تجاوز إلى المحتوى

من «رحلة ابن بطوطة» لابن بطوطة (ت ٧٧٩هـ)

ذِكْر ملك إيذج وتستر: كرامة لهذا الشيخ

دخل علي يومًا بموضع نزولي من الزاوية، وكان ذلك الموضع يُشْرِف على بستان للشيخ، وكانت ثيابه قد غُسِلَت في ذلك اليوم ونُشِرَت في البستان، ورأيت في جملتها جبة بيضاء مبطَّنة تُدْعَى عندهم هزرميخي فأعجبتني، وقلت في نفسي: مثل هذه كنت أريد، فلما دَخَلَ عليَّ الشيخ نَظَرَ في ناحية البستان، وقال لبعض خدامه: ائتني بذلك الثوب الهزرميخي فأتوا به فكساني إياه فأَهْوَيْتُ إلى قدميه أقبلهما، وطَلَبْتُ منه أن يلبسني طاقية من رأسه ويجيزني في ذلك بما أجازه والده عن شيوخه، فألبسني إياها في الرابع عشر لجمادى الأخيرة سنة سبع وعشرين وسبعمائة بزاويته المذكورة كما لَبِسَ من والده شمس الدين، ولَبِسَ والده من أبيه تاج الدين محمود، ولَبِسَ محمود من أبيه شهاب الدين علي الرجاء، ولبس علي من الإمام شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي، ولبس عمر من الشيخ الكبير ضياء الدين أبي النجيب السهروردي، ولبس أبو النجيب من عمه الإمام وحيد الدين عمر، ولبس عُمَر من والده محمد بن عبد الله المعروف بعمويه، ولبس محمد من الشيخ أخي فرج الزنجاني، ولبس أخو فرج من الشيخ أحمد الدينوري، ولبس أحمد من الإمام ممشاد الدينوري، ولبس ممشاد من الشيخ المحقق علي بن سهل الصوفي، ولبس علي من أبي القاسم الجنيد، ولبس الجنيد من سرى السقطي، ولبس سرى السقطي من داود الطائي، ولبس داود من الحسن بن أبي الحسن البصري، ولبس الحسن بن أبي الحسن البصري من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال ابن جزي: هكذا أورد الشيخ أبو عبد الله هذا السند، والمعروف فيه أن سريا السقطي صَحِبَ معروفًا الكرخي، وصحب معروف داود الطائي، وكذلك داود الطائي بينه وبين الحسن حبيب العجمي وأخو فرج الزنجاني، إنما المعروف أنه صَحِبَ أبا العباس النهاوندي، وصحب النهاوندي أبا عبد الله بن خفيف، وصحب ابن خفيف أبا محمد رويمًا، وصحب رويم أبا القاسم الجنيد.

وأما محمد بن عبد الله عمويه فهو الذي صَحِبَ الشيخ أحمد الدينوري الأسود وليس بينهما أحد والله أعلم، والذي صحب أخا فرج الزنجاني هو عبد الله بن محمد بن عبد الله والد أبي النجيب (رجع)، ثم سافرنا من أصفهان بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز وبينها مسيرة عشرة أيام، فوصلنا إلى بلدة كليل (وضبطها بفتح الكاف وكسر اللام وياء مد)، وبينهما وبين أصفهان مسيرة ثلاثة، وهي بلدة صغيرة ذات أنهار وبساتين وفواكه، رأيت التفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلًا عراقية بدرهم ودرهمهم ثلث النقرة، ونزلنا منها بزاوية عَمَرَها كبيرُ هذه البلدة المعروف بخواجة كافي، وله مال عريض قد أعانه الله على إنفاقه في سبيل الخيرات من الصدقة وعمارة الزوايا وإطعام الطعام لأبناء السبيل، ثم سرنا من كليل يومين ووصلنا إلى قرية كبيرة تُعْرَف بصوماء وبها زاوية فيها الطعام للوارد والصادر عَمَرَها خواجة كافي المذكور، ثم سرنا منها إلى يزد حاص (وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف وإسكان الزاي وضم الدال المهمل وخاء مُعْجَم وألف وصاد مُهْمَل)، بلدة صغيرة مُتْقَنة العمارة حَسَنَة السوق، والمسجد الجامع بها عجيب مبني بالحجارة مسقف بها والبلدة على ضفة خندق فيه بساتينها ومياهها، وبخارجها رباط ينزل به المسافرون، عليه باب حديد، وهو في النهاية من الحَصَانة والمَنَعة، وبداخله حوانيت يباع فيها كل ما يحتاجه المسافرون، وهذا الرباط عَمَرَه الأمير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق ملك شيراز، وفي يزد خاص يُصْنع الجبن اليزدخاصي ولا نظير له في طيبه وزن الجبنة منه من أوقيتين إلى أربع.

ثم سرنا منها على طريق دشت الروم وهي صحراء يسكنها الأتراك، ثم سافرنا إلى مايِين (واسمها بياءين مسفولتين أولاهما مكسورة)، وهي بلدة صغيرة كثيرة الأنهار والبساتين حسنة الأسواق وأكثر أشجارها الجوز، ثم سافرنا منها إلى مدينة شيراز وهي مدينة أصلية البناء فسيحة الأرجاء شهيرة الذكر منيفة القدر لها البساتين المونقة والأنهار المتدفقة والأسواق البديعة والشوارع الرفيعة، وهي كثيرة العمارة متقنة المباني عجيبة الترتيب، وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم، وأهلها حسان الصور نظاف الملابس، وليس في المشرق بلدة تُدَاني مدينة دمشق في حُسْن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحُسْن صُوَر ساكنيها إلا شيراز، وهي من بسيط من الأرض تحفُّ بها البساتين من جميع الجهات وتشقها خمسة أنهار؛ أحدها النهر المعروف بركن آباد، وهو عذب الماء شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء فينبعث من عين في سفح جبل هنالك يُسَمَّى القليعة، ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد العتيق وهو من أكبر المساجد ساحة وأحسنها بناء، وصحنه متسع مفروش بالمرمر ويغسل في أوان الحر كل ليلة، ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كل عشية، ويصلون به المغرب والعشاء، وبشماله باب يُعْرَف بباب حسن يفضي إلى سوق الفاكهة، وهي من أبدع الأسواق، وأنا أقول بتفضيلها على سوق باب البريد من دمشق، وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصًا نساءها، وهن يلبسن الخفاف ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهن شيء ولهن الصدقات والإيثار، ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كل يوم إثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم، فربما اجتمع منهن الألف والألفان بأيديهن المراوح يُرَوِّحْنَ بها على أنفسهن من شدة الحر.

ولم أرَ اجتماع النساء في مثل عَدَدِهِنَّ في بلدة من البلاد، وعند دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي هَمٌّ إلا قَصْد الشيخ القاضي الإمام قُطْب الأولياء فريد الدهر ذي الكرامات الظاهرة مجد الدين إسماعيل بن محمد بن خداد ومعنى خداد عطية الله، فوصلت إلى المدرسة المجدية المنسوبة إليه وبها سكناه وهي من عمارته، فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي ووجدت الفقهاء وكبار أهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر ومعه محب الدين وعلاء الدين ابنا أخيه شقيقه روح الدين، أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، وهما نائباه في القضاء لِضَعْف بصره وكِبَر سنه، فسلَّمْتُ عليه وعانقني وأَخَذَ بيدي إلى أن وَصَلَ إلى مُصَلَّاه، فأرسل يدي وأومأ إليَّ أن أصلي إلى جانبه ففعلت، وصلى صلاة العصر ثم قرئ بين يديه من كتاب المصابيح وشوارق الأنوار للصاغاني، وطالعاه نائباه بما جرى لديهما من القضايا، وتَقَدَّمَ كبار المدينة للسلام عليه، وكذلك عادتهم معه صباحًا ومساء، ثم سألني عن حالي وكيفية قدومي، وسألني عن المغرب ومصر والشام والحجاز فأخبرته بذلك، وأمر خُدَّامه فأنزلوني بدويرة صغيرة بالمدرسة، وفي غد ذلك اليوم وَصَلَ إليه رسول ملك العراق السلطان أبي سعيد وهو ناصر الدين الدرقندي من كبار الأمراء خراساني الأصل، فعند وصوله إليه نَزَعَ شاشيته عن رأسه وهم يسمونها الكلا وقَبَّلَ رِجْل القاضي وقَعَدَ بين يديه ممسكًا أذن نفسه بيده، وهكذا فَعَلَ أمراء التتر عند ملوكهم، وكان هذا الأمير قد قدم في نحو خمسمائة فارس من مماليكه وخُدَّامِه وأصحابه ونزل خارج المدينة، ودخل إلى القاضي في خمسة نفر، ودخل مجلسه وحده منفردًا تأدبًا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.