تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر سلطان حلي

وسلطانها عامر بن ذؤيب من بني كنانة، وهو من الفضلاء الأدباء الشعراء، صَحِبْتُه من مكة إلى جدة، وكان قد حَجَّ في سنة ثلاثين، ولما قَدِمْتُ مدينته أنزلَني وأكرمَني، وأَقَمْتُ في ضيافته أيامًا، وركبت البحر في مركب له فوصلت إلى بلدة السرجة (وضبط اسمها بفتح السين المهمل وإسكان الراء وفتح الجيم)، بلدة صغيرة يسكنها جماعة من أولاد الهبي، وهم طائفة من تجار اليمن أكثرهم ساكنون بصعداء، ولهم فَضْل وكَرَم وإطعام لأبناء السبيل ويعينون الحجاج ويُرْكِبُونهم في مراكبهم ويزودونهم من أموالهم، وقد عُرِفُوا بذلك واشتهروا به، وكَثَّرَ الله أموالهم وزادهم من فضله وأعانهم على فِعْل الخير، وليس بالأرض من يماثلهم في ذلك إلا الشيخ بدر الدين النقاش الساكن ببلدة القحمة، فله مثل ذلك من المآثر والإيثار، وأقمنا بالسرجة ليلة واحدة في ضيافة المذكورين.

ثم رحلنا إلى مرسى الحادث ولم ننزل به ثم إلى مرسى الأبواب ثم إلى مدينة زبيد؛ مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخًا، وليس باليمن بعد صنعاء أكبر منها ولا أغنى من أهلها، واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره، وهي بَرِّيَّة لا شَطِّيَّة إحدى قواعد بلاد اليمن (وهي بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة)، مدينة كبيرة كثيرة العمارة بها النخل والبساتين والمياه أملح بلاد اليمن وأَجْمَلها، ولأهلها لطافة الشمائل وحُسْن الأخلاق وجمال الصور، ولنسائها الحسن الفائق الفائت، وهي وادي الخصيب الذي يُذْكَر في بعض الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ في وصيته: «يا معاذ، إذا جِئْتَ وادي الخصيب فهَرْوِلْ»، ولأهل هذه المدينة سبوت النخل المشهورة، وذلك أنهم يخرجون في أيام البسر والرطب في كل سبت إلى حدائق النخل ولا يبقى بالمدينة أحد من أهلها ولا من الغرباء، ويخرج أهل الطرب وأهل الأسواق لبيع الفواكه والحلاوات، وتخرج النساء ممتطيات الجِمَال في المحامل، ولهن مع ما ذكرناه من الجَمالِ الفائتِ الأخلاقُ الحسنةُ والمكارم، وللغريب عندهم مزية ولا يمتنعن من تزوجه كما يفعله نساء بلادنا، فإذا أراد السفر خَرَجْتُ معه وودعته وإن كان بينهما ولد فهي تَكْفُله وتقوم بما يجب له إلى أن يرجع أبوه، ولا تطالبه في أيام الغيبة بنفقة ولا كسوة ولا سواها، وإذا كان مقيمًا فهي تقنع منه بقليل النفقة والكسوة، لكنهن لا يخرجن عن بلدهن أبدًا، ولو أُعْطِيَتْ إحداهن ما عسى أن تعطاه على أن تخرج من بلدها لم تفعل.

وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحُسْن خلق، لقيت بمدينة زبيد الشيخ العالم الصالح أبا محمد الصنعاني والفقيه الصوفي المحقق أبا العباس الأبياني والفقيه المحدث أبا علي الزبيدي، ونزلت في جوارهم فأكرَموني وأضافوني ودخلت حدائقهم، واجتمعت عند بعضهم بالفقيه القاضي العالم أبي زيد عبد الرحمن الصوفي أحد فضلاء اليمن، ووقع عنده ذِكْر العابد الزاهد الخاشع أحمد بن العجيل اليمني، وكان من كبار الرجال وأهل الكرامات.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.