تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

مدينة الموصل

وهي مدينة عتيقة كثيرة الخصب، وقلعتها المعروفة بالحدباء عظيمة الشأن شهيرة الامتناع عليها سور مُحْكَم البناء مُشَيَّد البروج وتتصل بها دُور السلطان، وقد فَصَلَ بينها وبين البلد شارع مُتَّسِع مستطيل من أعلى البلد إلى أسفله، وعلى البلد سوران اثنان وثيقان أبراجهما كثيرة متقاربة، وفي باطن السور بيوت بعضها على بعض مستديرة بجداره قد تَمَكَّن فَتْحها فيه لِسَعَتِه، ولم أَرَ في أسوار البلاد مثله إلا السور الذي على مدينة دهلي حضرة ملك الهند، وللموصل ربض كبير فيه المساجد والحمامات والفنادق والأسواق، وبه مسجد جامع على شط الدجلة تدور به شبابيك حديد وتتصل به مساطب تُشْرِف على دجلة، في النهاية من الحسن والإتقان وأمامه مارستان، وبداخل المدينة جامعان أحدهما قديم والآخر حديث، وفي صَحْن الحديث منهما قبة في داخلها خصة رخام مثمنة مرتفعة على سارية رخام يخرج منها الماء بقوة وانزعاج فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس فيكون له مرأًى حسن، وقيسارية الموصل مليحة لها أبواب حديد ويدور بها دكاكين وبيوت بعضها فوق بعض متقنة البناء، وبهذه المدينة مشهد جرجيس النبي عليه السلام وعليه مسجد والقبر في زاوية منه عن يمين الداخل إليه، وهو فيما بين الجامع الجديد وباب الجسر، وقد حصلت لنا زيارته والصلاة بمسجده والحمد لله تعالى، وهنالك تل يونس عليه السلام، وعلى نحو ميل منه العين المنسوبة إليه، يقال إنه أَمَرَ قومه بالتطهير فيها ثم صعدوا التل ودعا ودعوا فكَشَفَ الله عنهم العذاب، وبمقربة منه قرية كبيرة يقرب منها خراب يقال إنه موضع المدينة المعروفة بنينوى مدينة يونس عليه السلام، وأثر السور المحيط بها ظاهر ومواضع الأبواب التي هي متبينة، وفي التل بناء عظيم ورباط فيه بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقايات يضم الجميع باب واحد وفي وسط الرباط بيت عليه ستر حرير وله باب مُرَصَّع يقال إنه الموضع الذي به موقف يونس عليه السلام، ومحراب المسجد الذي بهذا الرباط يقال إنه كان بيتَ مُتَعَبَّدِه عليه السلام، وأهل الموصل يخرجون في كل ليلة جمعة إلى هذا الرباط يتعبدون فيه.

وأهل الموصل لهم مكارم أخلاق ولِين كلام وفضيلة ومحبة في الغريب وإقبال عليه، وكان أميرها حين قدومي عليها السيد الشريف الفاضل علاء الدين علي بن شمس الدين محمد الملقب بحيدر، وهو من الكرماء الفضلاء، أنزلني بداره وأجرى علي الإنفاق مدة مقامي عنده، وله الصدقات والإيثار المعروف، وكان السلطان أبو سعيد يُعَظِّمه وفَوَّضَ إليه أَمْر هذه المدينة وما يليها، ويركب في موكب عظيم من مماليكه وأجناده، ووجوهُ أهل المدينة وكبراؤها يأتون للسلام عليه غدوًّا وعشيًّا، وله شجاعة ومهابة وولده في حين كتب هذا في حضرة فاس مستقر الغرباء ومأوى الفرق ومحط رحال الوفود، زادها الله بسعادة أيام مولانا أمير المؤمنين بهجة وإشراقًا وحرس أرجاءها ونواحيها، ثم رحلنا من الموصل ونزلنا قرية تُعْرَف بعين الرصد، وهي على نهر عليه جسر مبني وبهاخان كبير ثم رحلنا ونزلنا قرية تُعْرَف بالمويلحة، ثم رحلنا منها ونزلنا جزيرة ابن عمر، وهي مدينة كبيرة حسنة محيطة بها الوادي ولذلك سُمِّيَتْ جزيرة، أكثرها خراب ولها سوق حسنة ومسجد عتيق مبني بالحجارة مُحْكَم العمل، وسورها مبني بالحجارة أيضًا وأهلها فضلاء لهم محبة في الغرباء، ويوم نزولنا بها رأينا جبل الجودي المذكور في كتاب الله عز وجل الذي استوت عليه سفينة نوح عليه السلام، وهو جبل عالٍ مستطيل، ثم رحلنا منها مرحلتين ووصلنا إلى مدينة نصيبين، وهي مدينة عتيقة متوسطة قد خرب أكثرها، وهي في بسيط أفيح فسيح فيه المياه الجارية والبساتين الملتفَّة والأشجار المنتظِمة والفواكه الكثيرة، وبها يُصْنَع ماء الورد الذي لا نظير له في العطارة والطِّيب، ويدور بها نهر يعطف عليها انعطاف السوار، منبعه من عيون في جبل قريب منها، وينقسم انقسامًا فيتخلل بساتينها، ويدخل منه نهر إلى المدينة فيجري في شوارعها ودورها ويخترق صَحْن مسجدها الأعظم وينصب في صهريجين أحدهما في وسط الصحن والآخر عند الباب الشرقي، وبهذه المدينة مارستان ومدرستان، وأهلها أهل صلاح ودين وصِدْق وأمانة، ولقد صدق أبو نواس في قوله:

طابت نصيبين لي يومًا وطِبْتُ لهايا ليت حظي من الدنيا نصيبينُ

قال ابن جزي: والناس يصفون مدينة نصيبين بفساد الماء والوخامة، وفيها يقول بعض الشعراء:

لنصيبين قد عَجِبْتُ وما فيدارها لي داعٍ إلى العلاتِ
يعدم الورد أحمرًا في ذراهالسقام حتى من الوجناتِ

ثم رحلنا إلى مدينة سنجار، وهي مدينة كبيرة كثيرة الفواكه والأشجار والعيون المطردة والأنهار مبنية في سفح جبل تُشَبَّه بدمشق في كثرة أنهارها وبساتينها، ومسجدها الجامع مشهور البركة، يُذْكَر أن الدعاء به مستجاب، ويدور به نهر ماءٍ ويَشُقُّه، وأهل سنجار أكراد ولهم شجاعة وكَرَمٌ، ممن لقيته بها الشيخ الصالح العابد الزاهد عبد الله الكردي أحد المشايخ الكبار صاحب كرامات، يُذْكَر عنه أنه لا يُفْطِر إلا بعد أربعين يومًا، ويكون إفطاره على نِصْف قُرْص من الشعير، لقيته برابطة بأعلى جبل سنجار ودعا لي وزودني بدراهم لم تَزَلْ عندي إلى أن سلبني كفار الهنود، ثم سافرنا إلى مدينة دارا وهي عتيقة كبيرة بيضاء المنظر لها قلعة مشرفة وهي الآن خراب لا عمارة بها، وفي خارجها قرية معمورة بها كان نزولنا، ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة ماردين، وهي عظيمة في سطح جبل من أحسن مُدُن الإسلام وأبدعها وأتقنها وأحسنها أسواقًا، بها تُصْنَع الثياب المنسوجة إليها من الصوف المعروف بالمرعز، ولها قلعة شماء من مشاهير القلاع في قنة جبلها، قال ابن جزي: قلعة ماردين هذه تُسَمَّى الشهباء، وإياها عنى شاعر العراق صفي الدين عبد العزيز بن سراي الحلي بقوله في سمطه (سريع):

فدع ربوع الحلة الفيحاءوازور بالعيس عن الزوراء
ولا تقف بالموصل الحدباءإن شهاب القلعة الشهباء

محرق شيطان صروف الدهر

وقلعة حلب تسمى الشهباء أيضًا، وهي المسمطة بديعة مُدِحَ بها الملك المنصور سلطان ماردين، وكان كريمًا شهير الصيت، وَلِيَ الملك بها نحو خمسين سنة، وَأَدْرَكَ أيام قازان مَلِك التتر وصاهَرَ السلطان خذابنده بابنته دنيا خاتون.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.