ودُفِنَ تخرج منه نخلة تُثْمِر بثمر عظيم يعود نفعه على أهل الهند وسواهم من أهل الدنيا، فقال له الملك: فإن لم يَظْهَر من رأس الوزير ما ذَكَرْتَه، قال: إن لم يظهر فاصنع برأسي كما صَنَعْتُ برأسه، فأمر الملك برأس الوزير فقُطِعَ وأخذه الحكيم وغرس نواة تَمْرٍ في دماغه وعالَجَهَا حتى صارت شجرة وأَثْمَرَتْ بهذا الجوز، وهذه الحكاية من الأكاذيب، ولكن ذَكَرْنَاهَا لشهرتها عندهم.
ومن خواصِّ هذا الجوز تقوية البدن وإسراع السمن والزيادة في حمرة الوجه، وأما الإعانة على الباءة ففعله فيها عجيب، ومن عجائبه أنه يكون في ابتداء أَمْرِه أخضر فمن قطع بالسكين قطعة من قشره وفَتَحَ رأس الجوزة شرب منها ماء في النهاية من الحلاوة والبرودة، ومزاجه حارٌّ معين على الباءة، فإذا شرب ذلك الماء أخذ قطعة القشرة وجعلها شبه الملعقة وجرد بها ما في داخل الجوزة من الطعم فيكون طعمه كطعم البيضة إذا شُوِيَتْ ولم يَتِمَّ نضجها كل التَّمام ويتغذى به، ومنه كان غذائي أيام إقامتي بجزائر ذيبة المهل مدة من عام ونصف عام، وعجائبه أنه يُصْنَع منه الزيت والحليب والعسل، فأما كيفية صناعة العسل منه فإن خدام النخل منه ويسمون الفازانية يصعدون إلى النخلة غدوًّا وعشيًّا إذا أرادوا أَخْذ مائها الذي يصنعون منه العسل، وهم يُسَمُّونه الأطواق فيقطعون العذق الذي يَخْرُج منه الثمر ويتركون منه مقدار أصبعين ويربطون عليه قدرًا صغيرة فيقطر فيها الماء الذي يسيل من العذق، فإذا ربطها غدوة صعد إليها عشيًّا ومعه قدحان من قشر الجوز المذكور، أحدهما مملوء ماء فيصب ما اجتمع من ماء العذق في أحد القدحين ويغسله بالماء الذي في القدح الآخر، وينجر من العذق قليلًا ويربط عليه القدر ثانية، ثم يفعل غدوة كفعله عشيًّا، فإذا اجتمع له الكثير من ذلك الماء طبخه كما يُطْبَخ ماء العنب إذا صُنِعَ منه الرُّبُّ فيصير عسلًا عظيم النفع طيبًا، فيشتريه تجار الهند واليمن والصين ويحملونه إلى بلادهم ويصنعون منه الحلواء، وأما كيفية صُنْع الحليب منه فإن بكل دار شبه الكرسي تَجْلِس فوقه المرأة ويكون بيدها عصًى في أحد طرفيها حديدة مشرفة، فيفتحون في الجوزة مقدار ما تدخل تلك الحديدة ويجرشون ما في باطن الجوزة، وكل ما ينزل منها يجتمع في صحفة حتى لا يبقى في داخل الجوزة شيء، ثم يمرس ذلك الجريش بالماء فيصير كلون الحليب بياضًا ويكون طعمه كطعم الحليب ويأتدم به الناس، وأما كيفية صُنْع الزيت فإنهم يأخذون الجوز بعد نضجه وسقوطه عن شجره فيُزِيلُون قِشْرَه ويقطعونه قطعًا ويُجْعَل في الشمس، فإذا ذبل طبخوه في القدور واستخرجوا زيته، وبه يستصبحون ويأتدمون به، ويجعله النساء في شعورهن، وهو عظيم النفع.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع