تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذكر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها: حكاية (٢)

ومن غريب ما اتفق لي بجدة أنه وَقَفَ على بابي سائل أعمى يطلب الماء يقوده غلام، فسلم علي وسماني باسمي وأخذ بيدي ولم أكن عَرَفْتُه قط ولا عرفني فعجبت من شأنه، ثم أمسك أصبعي بيده وقال: أين الفتخة؟ وهي الخاتم، وكنت حين خروجي من مكة قد لقيني بعض الفقراء، وسألني ولم يكن عندي في ذلك الحين شيء فدفعت له خاتمي، فلما سألني عنه هذا الأعمى قلت له: أعطيته لفقير، فقال: ارجع في طلبه، فإن فيه أسماء مكتوبة فيها سر من الأسرار، فطال تعجُّبي منه ومن معرفته بذلك كله والله أعلم بحاله، وبجدة جامع يُعْرَف بجامع الأبنوس معروف البركة يستجاب فيه الدعاء، وكان الأمير بها أبا يعقوب بن عبد الرزاق وقاضيها وخطيبها الفقيه عبد الله من أهل مكة، شافعي المذهب، وإذا كان يوم الجمعة واجتمع الناس للصلاة أتى المؤذن وعد أهل جدة المقيمين بها، فإن كملوا أربعين خطب وصلى بهم الجمعة، وإن لم يبلغ عددهم أربعين صلى ظهرًا أربعًا، ولا يعتبر من ليس من أهلها وإن كانوا عددًا كثيرًا، ثم ركبنا البحر من جدة في مركب يسمونه الجلبة، وكان لرشيد الدين الألفي اليمني الحبشي الأصل، وركب الشريف منصور بن أبي نمي في جلبة أخرى ورغب مني أن أكون معه، فلم أفعل لكونه كان معه في جلبته الجِمَال، فخِفْتُ من ذلك ولم أكن ركبت البحر قبلها، وكان هنالك جملة من أهل اليمن قد جعلوا أزوادهم وأمتعتهم في الجلب وهم متأهبون للسفر.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.