تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر بعض المشاهد بشيراز: حكاية

مررت يومًا ببعض أسواق مدينة شيراز، فرأيت بها مسجدًا مُتْقَن البناء جميل الفرش، وفيه مصاحف موضوعة في خرائط حرير موضوعة فوق كرسي، وفي الجهة الشمالية من المسجد زاوية فيها شباك مُفَتَّح إلى جهة السوق، وهنالك شيخ جميلُ الهيئة واللباس وبين يديه مصحف يقرأ فيه، فسَلَّمْتُ عليه وجَلَسْتُ إليه، فسألني عن مَقْدِمي فأخبرته، وسألته عن شأن هذا المسجد فأخبرني أنه هو الذي عَمَرَهُ ووَقَفَ عليه أوقافًا كثيرة للقراء وسواهم، وأن تلك الزاوية التي جلست إليه فيها هي موضع قبره إن قضى الله موته بتلك المدينة ثم رَفَعَ بساطًا كان تحته، والقبر مغطًّى عليه ألواح خشب، وأراني صندوقًا كان بإزائه فقال: في هذا الصندوق كفني وحنوطي ودراهم كنت استأجرت بها نفسي في حفر بئر لرجل صالح، فدفع لي هذه الدراهم، فتركتها لتكون نفقة مواراتي وما فضل منها يُتَصَدَّق بها، فعجبت من شأنه وأردت الانصراف فحلف علي وأضافني بذلك الموضع، ومن المَشَاهد بخارج شيراز قبر الشيخ الصالح المعروف بالسعدي، وكان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي، وربما ألمع في كلامه بالعربي وله زاوية كان قد عَمَرَهَا بذلك الموضع حسنة بداخلها بستان مليح، وهي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن آباد، وقد صَنَعَ الشيخ هنالك أحواضًا صغارًا من المرمر لغسل الثياب، فيخرج الناس من المدينة لزيارته، ويأكلون من سماطه ويغسلون ثيابهم بذلك النهر وينصرفون وكذلك فعَلْتُ عنده رحمه الله، وبمقربة من هذه الزاوية زاوية أخرى تتصل بها مدرسة مبنية على قبر شمس الدين السمناني، وكان من الأمراء الفقهاء، ودُفِنَ هنالك بوصية منه بذلك، وبمدينة شيراز من كبار الفقهاء الشريف مجيد الدين وأَمْرُه في الكرم عجيب، وربما جاد بكل ما عنده وبالثياب التي كانت عليه ويلبس مرقعة له فيدخل عليه كبراء المدينة فيجدونه على تلك الحال فيكسونه، ومُرَتَّبه في كل يوم من السلطان خمسون دينارًا دراهم، ثم كان خروجي من شيراز برسم زيارة قبر الشيخ الصالح أبي إسحاق الكازروني بكازرون وهي على مسيرة يومين من شيراز، فنزلنا أول يوم ببلاد الشول، وهم طائفة من الأعاجم يسكنون البرية، وفيهم الصالحون.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.