من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)
مدينة بغداد
مدينة دار السلام، وحضرة الإسلام، ذات القدر الشريف، والفضل المنيف، مثوى الخلفاء، ومَقَرُّ العلماء، قال أبو الحسين بن جبير رضي الله عنه: وهذه المدينة العتيقة وإن لم تَزَلْ حضرة الخلافة العباسية، ومثابة الدعوة الإمامية القرشية، فقد ذَهَبَ رسمها، ولم يَبْقَ إلا اسمها، وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها والْتِفَات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس، أو تمثال الخيال الشاخص، فلا حُسْن فيها يستوقف البصر ويستدعي من المستوفز الغفلة والنظر، إلا دجلتها التي هي بين شَرْقِيِّها وغَرْبِيِّها كالمرآة المجلوة بين صفحتين، أو العقد المنتظم بين لبتين، فهي تَرِدُها ولا تظمأ، وتتطلع منها في مرآة صقيلة لا تصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ، قال ابن جزي: وكأن أبا تمام حبيب بن أوس اطَّلَعَ على ما آلَ إليه أَمْرُها حين قال فيها (بسيط):
لقد أقام على بغداد ناعيهافلْيَبْكِها لِخَرَابِ الدهر باكيها
كانت على مائها والحرب موقدةوالنار تطفأ حسنًا في نواحيها
ترجى لها عودةٌ في الدهر صالحةفالآن أَضْمَرَ منها اليأسَ راجيها
مثل العجوز التي وَلَّتْ شبيبتهاوبان عنها جمالٌ كان يحظيها
وقد نظم الناس في مَدْحِها وذِكْر محاسنها فأطنبوا، ووجدوا مكان القول ذا سعة فأطالوا وأطابوا، وفيها قال الإمام القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي البغدادي وأنشدنيه والدي رحمه الله مرات (بسيط):
طِيبُ الهواء ببغدادٍ يُشَوِّقُنِيقربًا إليها وإن عاقتْ مقاديرِ
وكيف أَرْحَلُ عنها اليومَ إذ جَمَعَتْطِيبَ الهواءيْنِ ممدودٍ ومقصورِ
وفيها يقول أيضًا رحمه الله تعالى ورضي عنه (طويل):
سلامٌ على بَغْدَاد في كل مَوْطِنٍوحَقَّ لها مني السلام المضاعفُ
فوالله ما فارَقْتُها عن قلى لهاوإني بِشَطَّيْ جانبيها لَعَارِفُ
ولكنها ضاقَتْ عَلَيَّ برحْبِهاولم تكن الأقدار فيها تساعفُ
وكانت كَخِلٍّ كُنْتُ أهوى دُنُوَّهُوأخلاقه تنأى به وتخالفُ
وفيها يقول أيضًا مغاضبًا لها وأنشدنيه والدي رحمه الله غير مرة (بسيط):
بغدادُ دارٌ لأهل المال واسعةٌوللصعاليك دار الضنك والضيقِ
ظللت أمشي مضافًا في أَزُقَّتِهاكأنني مُصْحَفٌ في بَيْتِ زِنْدِيقِ
وفيها يقول القاضي أبو الحسن علي بن النبيه من قصيدة (خفيف):
آنست بالعراق بدرًا منيرَافطوت غيهبًا وخاضت هجيرَا
واستطابت ريا نسائم بغداد فكادت لولا البرى أن تطيرَا
ذَكَرْتُ من مسارح الكرخ روضًالم يَزَلْ ناضرًا وماءً نميرَا
واجتنت من ربا المحول نورًاواجتلت من مطالع التاج نورَا
ولبعض نساء بغداد في ذِكْرِها (كامل):
آهًا على بغدادها وعراقهاوظبائها والسحر في أحداقها
ومجالها عند الفرات بأَوْجُهٍتبدو أَهِلَّتُها على أطواقها
متبختراتٍ في النعيم كأنماخُلِقَ الهوى العذريِّ من أخلاقها
نفسي الفداء لها فأي محاسنفي الدهر تُشْرِق من سنا إشراقها
(رجع)، ولبغداد جسران اثنان معقودان على نحو الصفة التي ذَكَرْنَاها في جسر مدينة الحلة والناس يعبرونهما ليلًا ونهارًا رجالًا ونساء، فهم في ذلك في نزهة متصلة، وببغداد من المساجد التي يُخْطَب فيها وتقام فيها الجمعة أحد عشر مسجدًا، منها بالجانب الغربي ثمانية وبالجانب الشرقي ثلاثة، والمساجد سواها كثيرة جدًّا وكذلك المدارس إلا أنها خربت، وحمامات بغداد كثيرة وهي من أبدع الحمامات وأكثرها مطلية بالقار مسطحة به فيُخَيَّل لرائيه أنه رخام أسود، وهذا القار يُجْلَب من عَيْنٍ بين الكوفة والبصرة تنبع أبدًا به ويصير في جوانبها كالصلصال فيُجْرَف منها ويُجْلَب إلى بغداد، وفي كل حمام منها خلوات كثيرة كل خلوة منها مفروشة بالقار مطلي نصف حائطها مما يلي الأرض به والنصف الأعلى مطلي بالجص الأبيض الناصع، فالضدان مجتمعان متقابل حسنهما، وفي داخل كل خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبان أحدهما يجري بالماء الحار والآخر بالماء البارد، فيدخل الإنسان الخلوة منها منفردًا لا يشاركه أحد إلا إن أراد ذلك، وفي زاوية كل خلوة أيضًا حوض آخر للاغتسال فيه أيضًا أنبوبان يجريان بالحار والبارد وكل داخل يعطى ثلاثًا من الفوط إحداهما يَتَّزِرُ بها عند دخوله والأخرى يتزر بها عند خروجه والأخرى يُنَشِّف بها الماءَ عن جسده، ولم أرَ هذا الإتقان كله في مدينة سوى بغداد وبعض البلاد تقاربها في ذلك.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع